المعهد التقني في الحصب.. بين وعود الإخلاء وضياع الفرص

الاحد 30 نوفمبر 2025 - الساعة 06:20 مساءً
المصدر : الرصيف برس - المشاهد نت

 


منذ عشر سنوات يعيش المعهد التقني الصناعي في الحصب بمحافظة تعز وضعًا استثنائيًا، حيث تحولت مبانيه إلى نقاط تمركزٍ للقوات العسكرية؛ ما أدى إلى إغلاق قاعاته وخروج خدماته ومعامله عن الخدمة، وتوقف تدريس أقسامٍ وتخصصاتٍ كان لها دور في رفد السوق المحلي بالعمالة الفنية.

 

ورغم مرور سنواتٍ من المطالبات، لا يزال المعهد عاجزًا عن استعادة دوره الطبيعي، وغير قادرٍ على الاستفادة من فرص التمويل أو استقبال الطلاب، كما كان قبل الحرب. نائب عميد المعهد، عارف البريهي، يقول إن المعهد كان مؤسسةً كاملةً قبل الحرب؛ إذ كان عدد طلابه نحو ثلاثة آلاف طالب موزعين على 16 قسمًا، ستة منها تقنية وعشرة مهنية.

 

لكن بعد اندلاع الحرب تمركزت قيادة المحور والشرطة العسكرية داخل حرم المعهد؛ ما أدى لإغلاق معظم المباني ونقل الدراسة لسنواتٍ إلى المعهد التجاري بجهودٍ ذاتية. وبحسب البريهي، فإن الإدارة تسلمت جزءًا من المباني، ولم تحصل إلا على ثلاثة مبانٍ من أصل 36، بنسبة لا تتجاوز 10 % من القدرة التشغيلية، وهي منشآت تفتقر للتجهيزات.

 

البريهي كشف في حديثه لـ”المشاهد” أن الإقبال يعود تدريجيًا، وبلغ ذروته هذا العام 2025، حيث استقبل المعهد 1500 طالب، لكن لم يتمكن من قبول سوى 500 فقط؛ بسبب العجز الهائل في القاعات والمعامل، فيما تبلغ الطاقة الاستيعابية لكامل المستويين 820 طالبًا فقط.

 

وأضاف أن ستة أقسامٍ ما تزال مغلقةً بشكل كامل، وهي اللحام، الخراطة، التكييف والتبريد، الفنون، كهرباء آلات، وسيارات مهني. وبعضها تعرض للنهب الكامل، ويعمل المعهد اليوم بعشرة أقسامٍ فقط، ستة تقنية وأربعة مهنية. خلال السنوات الماضية، تلقى المعهد عدة فرصٍ تمويليةٍ كبيرة لإعادة تأهيله، لكن معظمها ضاع بسبب استمرار التمركز العسكري داخل المباني.

 

> *نائب المعهد، عارف البريهي: ستة أقسامٍ ما تزال مغلقةً بشكل كامل، وهي اللحام، الخراطة، التكييف والتبريد، الفنون، كهرباء آلات، وسيارات مهني. وبعضها تعرض للنهب الكامل، ويعمل المعهد اليوم بعشرة أقسامٍ فقط، ستة تقنية وأربعة مهنية.”*

 

*تمويلات ومنح ضائعة*

 

تم قبول 500 طالب من إجمالي 1500 متقدم في 2025 بسبب عجز القاعات والمعامل،المعهد التقني الصناعي، الحصب، تعز

تم قبول 500 طالب من إجمالي 1500 متقدم في 2025 بسبب عجز القاعات والمعامل،المعهد التقني الصناعي، الحصب، تعز

 

ومن أبرز هذه الفرص، وفق عارف البريهي، مناقصة صندوق الإعمار السعودي عام 2018 بقيمة ثلاثة مليارات ريال؛ لإعادة الصيانة والترميم والتأثيث بشكل كامل، ولم تنفذ بسبب تواجد القوات العسكرية في المعهد، وما زالت المنحة قائمة إلى الآن مع بقاء شرط الإخلاء نفسه أولًا.

 

كما زارت منظمة الهجرة الدولية الممولة من الحكومة اليابانية، المعهد في أعوام 2023 و2024 و2025، وقدمت مقترحًا لمشروع ترميم وتأثيثٍ جزئي يشمل معهدي الحصب والتربة. وكان مقررًا بدء العمل في نوفمبر الحالي بعد نزول المناقصة، لكن المشروع تأجل للأسباب ذاتها.

 

إضافةً إلى ذلك، أرسل رجل الأعمال شوقي أحمد هائل فريقًا هندسيًا لإعداد تقييمٍ شامل لإعادة ترميم منشآت المعهد، غير أن الفريق لم يُسمح له بالدخول من قبل الشرطة العسكرية. ويؤكد نائب العميد أن مؤسسة “عون” للتنمية وصلت برفقة مركز الملك سلمان هذا الأسبوع وتم الاتفاق على تجهيز 12 قاعة دراسية خلال الأسابيع القادمة، وهي خطوة تُعد أول تحركٍ عملي منذ سنوات رغم محدوديتها.

 

*93 مذكرة متعثرة*

 

اتفاق بين مؤسسة عون ومركز الملك سلمان بتجهيز 12قاعة دراسية في ديسمبر 2025، المعهد التقني الصناعي، الحصب، تعز

 

قضية السيطرة العسكرية على المعهد ليست جديدة. فمنذ عام 2019 أصدر مكتب التعليم الفني والمهني، والسلطات المحلية، ورئاسة الوزراء، ومحافظو تعز المتعاقبون 93 مذكرةً وتوجيهًا رسميًا لإخلاء مباني المعهد، وفق ما كشفه مدير مكتب التعليم الفني والمهني بتعز، قائد الصلوي، في تصريح صحفي لـ”المشاهد”. وأكد الصلوي أن هذه التوجيهات لم تجد طريقها للتنفيذ، رغم عدم وجود أي مبررٍ لبقاء هذه القوات في المعهد.

 

ويشير الصلوي  إلى أن الوعود ما تزال قائمةً، وأن هناك مؤشرات على إمكانية إخلاء الموقع قبل نهاية ديسمبر القادم أو بداية العام الدراسي 2026، إلا أن كل هذه الوعود تبقى “رهينة انتظار التنفيذ”. وتناول “المشاهد” في تقرير سابق ظاهرة استيلاء جهات عسكرية وجماعات مسلحة على المباني والممتلكات العامة والخاصة؛ الأمر الذي أثّر بشكل مباشرٍ على قدرة المؤسسات الخدمية في أداء مهامها، وطالت هذه الممارسات منشآتٍ تعليمية، بينها معهد الحصب التقني الصناعي.

 

من جانبه قال المتحدث باسم محور تعز، العقيد عبدالباسط البحر، في حديث مع “المشاهد” إن “خروج القوات العسكرية من المدن والتجمعات السكانية مرهون بتحقيق هدفٍ أكبر يتمثل في دحر جماعة الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة”.

 

> *المتحدث باسم محور تعز، العقيد عبدالباسط البحر: إن “خروج القوات العسكرية من المدن والتجمعات السكانية مرهون بتحقيق هدفٍ أكبر يتمثل في دحر جماعة الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة”.*

 

وقال أنه “عند تحقيق هذا الشرط، ستكون هناك خطة لإعادة تموضع القوات ونقلها إلى مواقع خارج المناطق السكانية “بعشرات الكيلومترات”، بما يضمن عودة الحياة المدنية والمؤسسات التعليمية إلى وضعها الطبيعي”. مضيفًا أن ما يواجه المعهد اليوم من صعوبات لا يمكن فصلها عن مشهد الحرب الأشمل في تعز، وتدفع المدينة ثمن الحصار والاعتداءات المستمرة التي يشنها الحوثيون ضد العلم والتعليم، حد وصفه.

 

*تضرر الطلاب والمعلمين*

 

وفق مدير مكتب التعليم الفني، يُعد معهد الحصب “أكبر معهد تقني في اليمن”، وكانت مخرجاته خلال عشر سنوات قادرة على رفد المحافظة بأكثر من 20 ألف خريج، وهو رقم كفيل بإحداث نقلةٍ نوعيةٍ في تنمية سوق العمل، لكن ما حدث هو العكس تمامًا.

 

 وبسبب إغلاق الأقسام والمعامل، اضطر المعهد لتقليص سنوات الدراسة من ثلاث سنوات إلى سنتين فقط؛ الأمر الذي جعل الخريجين يحصلون على دبلومٍ مهني غير مؤهِّل للالتحاق بالجامعة، خاصةً طلاب بعد الصف التاسع، خلافًا لما أقرته وزارة التعليم العالي مؤخرًا بالسماح لحملة الدبلوم الثلاثي بالانتقال إلى التعليم الجامعي.

 

وهكذا يجد الطالب نفسه محرومًا من مواصلة دراسته، رغم أن النظام الأصلي للمعهد كان يمنحه تلك الفرصة.

 

إضافةً إلى ذلك، هناك 310 من الكوادر المتخصصة -مهندسين وفنيين- من المفترض أن يعملوا في المختبرات والورش، لكنهم اليوم في حالة تعطّلٍ قسري؛ لأن الأقسام مغلقة ولا يوجد مجال لتفعيل خبراتهم. وهو ما ينعكس مباشرةً على جودة التدريب والقدرة على استقبال طلابٍ جدد.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس