التحدي الاقتصادي القادم أمام الحكومة الجديدة.. من إدارة الأزمة إلى تفكيك اقتصاد الحرب
السبت 17 يناير 2026 - الساعة 06:34 مساءً
المصدر : الرصيف برس - خاص

يرى مراقبون اقتصاديون أن الحكومة الجديدة في اليمن، المزمع تشكيلها، تقف أمام لحظة فارقة لا تحتمل شعارات عامة أو وعودًا مؤجلة، بقدر ما تتطلب قرارات حاسمة تعيد ترتيب الأولويات وفق منطق: «إيقاف النزيف أولًا، ثم منع إعادة إنتاجه».
وأكدوا أن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن الأزمة لم تكن ناتجة فقط عن شح الموارد، بل عن تفكك إدارتها، وتحول المال العام إلى أداة صراع ونفوذ، ما أنتج ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، الذي يتغذى على الفوضى أكثر من اعتماده على القتال نفسه.
*أولويات عاجلة (خلال 6 أشهر).. إيقاف النزيف واستعادة الحد الأدنى من الثقة*
أوضح المراقبون أن الخطوة الأكثر إلحاحًا تتمثل في توحيد الإيرادات العامة واستعادة السيطرة الفعلية على الموارد السيادية، وفي مقدمتها النفط والغاز والجمارك والضرائب والموانئ ورسوم الخدمات، عبر توريدها إلى حساب حكومي واحد شفاف، وإنهاء كل أشكال التحصيل النقدي والجبايات غير القانونية، خصوصًا في عدن ومأرب وحضرموت وتعز.
وبحسب التقديرات، فإن هذه الخطوة وحدها كفيلة بتحسين قدرة الدولة على تمويل السلع الأساسية والرواتب، وتقليص الاعتماد على طباعة النقد أو التمويل بالعجز، فضلًا عن توجيه ضربة مباشرة للبنية المالية لاقتصاد الحرب.
كما يشدد المراقبون على ضرورة ربط المال بالخدمة فورًا، بحيث يلمس المواطن أثر أي إيراد يتم تحصيله في صورة رواتب منتظمة، وكهرباء، ومياه، وخدمات صحية، ما يحوّل المجتمع إلى شريك مدافع عن الإصلاح بدل كونه متلقيًا سلبيًا للأزمة.
وفي ملف العملة، حذّروا من «الحلول الوهمية»، مؤكدين أن استقرار سعر الصرف يبدأ بربط الإنفاق بالإيرادات الفعلية، ووقف أي تمويل بالعجز، وكبح المضاربات المرتبطة بالتوقعات السياسية أو الودائع، مع توجيه الإيرادات السيادية لتمويل استيراد القمح والوقود بشكل منظم.
*أولويات قصيرة المدى (3–9 أشهر).. تفكيك الامتيازات دون صدام شامل*
خلال هذه المرحلة، يرى المراقبون أن التحدي الأبرز يتمثل في فصل الموارد السيادية عن القرار العسكري، وإدارتها بآلية فنية محايدة مرتبطة بالبنك المركزي، وتخصيصها حصريًا للرواتب والغذاء والوقود والخدمات.
كما اعتبروا أن ملف الرواتب ليس عبئًا ماليًا، بل أداة استقرار، شريطة انتظام الصرف وربطه بالبصمة والالتزام الوظيفي، مع إعطاء أولوية لقطاعات التعليم والصحة والخدمة العامة، مقابل إنهاء الجبايات الذاتية التي نشأت كبديل قسري لغياب الدولة.
وفي السياق نفسه، يؤكد المراقبون أن كسر الاحتكارات في استيراد القمح والوقود، وفتح المجال أمام منافسة حقيقية، أكثر فاعلية من دعم السلع بشكل مشوَّه يخدم قلة على حساب السوق والمواطن.
*أولويات قصيرة ومتوسطة (6–18 شهرًا).. إعادة ضبط الإنفاق وتحفيز الاقتصاد الحقيقي*
وأكد المراقبون أنه في المدى اللاحق، تصبح إعادة هيكلة الإنفاق العام ضرورة لا خيارًا، عبر خفض الإنفاق العسكري غير المنتج، وضبط الالتزامات الخاصة والازدواج الوظيفي، وتوجيه الموارد نحو الكهرباء والصحة والمياه.
كما شددوا على أهمية إصلاح القطاع المصرفي وتوحيد السياسة النقدية، وإعادة تنظيم عمل البنوك وشركات الصرافة، بما يستعيد للبنك المركزي دوره كجهة وحيدة لإدارة النقد الأجنبي.
وبالتوازي، يرون ضرورة تحفيز النشاط الاقتصادي الحقيقي، خصوصًا في قطاع الزراعة، وإعادة تشغيل الموانئ والمناطق الحرة، وتقديم حوافز ضريبية مؤقتة للمنشآت المنتجة، كمدخل عملي لتقليص البطالة وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
*أولويات متوسطة المدى (12–24 شهرًا).. منع إعادة إنتاج اقتصاد الحرب*
يؤكد المراقبون أن أخطر ما قد تواجهه الحكومة هو تحقيق نجاح مؤقت يعقبه ارتداد، إذا لم يُعاد توجيه الإنفاق من الطابع العسكري غير المنتج إلى الغذاء والطاقة والنقل والزراعة، باعتبار أن كل ريال يُستثمر في الغذاء يقلل اعتماد المجتمع على شبكات الحرب.
كما يرون أن خلق اقتصاد بديل محلي، عبر تشغيل الشباب في الزراعة والطاقة الشمسية والخدمات اللوجستية، يمثل ركيزة أساسية للاستقرار، حيث تعني كل فرصة عمل مدنية تقليصًا مباشرًا لدوافع العنف.
*قواعد حاكمة للإصلاح*
يجمع المراقبون على أن نجاح الحكومة الجديدة مشروط بإدارة الإصلاح باعتباره إعادة توزيع نفوذ، لا تصفية حسابات، وتحويل القوى المستفيدة من الفوضى إلى شركاء مشروطين بالاستقرار.
ويختمون بالقول إن أولوية المرحلة ليست تحقيق النمو، بل الاستقرار أولًا: (استقرار الإيرادات، ثم العملة، ثم الغذاء والوقود)، قبل أي حديث عن التعافي.
وفي المحصلة، لا تُقاس الحكومة الجديدة بعدد قراراتها، بل بقرار واحد حاسم:
هل ستوحّد مورد المال أم ستديره كغنيمة؟
الإجابة، برأي المراقبين، هي ما سيحدد ما إذا كان البلد سيتجه نحو الاستقرار، أم نحو حرب جديدة بأدوات أكثر كفاءة ووجوه مختلفة.














