ما الذي أخّر انضمام الحوثيين إلى إسناد إيران.. اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية؟

السبت 28 مارس 2026 - الساعة 07:06 مساءً
المصدر : الرصيف برس - مركز صنعاء للدراسات

 


حتى وقت قريب، كان السؤال الأبرز في إسرائيل بشأن اليمن يدور حول الأسباب التي أخّرت دخول جماعة الحوثيين في الحرب وتقديم إسناد مباشر لإيران، رغم مرور نحو شهر على اندلاعها. لكن هذا السؤال اكتسب بُعدا جديدا بعد إعلان الجماعة، اليوم السبت، تنفيذ أول هجوم لها على إسرائيل في سياق الحرب الجارية، باستخدام صواريخ باليستية استهدفت ما قالت إنها “أهداف عسكرية حساسة” في جنوب إسرائيل، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض المقذوف.

 

وكانت التحليلات الإسرائيلية السابقة قد أرجعت هذا التأخر إلى جملة من العوامل، أبرزها حالة الردع والإعياء الناتجة عن الاستنزاف العسكري، والخشية من تعرض الجماعة لضربات أمريكية وإسرائيلية مباشرة، فضلا عن احتمال وجود تنسيق استراتيجي مع طهران يقضي بتأخير الانخراط إلى مرحلة لاحقة. كما رأت بعض التقديرات أن الحوثيين لا يتصرفون بوصفهم وكلاء بالمعنى التقليدي، بل كفاعل يسعى إلى الموازنة بين شراكته الأيديولوجية والعسكرية مع إيران وبين حساباته الخاصة في اليمن والمنطقة.

 

وفي هذا السياق، يستعرض التقرير كيف فسرت الصحافة العبرية ومراكز الأبحاث الإسرائيلية دوافع هذا التريث قبل الهجوم المعلن اليوم، وما إذا كان يعكس اعتبارات داخلية، أم توقيتا استراتيجيا مؤجلا، أم مزيجا من الأمرين.

 

ويترجم مركز صنعاء للدراسات مواد كاملة أو مقتطفات لأبرز ما أوردته الصحافة العبرية والمراكز البحثية المعنية بالشؤون الإسرائيلية وعلاقتها بالمنطقة، كجزء من سلسلة ترجمات وإصدارات ينتجها المركز في سياق اهتماماته والمقاربات الإقليمية التي يقدمها.

 

•لماذا لا ينخرط الحوثيون في الحرب إلى جانب إيران؟

قال أور هوروفيتس[1]، على موقع والا العبري، في 22 مارس 2026، إن دوائر التقدير في إسرائيل والولايات المتحدة تبدي حيرة إزاء عدم انخراط الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران. لعل الاحتمال الأرجح، من المنظور الإسرائيلي، هو أن الحوثيين واقعون تحت وطأة الردع والإعياء من الانخراط المباشر في هذه الحملة، ولاسيما بعد استنفاد جزء كبير من قدراتهم العسكرية في السنوات الأخيرة، وتعرضهم لسلسلة من الضربات التي شنتها إسرائيل. في الخلفية، قد يكمن تصور مفاده أن استخدام الحوثيين للقوة لن يخدم الجهد الإيراني كثيرًا، بل سيُكلفهم ثمنًا باهظًا في وقت يسعون فيه لإعادة بناء قوتهم تحسبا للمعركة القادمة.

 

كما أن قرار عدم الانخراط قد يعكس استقلالية الحوثيين في اتخاذ القرار، وإصرارهم على عدم التصرف بموجب الإملاءات الإيرانية. يتعاون الحوثيون استراتيجيا مع إيران، لكنهم لا ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم تابعين لها، عسكريًا أو دينيًا، بخلاف حزب الله. علاوة على ذلك، فإن للزعيم الحوثي تطلعاته الخاصة ورؤيته الإقليمية التي يتبوأ فيها موقعا قياديا محوريا ضمن منظومة “المحور”، وهي ليست بالضرورة خاضعة لإيران.

قد يكون قرار عدم التحرك، حتى الآن، إشارة لإيران والمنطقة برمتها، بأن الحوثيين لديهم موقفهم الخاص وأفكارهم المستقلة، حتى مع رفقاء الدرب. كما قد يعكس هذا الموقف فهما رصينا بأن أفول نجم إيران بات وشيكا، وهو ما قد يدفعهم إلى الحفاظ على قوتهم تحسبا لاحتمال تصاعد دورهم القيادي داخل ما يسمى بـ”المحور الشيعي”.

 

كان الحوثيون قد ربطوا مصيرهم بالحملة الدائرة في غزة، ومن المحتمل أنهم يسعون للحفاظ على إحدى أدوات الردع القليلة المتبقية التي تحول دون تجدد القتال هناك. وفقا لهذا الاحتمال، فإن الانخراط في حرب مع إيران قد يصرف انتباه الحوثيين عما يُعد أولوية من وجهة نظرهم: وهو قيادة النضال الإقليمي للذود عن “فلسطين”.

 

وأضاف هوروفيتس أن ثمة احتمال آخر يثير قلق الاستخبارات الإسرائيلية، وهو ترقب الحوثيين للحظة المواتية لمباغتة إسرائيل بعملية استراتيجية نوعية؛ تتمثل في شن وابل كثيف من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، أو شن عملية برية أو بحرية واسعة، وهو السيناريو الأكثر خطورة.

 

وكان زعيم الحوثيين قد صرّح سابقا بأن الشعب اليمني مستعد لـ”التحرك بمئات الآلاف نحو فلسطين وخوض معركة الجهاد المقدس ضد العدو الصهيوني”. 

يُضاف إلى ذلك تقارير سابقة أشارت إلى تدريبات حوثية استعدادا لهجوم بري أو بحري ضد إسرائيل؛ مما يعزز التقدير السائد في إسرائيل بأن هذا الاحتمال غير مستبعد، رغم المسافة الشاسعة والقيود العملياتية الكثيرة.

 

انطلاقا من الدروس المستفادة من إخفاقات “السابع من أكتوبر”، يستعد الجيش الإسرائيلي حاليا لهذا السيناريو، وينفذ سلسلة من الجهود الاستخباراتية وجمع المعلومات والتدابير العملياتية للتصدي له. وتقدّر إسرائيل، أو تأمل، أن يواجه الحوثيون هذه المرة جيشا أكثر جاهزية مقارنة بما كان عليه أثناء مواجهة حركة حماس.

 

في الحالتين، فإن الحوثيين باقون في المشهد، ومن المتوقع أن يظلوا تحديا رئيسيا للاستقرار الإقليمي والعالمي، بصرف النظر عن مسار تطور الحملة العسكرية على إيران وحزب الله؛ إذ ستستمر، وفق هذا التقدير، عوامل مثل التطرف الديني، والنزعة الإقليمية التوسعية، والقدرة النسبية على مقاومة الضغوط الخارجية، والخطاب العدائي تجاه إسرائيل واليهود، في تشكيل السياسة الحوثية؛ مما يجعلهم أحد أكثر الفاعلين الذين واجهتهم إسرائيل تعقيدا ومراوغة في السنوات الأخيرة.

 

•تقديرات أمنية: الحوثيون قد ينضمون إلى الحملة في الأيام المقبلة

 

قال الصحفي الإسرائيلي روعي كايس إن مصادر أمنية في المنطقة قالت لموقع هيئة البث العام الإسرائيلية “كان”، في 21 مارس 2026، إن الضغوط التي تمارسها إيران وحزب الله على جماعة الحوثيين في اليمن للانضمام إلى الحملة تتزايد، ولا يستبعد مشاركتهم في الأيام المقبلة، تزامنا مع انتهاء عطلة عيد الفطر.

 

على صعيد التصريحات، يواصل الحوثيون تأكيد دعمهم لإيران، وأنهم سينضمون إلى الحملة متى اقتضت التطورات ذلك، كما ذكرت مصادر من صفوف القوى المناهضة للحوثيين في اليمن لموقع “كان” أن الحوثيين قد عززوا قواتهم مؤخرا في محيط مدينة الحديدة الساحلية، مما قد يشير إلى استعدادهم للانضمام إلى الحملة قريبا.

 

وأبلغ مسؤول عسكري إيراني وسائل إعلام محلية باحتمال انضمام الحوثيين إلى الحملة في الساحة البحرية، عبر إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، إذا شنت الولايات المتحدة هجوما بريا على إيران.

 

•ازدواجية الخطاب الحوثي بشأن إيران: لماذا قد تعني كلمة 

“مستعد” أنه غير جاهز؟

 

قال أري هيستين [2]، على موقع يديعوت أحرونوت، في 17 مارس 2026، إن الحوثيين قضوا أعواما لإبراز أنفسهم بصفتهم الشريك الأوثق لإيران ضمن ما يُعرف بـ “محور المقاومة”. مع ذلك، لم يتخذ الحوثيون أي إجراء في الوقت الذي تضعف فيه القوات الأمريكية والإسرائيلية، بأسلوب منهجي، قدرات إيران العسكرية وبرنامجها النووي وأجهزتها القمعية.

 

وذكر هيستين أنه أشار سلفا إلى أن هذا التقاعس يعكس عوامل هيكلية، منها استقلالية الجماعة عن طهران، ومخاوفها من التداعيات المالية التي تتمخض عن خوض حرب أخرى، ولكن بعيدا عن تلك الاعتبارات الهيكلية، تتيح الرسائل الإعلامية الصادرة عن جماعة الحوثيين نافذة إضافية لفهم نواياها الحقيقية.

 

أشار هيستين أيضا إلى أن الرسائل الإعلامية، على مدى العام الماضي، ولا سيما أثناء جولتي الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت إيران، خضعت لرقابة وضبط أكثر صرامة. ومن المرجح أن هذا التحول يعكس دافعين أساسيين: الرغبة في إضفاء طابع “الاحترافية” على أداء الجماعة عبر تقديم رسالة إعلامية موحدة، والحاجة إلى درء أي تصعيد غير ضروري قد ينجم عن “إفشاء معلومات” من أتباعهم مفرطي الحماسة.

 

•معضلة الحوثيين: بين الولاء والطموح

 

أرجع موقع Jewish News Syndicate، في 11 مارس 2026، السبب وراء إحجام الحوثيين عن توجيه ضربات إلى إسرائيل، إلى عاملين أساسيين: الأول هو الانقسام في صفوف عناصر “الحرس الثوري الإيراني” في اليمن بشأن ما إذا كان ينبغي للحوثيين التدخل في الصراع؛ والثاني هو مصلحة الحوثيين الذاتية في ترسيخ سلطتهم وتعزيز نفوذهم داخليا، لا سيما بعد الانهيار الفعلي للتحالف الذي كان يقاتلهم سابقا، بقيادة السعودية والإمارات.

 

في الداخل اليمني، تشير التقارير الواردة عن المحللين والمراقبين الإقليميين إلى أن العناصر المرتبطة بـ “الحرس الثوري الإيراني” لا تتشارك الرأي نفسه بشأن الطريقة التي ينبغي للحوثيين أن يردوا بها: يرى بعضهم ضرورة التصعيد الفوري دعما لإيران، وإثبات أن ما يُسمى بـ “محور المقاومة” لا يزال موحدا؛ بينما يعتقد آخرون أن التحلي بضبط النفس يُعد خيارا أكثر حكمة من المنظور الاستراتيجي.

 

تعتمد حجة هؤلاء على منطق بسيط: إذا واجهت إيران نفسها ضغوطا داخلية أو خارجية شديدة، أو حتى خطر الانهيار، حينها يكون اليمن آخر قاعدة عملياتية صامدة لـ “محور المقاومة”. لذا، فإن الحفاظ على قدرات الحوثيين العسكرية اليوم قد يكون أكثر قيمة من استنزافها في مواجهة سابقة لأوانها.

في الوقت الراهن، لا يزال الغموض يُخيِّم على المشهد. من يتابع شؤون الحوثيين عن كثب يقرّ بأن الحركة تتعرض لضغوط متزايدة لاتخاذ خطوات للتحرك عسكريا.

 

أشار الموقع إلى أن الغرض الأساسي من هجمات الحوثيين على إسرائيل، إبان فترة حرب غزة، هو ترسيخ مكانتهم باعتبارهم المدافعين عن القدس والمسجد الأقصى. سعى الحوثيون، عبر هذه الحملة، إلى اكتساب الشرعية وتعزيزها، سواء داخل اليمن أو في مختلف أرجاء العالم العربي.

 

من هذا المنظور، لم تكن تلك الهجمات مجرد خدمة استراتيجية لـ “محور المقاومة” بقيادة إيران، بل كانت أيضا خطوة محسوبة ومدروسة من الحوثيين لتعزيز شرعيتهم ونفوذهم.

 

ذكر الموقع أن سلوك الحوثيين في حرب الـ12 يوما، بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، يقدم رؤية مهمة عن نهجهم الاستراتيجي. على الرغم من الخطاب القوي وتصريحات التضامن مع طهران، إلا أن الحوثيين أحجموا عن التصعيد العسكري على إسرائيل، وبدلا من أن يؤدوا دور “القوة الضاربة الفورية”، آثروا أن يكونوا “احتياطيا استراتيجيا” ضمن منظومة “محور المقاومة”.

 

مع ذلك، فإن حسابات الحوثيين لا تتشكل بناء على ولائهم لطهران فحسب، بل تتأثر أيضا بطموحهم السياسي المتنامي داخل اليمن. لقد أدى التنافس بين السعودية والإمارات، الذي أسفر في النهاية إلى انهيار التحالف المناهض للحوثيين (فضلا عن تساهل الرياض تجاههم إلى حد كبير)، إلى خلق واقع استراتيجي جديد.

 

للمرة الأولى، يرى الحوثيون مسارا واقعيا نحو ترسيخ سيطرتهم طويلة الأمد على أجزاء واسعة من اليمن؛ إذ إن الانخراط حاليا في مواجهة كبرى مع إسرائيل والولايات المتحدة قد يعرّض بنيتهم الأساسية وقيادتهم لخطر ضربات مدمرة، بينما هم يسعون إلى ترسيخ سلطتهم داخليا.

 

أشار الموقع أيضا إلى أن الحوثيين وعناصر الحرس الثوري الإيراني يواجهون الآن حسابات استراتيجية صعبة: هل ينبغي الرد فورا، مع المخاطرة بتكبد ضربات انتقامية قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة، تسفر عن إضعاف قدراتهم إلى حد كبير، أم يلتزمون الصمت للحفاظ على أنفسهم بصفتهم قوة ردع طويلة الأمد، قادرة على تهديد الممرات البحرية والأهداف الإقليمية في حال تصاعد الصراع مستقبلا؟

 

ويُنظر إلى الحوثيين بوصفهم من أكثر القوى الحليفة لإيران صمودا، ومن أكثرها استقلالية نسبيا في اتخاذ القرار. مع أن الحوثيين يُعرّفون أنفسهم على أنهم شيعة، إلا أن معتقداتهم وممارساتهم تختلف جوهريا عن التيار السائد في الإسلام الشيعي، ومن غير المرجح أن تؤدي وفاة آية الله خامنئي، مع أنها ضربة لراعي الحوثيين الأيديولوجي، إلى دفع عبد الملك الحوثي، للتصرف بتهور أو الانخراط في هجمات انتحارية ردا على الضربات الإسرائيلية.

 

ووفقا للموقع، فإن المسألة لا تتعلق بقدرتهم على اتخاذ خطوة ما، بل بقرار طهران أن اللحظة المواتية قد حانت وفيما إذا كان الحوثيون مستعدين للمخاطرة بالفرصة الاستثنائية التي برزت حاليا في اليمن، حيث تحولت موازين التنافس بين السعودية والإمارات لصالحهم.

 

إلى أن يتخذ هذا القرار، يظل اليمن آخر رصيد استراتيجي لمحور إيران الإقليمي.

 

تتمثل المعضلة التي تواجه واشنطن والقدس فيما إذا كان ينبغي شن ضربة استباقية على الحوثيين، في ظل تواجد حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة، لمنعهم من تعزيز قدراتهم التي قد تهدد المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

 

•هل سينضم الحوثيون إلى الحرب؟

 

قال يوني بن مناحيم[3]، على موقع arabexpert، في 8 مارس 2026، إن الحوثيين لم يعلنوا، حتى الآن، تنفيذ أي عمليات عسكرية مباشرة تتعلق بالحرب على إيران رغم التصريحات التي تتسم بالاستعداد والتأهب، وأشار إلى أن مصادر أمنية رفيعة تقدّر أن تردد قيادة الحوثيين نابع من عدة اعتبارات، أبرزها احتمال تعرض الجماعة لهجمات أمريكية وإسرائيلية مباشرة على البنية التحتية العسكرية والاقتصادية التي شيَّدتها في شمال اليمن.

 

وبحسب التقييمات الإسرائيلية والأمريكية، يدرك الحوثيون تماما مدى حدة الضربات العسكرية التي تتكبدها إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل. لقد صُدموا أيضا باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ومن المتوقع أن يواصلوا دعمهم غير المباشر مع احتمال محدود للتدخل المباشر في الحملة، حيث يعتمد أي قرار بالانخراط في حرب شاملة إلى حد كبير على التطورات في الساحة الإيرانية، ورد إسرائيل، وقدرتهم الداخلية على حفظ الاستقرار في مناطق سيطرتهم في شمال اليمن.

 

وأشار بن مناحيم إلى أن مصادر أمنية رفيعة المستوى تقدّر أن قرار الحوثيين قد يتأثر أيضا بالتطورات في إيران نفسها، وقد تُسرّع عدة عوامل من قرار الانضمام إلى الحرب، ومنها توجيه ضربة قوية للنظام الإيراني، أو طلب إيران، بصورة مباشرة، تفعيل الجبهات الإقليمية، أو شن هجمات استباقية على قيادة الحوثيين.

 

في هذه المرحلة، يبدو أن قيادة الحوثيين تسعى للموازنة بين التزامها بالمحور الإيراني والحفاظ على استقرار حكمها في شمال اليمن، لكنها قد تحذو حذو حزب الله وتشن حربا شاملة على إسرائيل والولايات المتحدة.

 

•لماذا يلتزم الحوثيون الصمت؟

 

قال أري هيستين، على معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، في 8 مارس 2026، إن الحوثيين لم ينظروا قط إلى إيران على أنها مركز ثقل أو سيطرة لهم، أو شريكا في تحالف دفاعي مشترك، بل اعتبروها شريكا أيديولوجيا وعسكريا مهما لدعم المكون اليمني المتميز في “المقاومة” الإسلامية. لا تتضمن العلاقة، من وجهة نظر الحوثيين، التزاما يعرض بقائهم للخطر من أجل دعم رعاتهم.

رجَّح هيستين عدم انخراط الحوثيين في الحرب، حتى لو كان لديهم الدافع الأيديولوجي، لأن الظروف الراهنة تعد توقيتا سيئا للغاية لمواجهة التحالف القوي بقيادة الولايات المتحدة، فقد دُمّر اقتصاد الحوثيين بفعل ضغوط هائلة من جميع الجهات، وللأزمة الاقتصادية جوانب ملموسة لا يمكن إنكارها أو التستر عليها بالأيديولوجيا.

 

أشار أيضا إلى عدة عوامل ساهمت في تفاقم أزمة إيرادات الجماعة، من دون وجود حل واضح في الأفق. ومن بين هذه العوامل: تدمير موانئ الحوثيين جراء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، وتراجع المساعدات الخارجية خشية تحويل مسار الأموال، والعقوبات الصارمة التي فرضتها واشنطن، ونقل المؤسسات المالية الرئيسة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وحقيقة أنه لا يمكن نهب خزينة الدولة والبنوك والسكان إلى ما لا نهاية، وأن تمكنهم من إثراء الجماعة لسنوات ودفع جزء ضئيل من رواتب موظفي القطاع العام المستحقة، لا يعني بالضرورة قدرة الجماعة على الاستمرار على المدى الطويل. هذه الأزمة المتفاقمة قد تدفع الشعب اليمني إلى حافة الانهيار، وتدفع مرتزقة الجماعة إلى التوقف عن القتال، وربما حتى الانشقاق، بل وتمنع الجماعة من إعادة ملء مخزوناتها من الأسلحة.

 

بما أن الحوثيين لم يبدأوا إلا مؤخرا في إعادة ترميم موانئهم البحرية التي يعتمد عليها اقتصادهم، فمن المنطقي ألا يتسرعوا في شن جولة أخرى من الهجمات، ويخاطروا بتكبد مزيد من الخسائر. على الرغم من سُمعة الحوثيين التي اكتسبوها بأنهم مقاتلين متمرسين، إلا أن لهم تاريخا موثقا جيدا من الهُدن الاستراتيجية ولا سيما إذا فقدوا زخمهم، أو الرغبة في الراحة وإعادة التسلح قبل الجولة التالية. حاليا، تتجه حسابات الجماعة الاستراتيجية إلى حد كبير نحو ضبط النفس.

 

ومن الناحية العملية، يمكن الافتراض أن الحوثيين أعادوا تقييم موقفهم بعد الهجمات الناجحة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شتاء وصيف 2025، وأسفرت عن مقتل كبار قادتهم العسكريين، ومؤخرا القيادة الإيرانية في إطار عملية “زئير الأسد”. رغم أن جماعة الحوثيين أصبحت أكثر تنظيما بمرور الوقت، إلا أنها لا تزال ذات طابع شخصي للغاية، وتعتمد على الروابط العائلية والعلاقات الشخصية، وقد يؤدي هجوم من النوع الذي أطاح بطبقات كاملة من القيادات العليا في حزب الله وإيران إلى فوضى عارمة في هيكل سلطة الحوثيين.

 

مع ذلك، قد تتغير اعتبارات الحوثيين؛ فعلى سبيل المثال، في لحظة يأس، قد يُقدم الحرس الثوري للحوثيين حوافز كبيرة للمشاركة في القتال، ويوفر لهم متنفسا يساعدهم على تجنب أزمة اقتصادية. 

 

من المحتمل أيضا أن تبدأ دول مجلس التعاون الخليجي بالانخراط مباشرة في مهاجمة إيران. في هذه الحالة، قد يسعى الحوثيون إلى تحقيق توازن بين النشاط وضبط النفس عبر مهاجمة أهداف في الخليج (بدلا من أهداف أمريكية أو إسرائيلية)، بهدف إثارة رد فعل محدود عليهم.

 

أوصى هيستين بضرورة عدم استشراف الأحداث المستقبلية من سياسة الحوثيين الحالية، بل ينبغي مواصلة مراقبة التهديد عن كثب، إذ أن أحد أهم المزايا الأساسية التي استغلها الحوثيون باستمرار منذ 7 أكتوبر 2023، هو عنصر المفاجأة.

 

•اعتبارات داخلية أم حسابات استراتيجية

 

أرجع داني سيترينوفيتش[4]، على موقع يسرائيل هيوم، في 7 مارس 2026، ضبط النفس الذي تمارسه جماعة الحوثيين الآن وعدم انضمامها إلى الحرب مع إيران إلى أمرين أساسيين:

 

•التنسيق الاستراتيجي مع إيران

 

ربما تُفضل إيران أن ينخرط الحوثيون في الحملة في مراحلها المتقدمة فقط. إذا قدَّرت طهران أنها حرب استنزاف طويلة الأمد، فإن إبقاء الحوثيين باعتبارهم قوة مؤثرة في مرحلة لاحقة قد يشكل عامل قوة إضافيا مهما. إن مشاركتهم المتأخرة في المعركة، عبر إطلاق الصواريخ أو الهجمات في البحر الأحمر أو الهجمات على الملاحة الدولية، قد تزيد الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة في وقت حرج.

 

إضافة إلى ذلك، ربما يكون ثمة تنسيق بين طهران وقيادة الحوثيين في صنعاء، بما يُبقي الجماعة ورقة تهديد محتملة للرياض وأبوظبي. طالما لم تتدخل السعودية والإمارات مباشرة في الصراع الحالي، فقد يتجنب الحوثيون تصعيدا قد يجرّ دول الخليج إلى المعركة.

 

•اعتبارات داخلية للحوثيين

 

إن الدخول في حملة مباشرة على إسرائيل أو الولايات المتحدة قد يُعرّض الجماعة لموجة هجمات أخرى كبيرة تلحق أضرارا ببنيتها العسكرية والسياسية في اليمن. لذا، من المحتمل أن قيادة الجماعة تقدر أنه من المستحسن في هذه المرحلة تجنب التصعيد.

مع ذلك، قال سيترينوفيتش إن موقف إيران في الحملة قد يُغيّر حسابات الحوثيين. 

 

كلما ازداد الضغط الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وخاصة إذا كانت هناك مخاوف حقيقية بشأن زعزعة استقرار النظام في طهران، قد يشعر الحوثيون بالتزام أكبر بالمشاركة في الصراع بفاعلية.

 

في مثل هذا السيناريو، يُتوقع من الجماعة اتخاذ عدة إجراءات: إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل، ومهاجمة السفن التي تمر عبر مضيق باب المندب، بل وحتى محاولات إلحاق الضرر بالوجود البحري الأمريكي في منطقة بحر العرب.

 

وقد يسهم دخول الحوثيين في هذه الحملة في تشتيت الضغط العسكري الواقع على إيران، وفتح ساحة أخرى على إسرائيل، وتشكيل تحد للوجود البحري الأمريكي في المنطقة.

 

فيما يتعلق بالدوافع التي تحرك الحوثيين للمشاركة في الحرب، قالت عنبال نسيم لوفطون[5]، على موقع جلوبس، في 5 مارس 2026، إن الهجوم الإسرائيلي أو الأمريكي في اليمن هو ما سيحفز الحوثيين على التحرك أو تغيير المسار الذي اتبعوه حتى الآن، لأنه يدفعهم إلى الدفاع عن النفس، أو موقف داخل اليمن يُغيّر موازين القوى ويُحوّل العمليات العسكرية الخارجية إلى مكاسب داخلية، وأنه من الصعب عليها تصور كيف يمكن لتهديد إيراني أن يدفعهم إلى اتخاذ إجراء، لأن إيران أصبحت أقل جاذبية لهم من حيث المساعدات التي قدمتها. 

على أي حال، فقد ازداد اعتمادهم مؤخرا على الصين، على سبيل المثال، في مكونات أسلحتهم، كما أن إنتاجهم المحلي آخذ في الازدياد.

 

في سياق متصل، أرجع البروفيسور إيال زيسر[6]، على موقع جلوبس، في 2 مارس 2026، عدم تدخل الحوثيين في الحرب مقارنة بحزب الله اللبناني، إلى أنهم شيعة، ولكنهم ليسوا متطرفين دينيا مثل حزب الله، وأن ارتباطهم بإيران ينبع أساسا من مصلحة سياسية. ويرى زيسر أن انضمامهم إلى الحرب قد يكون مسألة وقت، مرجحا أن يقتصر ذلك على إطلاق صاروخ كل بضعة أيام.

 

في ذات السياق، أشار موقع ماكو العبري، في 4 مارس 2026، إلى تقديرات تفيد بأن إيران هي التي طلبت من الحوثيين التريث وعدم الانخراط في الحرب، ولفت إلى أن هذه الاستراتيجية أثارت دهشة المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، ويصعب التكهن بما يعنيه هذا مستقبلا، ولكن وفقا لتقديرات إسرائيلية، لا يستبعد انضمامهم في المستقبل القريب.

 

•الولاء أم البقاء

 

قالت نوعا لازيمي[7]، على موقع يسرائيل هيوم، في 3 مارس 2026، إنه من المحتمل، بالنظر إلى الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد بين طهران وصنعاء، التي أتاحت للحوثيين الاستفادة من الخبرات الإيرانية وإمدادات الأسلحة، ألا تتغاضى قيادة الجماعة عن إبداء دعم حقيقي. حتى إن لم تنخرط الجماعة في قتال واسع النطاق، فقد تختار خطوة رمزية أو محدودة تعبّر عن التزامها.

 

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الحوثيين قد يستغلون الصراع الحالي للعودة إلى واجهة المشهد، ولن يكتفوا بدعم رمزي فحسب.

 

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن من أن الحوثيين استغلوا الوقت، منذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لتعزيز قدراتهم إلى حد كبير والاستعداد عسكريا، بما في ذلك إجراء مناورات برية. 

 

على الرغم من فشل وابل الصواريخ الذي شنّه الحوثيون في الجولات السابقة مع إسرائيل، حيث جرى اعتراض معظمها بنجاح، إلا أنه من الممكن رصد تحسينات في أسلحتهم، ومن بينها الاستخدام غير المسبوق للصواريخ ذات رؤوس عنقودية.

 

قالت لازيمي إن الحوثيين لديهم أيضا اعتبارات ردعية:

 

تُدرك قيادة الجماعة جيدا قوة الرد الأمريكي، كما انعكس في عملية الضربات الجوية والبحرية واسعة النطاق (الفارس الخشن) على الحوثيين، في مارس 2025، ردا على هجماتهم في البحر الأحمر، ومن المرجح أنها لا ترغب في خوض التجربة مجددا.

 

يوجد عامل ردع مهم أيضا يتعلق بإسرائيل، استنادا إلى تجارب سابقة تضمنت إلحاق أضرار جسيمة بالموانئ والبنية التحتية، واغتيال مسؤولين كبار. يمكن الافتراض أن اغتيال المرشد الأعلى “علي خامنئي” خلال الهجوم المشترك في اليوم الأول يحمل دلالات واضحة. هذه الرسالة لا تغيب عن الحوثيين، ومن المستبعد تعريض أنفسهم لمخاطرة مماثلة.

 

لذا، يواجه الحوثيون معضلة: الولاء الاستراتيجي لإيران واستغلال الحرب لبسط نفوذهم الإقليمي، في مقابل مصلحة بقائهم الواضحة. وإذا آثروا الانضمام إلى الحملة، فمن المرجح أن تكون هذه الخطوة محسوبة ومحدودة، بحيث تسمح بإعلان التضامن واستعراض القوة دون الانجرار إلى صراع طويل الأمد قد يُكبّدهم خسائر فادحة. في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل الاستعداد لاحتمال أكثر خطورة، وهو أن يُقرر الحوثيون خوض مخاطرة كبيرة والانضمام إلى القتال باعتبارهم فاعلا رئيسيا في محور المقاومة.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس