دخول الحوثيين إلى حرب الشرق الأوسط.. ماذا بعد؟
الثلاثاء 31 مارس 2026 - الساعة 05:04 مساءً
المصدر : الرصيف برس - مجموعة الأزمات الدولية

• لماذا يدخل الحوثيون الحرب؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط، بدا واضحاً أن الحوثيين لم يكونوا عازمين على البقاء خارج الصراع، بل إن تأخر دخولهم عكس قراراً محسوباً جرى اتخاذه بالتنسيق مع طهران. فالسؤال، كما صاغه الحوثيون أنفسهم، لم يكن ما إذا كانوا سينخرطون في المواجهة، بل متى؟
سعت إيران إلى إطالة أمد حرب استنزاف مع خصومها، عبر توسيع رقعة ساحة القتال تدريجياً، وتوظيف أدواتها بشكلٍ متدرّج مع تطور المواجهة. وعلى مدى فترة، يبدو أن الحوثيين رأوا أن استراتيجية إيران — المتمثلة في استهداف إسرائيل، والأصول الأمريكية، ومنشآت النفط والغاز في الخليج، إضافة إلى تعطيل مضيق هرمز — كانت كافية. كما صوّرت وسائل إعلامهم إيران على أنها قادرة على حسم الحرب. وطالما أن إيران تحتفظ بزمام المبادرة، فلماذا الانخراط في القتال؟
ومع ذلك، أكد الحوثيون دائماً أنهم قد يدخلون المعركة بأنفسهم، حتى دون طلب صريح من طهران، إذا ما رأوا تدهوراً ملموساً في موقع إيران.
أما الآن، ومع تصاعد الضغط العسكري الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، فيبدو أنهم خلصوا إلى أن اللحظة باتت مواتية للتدخل. ففي صباح 28 مارس/آذار، أطلقوا صاروخاً باتجاه إسرائيل، متجاوزين عتبة الاستعداد المعلن إلى الانخراط الفعلي في الأعمال القتالية. كما تعهدوا بمواصلة إطلاق الصواريخ إلى أن يتوقف ما وصفوه بـ”العدوان الأمريكي والإسرائيلي” على إيران وعلى بقية أطراف المحور.
ويوحي توقيت دخولهم إلى ساحة الحرب بأمرين رئيسيين:
أولاً، قد يكون الحوثيون يسعون إلى تعزيز الموقف التفاوضي لإيران، في ظل تزايد الحديث عن احتمال إجراء حوار أمريكي–إيراني لإنهاء الحرب. فمن خلال فتح جبهة جديدة، يرفع الحوثيون مستوى الضغط على واشنطن وحلفائها، في إشارة إلى أن كلفة الحرب ستواصل الارتفاع ما لم توقف الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية.
ثانياً، قد يكون هذا التحرك استجابةً لتصاعد التهديدات التي تواجه إيران، بما في ذلك الحديث عن احتمال قيام قوات من مشاة البحرية الأمريكية بالسيطرة على جزر إيرانية، أو تنفيذ عملياتٍ برية أخرى لفتح مضيق هرمز، فضلاً عن احتمال انخراط دول عربية خليجية في المواجهة. وكان الحوثيون قد لمّحوا إلى هذا التوجه في عدة تصريحات منذ اندلاع الحرب. ففي وقت متأخر من مساء 27 مارس/آذار، أي قبل ساعاتٍ فقط من إطلاقهم الصاروخ باتجاه إسرائيل، أصدروا ما وصفوه بـ”بيان مهم” حدّدوا فيه الشروط التي قد تدفعهم للتدخل، ومنها: انضمام دول أخرى إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في القتال ضد إيران، أو شن هجمات على إيران أو على “دولة مسلمة أخرى” انطلاقاً من البحر الأحمر، أو تصعيد الحرب من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أن اختيار الحوثيين لهدفهم يحمل دلالات مهمة:
فمن خلال استهداف إسرائيل، دون غيرها حتى الآن، يبعثون برسالة عن قدراتهم، مع تجنب خرقٍ فوري للتفاهم الذي توصلوا إليه مع واشنطن بشأن البحر الأحمر. وخلال معظم فترة حرب غزة الممتدة من أواخر عام 2023 حتى 2025، كان الحوثيون يستهدفون حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب — الذي يربط البحر بخليج عدن — تضامناً مع حركة حماس والشعب الفلسطيني.
وفي يناير/كانون الثاني 2024، وفي عهد الرئيس الأمريكي (جو بايدن)، أطلقت الولايات المتحدة حملة قصف في اليمن بهدف وقف تلك الهجمات وتأمين خطوط الملاحة الحيوية. ثم في مارس/آذار 2025، ومع استمرار الحوثيين في استهداف السفن الحربية والتجارية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، صعّدت إدارة (دونالد ترامب) من خلال حملة قصف أكثر شدة استمرت 55 يوماً. وفي مايو/أيار من العام نفسه، توصل الطرفان إلى اتفاقٍ يقضي بوقف الولايات المتحدة عملياتها العسكرية، مقابل توقف الحوثيين عن استهداف البحرية الأمريكية وحركة الملاحة التجارية. ومن اللافت أن هذه التفاهمات لم تتطرق إلى إسرائيل.
ويبقى البحر الأحمر نقطة ضغط كامنة، فكما ظهر خلال حرب غزة، يمتلك الحوثيون القدرة على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مع ما لذلك من تداعياتٍ خطيرة على التجارة العالمية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز، وهي تداعيات تزداد حدة في ظل الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز. وقد جعلت إيران هذا التهديد البحري الأوسع أكثر وضوحاً؛ فما كان يُطرح سابقاً كأداة ردع، يُجرى التلويح به اليوم كسلاح فعلي.
ويتقاسم الحوثيون الأهداف مع إيران، لكن لديهم أيضاً حساباتهم الخاصة للمخاطر. فهم يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من «محور المقاومة» الذي تقوده طهران في مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
ويدرك الحوثيون أن دخولهم الحرب سيُعرّضهم لهجماتٍ مباشرة، لكن البقاء خارجها لفترة أطول كان سيخلق نوعاً مختلفاً من الهشاشة، يتمثل في احتمال إضعاف الداعم الرئيسي لهم إلى حدٍّ قد يعجز معه عن مواصلة تزويدهم بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية.
فعلياً، يفتح الحوثيون جبهةً مضبوطة الإيقاع، إذ يشيرون إلى استعدادهم للتصعيد عند الحاجة، مع احتفاظهم بأوراق ضغط مهمة، ولا سيما استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر كورقة احتياطية. ويعزّز هذا الانخراط المحسوب موقف إيران، مع إبقاء الحوثيين أوراقهم الأساسية قريبة من الصدر. والسؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى هم مستعدون للمضي، وما حجم المخاطر التي يمكن أن يقبلوا بتحمّلها؟
• إلى أي مدى يحتفظ الحوثيون بقدرتهم العسكرية، لا سيما بعد الخسائر التي تكبدوها جراء الضربات الجوية الأمريكية–الإسرائيلية خلال العامين الماضيين؟
تلقّى الحوثيون ضرباتٍ كبيرة بين عامي 2023 و2025، لكنهم ما زالوا بعيدين عن أن يصبحوا قوةً مستنزفة بالكامل. فقد دمّرت الغارات الأمريكية، في عهد جو بايدن ودونالد ترامب، العديد من منشآتهم العسكرية. ومن جانبها، نفّذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية في اليمن بين يوليو/تموز 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، استهدفت مخزونات الأسلحة التابعة للحوثيين، وأدّت إلى مقتل عدد من كبار قادتهم العسكريين.
ومع ذلك، فإن ما حال دون انهيارهم الكامل هو أن جزءاً كبيراً من ترسانتهم مخفيٌّ عن الرصد الجوي في تضاريس جبلية وعرة. ونتيجة لذلك، تمكنوا من الاحتفاظ بجزء من تفوقهم في الحرب غير المتكافئة، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المُسيّرة، بما في ذلك المركبات غير المأهولة تحت الماء. ورغم أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد أضعفت هذه القدرات، فإنها لم تقضِ عليها، ما يعني أن الحوثيين لا يزالون قادرين على ممارسة الضغط في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يمكن لهجومٍ واحد على ناقلة نفط أن يؤدي إلى تعطيل معظم حركة السفن التجارية وإبقائها في الموانئ.
وحتى قبل انخراط الحوثيين في الحرب، ورغم اتفاقهم مع واشنطن في مايو/أيار 2025، كانت شركات الشحن الكبرى — مثل ميرسك، وسي إم إيه سي جي إم، وهاباغ لويد، وإم إس سي — تتجنب إلى حدٍّ كبير المرور عبر البحر الأحمر، بسبب ما كانت تعتبره مخاطر محتملة لهجماتٍ حوثية.
كما عملت الجماعة بهدوء على إعادة بناء قدراتها منذ وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حين أوقفت هجماتها على السفن في البحر الأحمر (وكذلك إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة باتجاه إسرائيل). وقد وسّعت إنتاجها من الأسلحة داخل اليمن، فيما واصلت شبكات التهريب — المرتبطة في كثيرٍ منها بإيران — تزويد مخازنها بالإمدادات من الخارج. وتشير مصادر في صنعاء إلى أنه، لأسابيع سبقت إطلاق أول صاروخ باتجاه إسرائيل، كثّف الحوثيون تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيّرة، وأجروا مناوراتٍ بحرية على طول الساحل الغربي لليمن. ومن الواضح أنهم أرادوا أن يكونوا على أُهبة الاستعداد لاستئناف القتال عندما تحين اللحظة. كما أنهم مستعدون تماماً لتصوير أي انتكاساتٍ عسكرية إضافية على أنها انتصار سياسي عند نهاية الحرب، خاصة إذا سارت إيران في الاتجاه ذاته.
• مع دخول الحوثيين الحرب الآن، ألا يضعون أنفسهم مجدداً في مرمى الاستهداف الأمريكي؟ وماذا عن هدنتهم مع السعودية؟ وكيف يوازنون بين هذه الاعتبارات؟
يدرك الحوثيون أن انخراطهم في الحرب ينطوي على مخاطر فقدان مكاسب مهمة، من بينها التفاهم الذي توصلوا إليه مع الولايات المتحدة في مايو/أيار 2025 بشأن البحر الأحمر. وحتى الآن، لم يخرق الحوثيون هذا الاتفاق، إذ لم يستهدفوا حركة الملاحة البحرية، وإن كان ذلك احتمالاً قائماً. ومن بين هذه المكاسب أيضاً الهدنة غير الرسمية التي أبرموها عام 2022 مع المملكة العربية السعودية، التي تقود التحالف العربي الذي تشكّل لإخراجهم من السلطة في صنعاء. وقد أسهمت هذه الهدنة في إنهاء الحملة العسكرية السعودية ضدهم، ووقف الهجمات العابرة للحدود التي كان ينفذها الحوثيون على السعودية.
أما المحادثات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار — وتوسيعه لاحقاً ليشمل خصوم الحوثيين اليمنيين — فقد وُضعت على الرف إلى أجلٍ غير مسمى، عقب حملة الجماعة في البحر الأحمر خلال الفترة 2023–2025. وقد تنهار هذه الترتيبات إذا قرر الحوثيون إدراج السعودية ضمن أهدافهم.
وبحسب مصادر من داخل الحركة، فإن عدة عوامل تسهم في تشكيل رؤيتهم لهذه القضايا. فعلى مستوى أوسع، ينظرون إلى قرار الانخراط في الصراع بوصفه مسألة بقاء، سواء بالنسبة لإيران أو لحركتهم نفسها. وتوحي تصريحاتهم بأنهم يعتقدون أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية لا تستهدف إيران فحسب، بل تسعى إلى إضعاف «محور المقاومة» برمّته. ومن شأن إضعاف هذا التحالف أو تفككه أن يتركهم في وضع مكشوف.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر مقربة من الحوثيين «إنترناشيونال كرايسز جروب» بأن القيادات السياسية والعسكرية داخل الحركة متوافقة إلى حدٍّ كبير في هذا التقدير.
أما فيما يتعلق بمصالحهم الضيقة، فيتعين على الحوثيين الآن موازنة ما إذا كانت كلفة تدخلهم قد تتجاوز ما تكبدوه خلال حرب غزة. ويبرز خطران رئيسيان في هذا السياق: أولهما احتمال انهيار الاتفاق الذي توصلوا إليه مع واشنطن في مايو/أيار 2025 بشكلٍ كامل، أما الثاني فهو اقتصادي، إذ تخضع الجماعة بالفعل لضغوطٍ شديدة نتيجة العقوبات الأمريكية، ومن المرجح أن يؤدي اتساع نطاق الصراع إلى تفاقم هذه الضغوط. وقد تمكنوا من تحمّل كلفة المواجهة مع إسرائيل على خلفية غزة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانوا قادرين على الصمود في وجه تداعيات حرب أوسع بكثير.
كما يتعين على الحوثيين أخذ الجبهة الداخلية في الحسبان. فقد يكون من الأصعب تبرير قرارهم بالتدخل مقارنة بالفترة 2023–2025، لا سيما إذا استأنفوا هجماتهم في البحر الأحمر دعماً لإيران. وخلال حرب غزة، تمكنت الجماعة من استثمار حالة التعاطف الشعبي الواسع مع القضية الفلسطينية، المتجذّرة بعمق في المجتمع اليمني. أما تصوير المزيد من الدمار في اليمن على أنه يخدم مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد يكون أقل إقناعاً للرأي العام.
وإدراكاً لهذه المعضلة، بدأ قادة الحوثيين في صياغة موقفهم عبر مسارين رئيسيين. أولاً، يؤكدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا إيران بسبب دعمها للقضية الفلسطينية ومساندتها الفاعلة لجهاتٍ غير حكومية عبر العالم الإسلامي تعارض إسرائيل؛ وبناءً عليه، فإن دعم إيران يُعد امتداداً لدعم فلسطين. وقد أعاد بيانهم الصادر في 27 مارس/آذار التأكيد على هذه الفكرة، مقدّماً إيران وحلفاءها من الميليشيات، إلى جانب الفصائل الفلسطينية مثل «حماس»، كجبهة واحدة.
ثانياً، يشددون على ما يصفونه بعلاقة تاريخية بين اليمن وإيران، ويعرضونها كشراكة ظلّ فيها كل طرف مسانداً للآخر باستمرار. ويبدو أن اختيار الحوثيين بدء تدخلهم عبر استهداف إسرائيل يعكس استمرار أهمية مخاطبة جمهورهم الداخلي.
وثمة عامل آخر لا بد للحوثيين من أخذه في الاعتبار، وهو ما إذا كان استفزاز المملكة العربية السعودية يستحق الكلفة، خصوصاً إذا استهدفوا مصالحها. إذ قد يؤدي إغضاب الرياض إلى إنهاء محادثات وقف إطلاق النار الدائم، التي هي مجمّدة أصلاً، ما يفتح الباب أمام احتمال استئناف القتال مع التحالف العربي وحلفائه اليمنيين. كما تحمل هذه المفاوضات بُعداً اقتصادياً مهماً، إذ يُفترض أن تفضي إلى تأمين تمويل سعودي لدفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، علماً بأن كثيراً من هؤلاء الموظفين لم يتقاضوا رواتبهم منذ سنوات.
ومع ذلك، وعلى أهمية هذه الاعتبارات الاقتصادية، فإن الحوثيين ينظرون إليها باعتبارها ثانوية مقارنةً بما يعدّونه تهديداً وجودياً قد يواجه إيران و«محور المقاومة».
وفي المقابل، قد يلجأ الحوثيون إلى استثمار تعثر المحادثات مع السعودية كذريعة إضافية للتصعيد. فقد بدأوا بالفعل في تصوير الأزمة الاقتصادية التي يواجهونها على نحوٍ متزايد باعتبارها جزءاً من مساعٍ سعودية–أمريكية لإضعافهم. وفي 26 مارس/آذار، الذي صادف الذكرى الحادية عشرة لتدخل التحالف بقيادة السعودية، حذّر كل من (عبد الملك الحوثي) و(مهدي المشاط) — رئيس مجلس الحكم التابع للحوثيين — الرياض من أن التأخر في تنفيذ التفاهمات السابقة ستكون له تبعات، في إشارة إلى أنهم لن ينتظروا إلى ما لا نهاية لاستئناف المفاوضات. كما يبدو أن هذه الرسائل موجّهة أيضاً إلى الداخل اليمني؛ فبعد دخولهم الحرب، إذا ما فتح الحوثيون جبهاتٍ إضافية، فإنهم سيقدّمون خطواتهم ليس فقط على أنها دعماً لإيران، بل أيضاً استجابةً لمظالم محلية مرتبطة بالسعودية.
غير أن العامل الأكثر تأثيراً في حسابات الحوثيين قد يكون اعتقادهم بأن ضبط النفس لم يكن ليضمن سلامتهم. بل على العكس، يرون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستتجهان في نهاية المطاف لاستهدافهم، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا قد تدخلوا دعماً لإيران أم لا، وأن كونهم آخر أطراف «محور المقاومة» صموداً قد يجعلهم عُرضة بشكلٍ خاص للمخاطر. وعليه، تصبح المسألة مسألة توقيت: فالدخول في الحرب يترتب عليه كلفة فورية، لكن التريث قد ينطوي على مخاطر مؤجلة وأكثر خطورة على المدى المتوسط. ويشير قرار الحوثيين إطلاق النار باتجاه إسرائيل إلى أنهم اختاروا تحمّل الكلفة القريبة بدلاً من المجازفة بمخاطر أكبر لاحقاً.
وقد يكون الحوثيون يراهنون على سيناريو تدفع فيه إيران كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى البحث عن مخرجٍ دبلوماسي، بحيث تعرض الجمهورية الإسلامية مجرد بقائها كإنجاز بحد ذاته.
وفي هذا السيناريو الأمثل من وجهة نظرهم، سيتمكنون من الحفاظ على موقعهم القوي داخل «محور المقاومة»، فضلاً عن ترسيخ دورهم كقوة ردع فاعلة، بدلاً من بقائهم مجرد ورقة احتياطية لصراع مستقبلي.
• بعد الهجوم على إسرائيل، كيف يمكن أن يصعّد الحوثيون أكثر، وما الذي قد يعنيه ذلك بالنسبة للبحر الأحمر وحركة الشحن العالمية؟
في الوقت الراهن، يواصل الحوثيون إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة باتجاه إسرائيل، دون الانخراط في جبهاتٍ أخرى. أما ما سيأتي لاحقاً فسيعتمد إلى حدٍّ كبير على مسار تطورات الحرب الأوسع، ومدى تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل لهجماتهما على إيران، وكذلك على طبيعة ردّهما على تحركات الحوثيين. وإذا تصاعدت حدّة الصراع، فمن المرجّح أن توسّع الجماعة نطاق هجماتها.
وكما أُشير سابقاً، قد يستأنف الحوثيون استهداف السفن في البحر الأحمر المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة. ومن المرجّح أن تمتد حملتهم البحرية سريعاً إلى مضيق باب المندب وخليج عدن، ما يزيد من المخاطر — وبالتالي التكاليف — على حركة الشحن التجارية. وسيكون الأثر على التجارة العالمية فورياً، لا سيما فيما يتعلق بتدفقات الطاقة، إذ سيأتي ذلك بالتزامن مع إغلاق إيران لمضيق هرمز.
كما قد يكثّف الحوثيون هجماتهم في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، خصوصاً مع قيام المملكة العربية السعودية بإعادة توجيه صادراتها النفطية من الخليج عبر خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتوجيه ناقلات النفط إلى قناة السويس بدلاً من مضيق باب المندب. ورغم أن تعطيل هذا الخط — الذي يمر تحت الأرض — يُعد أمراً بالغ الصعوبة، فإن الحوثيين قد يسعون لمحاولة استهدافه.
وقد يتمثل تصعيد آخر في استهداف قواعد عسكرية أمريكية ومراكز لوجستية في منطقة الخليج، أو حتى مهاجمة دول عربية خليجية نفسها، كما فعل الحوثيون في السابق، بدعوى أن هذه الدول تدعم — بشكل مباشر أو غير مباشر — المجهود الحربي الأمريكي. وإذا أقدم الحوثيون على هذه الخطوة، فإنهم سيكونون بذلك مكمّلين لدور إيران، من خلال زيادة الضغط على واشنطن وعلى أي أطراف قد تنضم إلى حملة تقودها الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز. وكانت الجماعة قد أعلنت بالفعل أن الضربات الإيرانية على دول الخليج العربية تُعد رداً مشروعاً على الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، استناداً إلى استضافة هذه الدول قواعد عسكرية أمريكية.
ومع ذلك، من غير المرجّح أن ينفّذ الحوثيون جميع هذه الخطوات دفعة واحدة. فهم عادةً ما يعمدون إلى معايرة تحركاتهم بعناية، من خلال اختبار ردود الفعل وممارسة الضغط، ثم تعديل سلوكهم بناءً على مستوى المقاومة التي يواجهونها. وتُعد هذه مقاربةً لإدارة المخاطر. وبعد ذلك، قد يصعّدون هجماتهم بطرق يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها. وخلال حملتهم ضد الملاحة البحرية في فترة حرب غزة، اتبعوا نهجاً تصاعدياً تدريجياً، حيث وسّعوا نطاق هجماتهم ورفعوا مستوى تعقيدها بشكلٍ مستمر على مدى عامين. ويبقى تكرار هذا النمط مرهوناً، على الأرجح، بمدى قدرة إيران على مواصلة تزويدهم بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية.
فمهما أعاد الحوثيون تسليح أنفسهم، فإنهم يواجهون قيوداً كبيرة مرتبطة بمخزونات أسلحتهم. فمن المرجّح أن ينطوي دخولهم الحرب على مواجهة مطوّلة، تتطلب الاستخدام المستمر للصواريخ والطائرات المُسيّرة وغيرها من الأسلحة، ما قد يؤدي تدريجياً إلى استنزاف احتياطياتهم. ويتضاعف هذا الخطر بسبب حالة عدم اليقين المتعلقة بإعادة الإمداد. فإذا تصاعد الضغط العسكري على إيران بالتوازي، فقد تجد طهران صعوبة في الحفاظ على التدفق المستمر للأسلحة التي قدّمتها خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، تُظهر التطورات الراهنة أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرة محدودة على تزويد الجماعة. إذ أفادت تقارير بأن قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً اعترضت شحنة أسلحة إيرانية كانت متجهة للحوثيين في أواخر مارس/آذار، ما يشير إلى أن عمليات النقل ما زالت مستمرة رغم الصراع. ومع ذلك، إذا اتسعت الحرب أو ضعف موقف إيران، فإن الحفاظ على خطوط الإمداد هذه سيصبح أكثر صعوبة. وسيجد الحوثيون أنفسهم معتمدين بشكلٍ كبير على مخزونهم الداخلي، ومع مرور الوقت قد يضعفون إلى حدٍّ يدفع خصومهم اليمنيين إلى استعادة المبادرة والعودة إلى الهجوم.
• كيف تعاملت حكومة اليمن مع قرار الحوثيين دخول الحرب، وماذا ستفعل داعمتها الإقليمية، المملكة العربية السعودية؟
لا الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ولا المملكة العربية السعودية ترغبان في أي جزء مما قد ينجم عن خيار الحوثيين. لكن التمنّي بالبقاء بعيداً عن الصراع والقدرة الفعلية على البقاء بعيداً عنه أمران مختلفان. فالحكومة اليمنية تواجه بالفعل وضعاً صعباً؛ إذ تركتها التحديات السياسية الداخلية، والضغوط الاقتصادية، والصراع المستمر مع الحوثيين بمساحة محدودة للتحرك.
وقد دانت الحكومة اليمنية قرار الحوثيين دخول الحرب، محذّرةً من عواقب وخيمة. أما أي تصعيد إضافي من الحوثيين فسيزيد الأمور تعقيداً، إذ قد يرفع الضغط على الحكومة للانضمام إلى المجهود الحربي بقيادة الولايات المتحدة، على الأرجح عبر تعزيز مواقعها حول مضيق باب المندب. وقد لا ينتظر الحوثيون خصومهم اليمنيين للقيام بذلك، وربما يتحركون استباقياً ضد القوات الحكومية المتمركزة في المناطق الساحلية لتعطيل أي تحالف عسكري محتمل مع الولايات المتحدة قبل أن يتشكل.
أما المملكة العربية السعودية، فهي في موقف صعب مماثل. فقد استمرت تدخلاتها في الحرب الأهلية اليمنية منذ عام 2015 لفترة أطول وبكلفة أكبر مما توقعت — ولا يزال الحوثيون لم يُهزموا. كما اضطرت الرياض إلى إنفاق قدر كبير من رأس المال السياسي في جهودها الدبلوماسية لدفع الحوثيين نحو المفاوضات في عام 2022، باعتبارها شرطاً ضرورياً لوقف حملتها العسكرية ضد الجماعة. وأسفر ذلك عن هدوء نسبي في اليمن، رغم أن الرياض لم تحقق بعد اتفاق سلام داخلي يمني يمكّنها من إنهاء تدخلها، وهو ما تندم عليه.
أما استئناف الحرب، فسيعرّض كل هذا التقدم، مهما كان هشاً، للخطر. وفي الوقت نفسه، تمتلك السعودية مصالح أمنية واقتصادية يجب حمايتها من أي هجومٍ إيراني. ومن غريزة الرياض أن تحافظ على خطوط اتصال مفتوحة مع قادة الحوثيين، وأن تحاول منع اتساع نطاق القتال. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية الاحتوائية لها حدود واضحة، وقد تجد الرياض نفسها مضطرةً للعودة إلى المشاركة الفعلية في القتال، رغم حكمها الأفضل.














