كيف تعيد حرب إيران تشكيل الاستراتيجية السعودية.. من مضيق هرمز والحوثيين إلى انسحاب الإمارات من أوبك

الاحد 03 مايو 2026 - الساعة 08:36 مساءً
المصدر : الرصيف برس - تشاتام هاوس

 


شكّلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران تحدياتٍ متعددة أمام المملكة العربية السعودية، من بينها إغلاق مضيق هرمز، وتعميق الخلاف مع الإمارات، إضافة إلى انسحاب الأخيرة من تكتل النفط «أوبك». كما دفعت هذه الحرب ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان) إلى التوقف لإعادة النظر والتفكير.

 

فقبل صعود محمد بن سلمان، كانت السياسة السعودية تتسم بالبطء وتعتمد على التوافق، وكانت إلى حدٍّ كبير قابلة للتنبؤ. إلا أن ولي العهد ضخّ ديناميكية جديدة في الداخل، وانتهج سياسة خارجية أكثر حزماً، بل وأحياناً غير متوقعة، ما أدخل المملكة في مواقف معقدة.

 

غير أن الحرب مع إيران أعادت مجدداً إبطاء عملية صنع القرار في المملكة، في وقتٍ تُعيد فيه القيادة تقييم استراتيجيتها طويلة المدى. وهي تدرك تماماً أن مآلات هذا الصراع، أياً تكن، ستسهم في رسم ملامح المنطقة لعقدين قادمين على الأقل.

 

• من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر

 

ليس من الغريب أن تتركّز إعادة التقييم التي تجريها المملكة العربية السعودية حالياً على مضيق هرمز، الذي تمر عبره غالبية صادراتها النفطية وسلعها الأخرى. وعلى الرغم من أن المملكة أدركت منذ زمنٍ طويل مدى تعرضها لاضطراباتٍ محتملة عند هذا الممر الاستراتيجي، فإن إغلاقه لفترة ممتدة كان يُعد تاريخياً احتمالاً ضعيفاً للغاية. غير أن الإغلاق كشف عن نقطة ضعف جوهرية، لا تقتصر على التجارة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى فرص نجاح استراتيجية «رؤية 2030» السعودية.

 

ومع حدوث إغلاق هرمز بالفعل، ولو مرة واحدة، فإن خطر تكرار ذلك سيظل قائماً دائماً. وهذا يطرح تهديداً طويل الأمد لتدفقات التجارة السعودية وخطط التحول الاقتصادي. إذ إن أي تعطّل متكرر أو طويل الأمد من شأنه أن يضغط على الإيرادات، ويقوّض ثقة المستثمرين، ويضعف قدرة المملكة على ترسيخ مكانتها كمركز مستقر للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل. كما أن طموحات «رؤية 2030» والأطر التي ستليها تعتمد أساساً على تدفقات طاقة وإيرادات مستقرة، وعلى بيئة بحرية آمنة.

 

ومن هنا، بدأت المملكة في إعادة تقييم جغرافيتها الاقتصادية، عبر تقليص اعتمادها على هرمز، وإعادة توجيه سياساتها نحو البحر الأحمر. ومن المتوقع أن تتحول المشاريع الممتدة على الساحل الغربي للسعودية، بما في ذلك الموانئ والمناطق الصناعية ومشروعات السياحة، إلى أولويات رئيسية في المرحلة المقبلة. كما يمنح امتداد المملكة على ساحلين ميزة جغرافية كبيرة مقارنة بجيرانها، وهو ما تسعى إلى استثماره لتعزيز تميزها —ولا سيما في مواجهة الإمارات العربية المتحدة— كمركز إقليمي رئيسي للتصدير والخدمات اللوجستية.

 

ويعني هذا التوجّه غرباً أن على شركة النفط الوطنية «أرامكو السعودية» إعادة توجيه صادرات النفط الخام نحو البحر الأحمر، أو على الأقل تطوير قدراتها لنقل نحو 7 ملايين برميل يومياً، بما يعادل مستويات ما قبل الحرب. وفي الوقت الراهن، تنقل الشركة قرابة 4 ملايين برميل يومياً عبر خطوط الأنابيب من الشرق إلى الغرب، ليتم تصديرها عبر محطة ينبع على البحر الأحمر. ورغم أن مستويات التصدير الحالية أقل، فإن المملكة العربية السعودية تتمتع بوضع أقوى مقارنة بعدد من جيرانها في الخليج، الذين تظل صادراتهم محصورة ضمن الخليج. ومع بلوغ أسعار النفط نحو 120 دولاراً للبرميل —أي ما يقارب ضعف مستويات ما قبل الحرب— تحتفظ الرياض بهامش من المرونة المالية.

 

غير أن ترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية كمركز إقليمي للتجارة يتطلب استثماراتٍ طويلة الأجل وكبيرة في البنية التحتية، بما يتيح نقل السلع —ولا سيما النفط— بين البحر الأحمر والمراكز الحضرية الرئيسية عبر الخليج. ومن المرجّح أن تكون الجداول الزمنية أطول والتكاليف أعلى، وهو أمر لا مفرّ منه، بالنظر إلى الطبيعة البنيوية للمشكلة المرتبطة بمضيق هرمز، والتي تترك أمام المملكة خيارات محدودة.

 

ومع ذلك، فإن إعادة توجيه مسارات التجارة بعيداً عن هرمز لن تقضي على المخاطر، بل ستؤدي إلى نقلها إلى موقع آخر. إذ إن الهجمات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر من قبل الحوثيين المتحالفين مع إيران تشير إلى أن انعدام الأمن البحري سيغدو قيداً رئيسياً على توجه المملكة غرباً، وليس مجرد عامل ثانوي يمكن احتواؤه.

 

• الحرب مع إيران تجدّد الخلاف مع الإمارات

 

يساعد تهديد انعدام الأمن البحري لطموحات المملكة في البحر الأحمر على تفسير تردّد المملكة العربية السعودية في الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، وسعيها إلى كبح أي تصعيد إضافي. إذ تدرك القيادة أن أي رد عسكري مباشر على الضربات الإيرانية لن يؤدي فقط إلى زيادة المخاطر التي تهدد أصول الطاقة والبنية التحتية الحيوية، بل قد يستدرج أيضاً جماعة الحوثي إلى الانخراط بصورة أكثر مباشرة في النزاع. ومن شأن ذلك أن يعرّض طرق التصدير البديلة للمملكة للخطر، ويقوّض جهودها الأساسية لتنويع منافذها بعيداً عن مضيق هرمز.

 

كما يفسّر ذلك تباين مواقف السعودية والإمارات العربية المتحدة إزاء الحرب، وتصاعد التوترات بينهما. فقد تبنّت أبوظبي موقفاً متشدداً تجاه إيران، أقرب إلى مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل منه إلى مواقف جيرانها في الخليج. ووجّه مسؤولون إماراتيون كبار انتقادات لكل من القيادة الإيرانية —على خلفية استهدافها مواقع داخل الأراضي الإماراتية— وللشركاء الإقليميين، بدعوى عدم اتخاذهم ردوداً أكثر حزماً أو إظهار دعم أكبر.

 

وفي المقابل، باتت السعودية تنظر إلى إسرائيل وسياساتها باعتبارها تهديداً للأمن الإقليمي، وترى في تقارب الإمارات معها أمراً سلبياً. ونتيجة لذلك، أصبح نهج أبوظبي مصدراً متزايداً للإحباط في الرياض. كما أن قرار الإمارات الانسحاب من «أوبك»، رغم أنه لم يكن مفاجئاً بالكامل، يشكّل ضربة إضافية للمملكة. فعلى الرغم من أن السعودية ستظل اللاعب المهيمن داخل «أوبك»، فإنها ستكون المنتج الكبير الوحيد الذي يمتلك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، وقد تضطر مستقبلاً إلى خفض إنتاجها وصادراتها لتعويض زيادات الإنتاج الإماراتي.

 

والأهم من ذلك، أن التنافس بين البلدين على النفوذ في البحر الأحمر مرشّح للتصاعد. إذ سيغدو التحكم في الوصول إلى هذا الممر البحري، ومساراته، وأمنه، عنصراً محورياً بشكلٍ متزايد في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للسعودية. وفي المقابل، تعمل الإمارات على بناء شبكة استراتيجية من الموانئ والقواعد العسكرية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بهدف تأمين طرق التجارة العالمية وتعزيز نفوذها الاقتصادي.

 

• إعادة تفكير استراتيجية

 

تستغلّ القيادة السعودية أيضاً الحرب لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق تحت غطاء الأزمة. إذ كانت عملية مراجعة المشاريع العملاقة قد بدأت بالفعل قبل اندلاع الصراع، وجاءت الحرب مع إيران لتوفّر مبرّراً مقنعاً لإجراء تغييرات إضافية وجوهرية على استراتيجية الاستثمار، من دون المخاطرة بتصنيف ذلك على أنه إخفاق.

 

وفي هذا السياق، برز تركيز متجدد على الصناعات المحلية المرتبطة مباشرة بالتنمية الوطنية والأمن الاقتصادي. كما بدأ صندوق الثروة السيادي السعودي «صندوق الاستثمارات العامة» تقليص انخراطه في التزامات خارجية بارزة، من بينها مشروع «ليف غولف»، إلى جانب الرعايات والشراكات المرتبطة بالأوبرا الحضرية في نيويورك. كذلك تم الاتفاق على بيع جزئي لحصة كبيرة في نادي الهلال، أحد أبرز الأندية في المملكة، على أن تلحق به أندية أخرى هي النصر والأهلي والاتحاد. ويعكس ذلك توجهاً نحو إنفاق أكثر حذراً، وانضباطاً أعلى في إدارة رأس المال، والابتعاد عن المشاريع ذات الطابع الاستعراضي.

 

وقد تعلّم ولي العهد محمد بن سلمان درسين قاسيين من التدخل السعودي في اليمن: أولهما أن القرارات الاندفاعية لها كلفة، وثانيهما أنه لا وجود لحروب سريعة. وقد يفسّر ذلك تردّده في الانخراط في الحرب ضد إيران، بل وحتى في تأييدها سياسياً. وبدلاً من ذلك، تبدو السعودية وكأنها عادت إلى نهجها التقليدي، مفضّلة الحذر والصبر والتموضع طويل الأمد على حساب المكاسب قصيرة الأجل.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس