تآكل التهدئة في اليمن يعيد شبح التصعيد بين الحوثيين والسعودية

الاحد 19 يوليو 2026 - الساعة 07:32 مساءً
المصدر : الرصيف برس - المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)

 


لم يعد الحوثيون في اليمن ينظرون إلى احتمال انهيار الهدنة، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقتهم مع السعودية، باعتباره تهديدًا لمصالحهم. بل على العكس، باتوا يختبرون حدود هذه الهدنة في محاولة لتعزيز ما يعدّونه «سيادتهم المرتقبة» على المناطق الخاضعة لسيطرتهم في شمال غربي اليمن.

 

ويعكس هذا التحول الهجوم الذي شنّه الحوثيون على هدف داخل السعودية، وهو الأول من نوعه منذ أربعة أعوام. ففي 13 يوليو/تموز، استهدفت الجماعة بصواريخ مطار أبها المدني في منطقة عسير جنوبي المملكة. واعترضت الدفاعات الجوية السعودية الصواريخ، في هجوم قال الحوثيون إنه جاء ردًا على غارة استهدفت مدرج مطار صنعاء بهدف منع طائرة إيرانية تقل وفدًا حوثيًا من الهبوط. وكانت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا قد أعلنت مسؤوليتها عن تلك الغارة، في حين حمّل الحوثيون السعودية مسؤوليتها.

 

•تحول في التقديرات

 

خلال «النصف الأول» من الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، حرص الحوثيون على عدم تقويض الهدنة مع السعودية، فتجنبوا تنفيذ هجمات واسعة داخل اليمن، ولا سيما ضد أهداف داخل الأراضي السعودية. واقتصر ما وصفوه بـ«التصعيد المنضبط» على هجمات صاروخية محدودة استهدفت إسرائيل دعمًا لطهران.

 

وفي يونيو/حزيران، أطلق الحوثيون حملة تعبئة عامة لتعزيز التجنيد ورفع مستوى الجاهزية، كما فعلوا خلال حرب غزة، مع الإبقاء على جميع الخيارات مطروحة. وفي يوليو/تموز، تجددت المواجهات العنيفة والدامية في محافظة الحديدة، بعدما شن الحوثيون هجمات على مواقع القوات الموالية للحكومة.

 

ويبدو أن النهج الجديد الذي يتبناه الحوثيون يعكس تحولًا في تقديرات الجماعة، في سياق أوسع يرتبط بما يصفه الكاتب بـ«النصف الثاني» من الحرب الأمريكية-الإيرانية. وتشير تحركات الحوثيين إلى أنهم لم يعودوا يعتبرون الهدنة خيارًا استراتيجيًا، أو حتى خيارًا مجديًا من الناحية السياسية. ويُرجَّح أن يعكس ذلك قناعة لدى قيادة الجماعة بأن انتزاع تنازلات من السعودية، سواء على الصعيد المالي أو فيما يتعلق بإعادة الإعمار، لم يعد واقعيًا. كما تبدو الرياض، في أعقاب الحرب مع إيران، أقل استعدادًا من أي وقت مضى لمنح طهران أو حلفائها أي هامش نفوذ على حدودها.

 

•من الحذر إلى التحدي

 

في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما هو الحال في بقية أنحاء اليمن، شهدت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية مزيدًا من التدهور خلال عام 2026، وهو ما يُرجح أنه دفع قيادة الجماعة إلى اعتبار حالة الجمود السياسي القائمة غير قابلة للاستمرار.

 

ووفقًا للأمم المتحدة، يعاني أكثر من 18 مليون يمني، أي ما يزيد على نصف سكان البلاد، من الجوع الحاد. ولا تتوفر بيانات دقيقة بشأن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما اضطرت الأمم المتحدة إلى تعليق عملياتها هناك بسبب الاعتقالات التعسفية التي تنفذها الجماعة، إلى جانب غياب الحد الأدنى من الضمانات الأمنية.

 

ولا تزال سلطات الحوثيين بحكم الأمر الواقع عاجزة عن صرف رواتب موظفي القطاع العام. وخلال عام 2026، واصل الحوثيون مطالبة الرياض بتمويل رواتب العاملين في القطاع العام، بما في ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، كما طالبوا بتعويضات عن التداعيات الاقتصادية للحصار. وفي هذا السياق، كثفت الجماعة حملاتها الدعائية المناهضة للسعودية، محمّلةً الرياض مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية.

 

وكانت إمكانية الحصول على هذه التنازلات الاقتصادية، التي شكّلت في السابق إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، من العوامل التي دفعت الحوثيين إلى توخي الحذر في استئناف هجماتهم، سعيًا للحفاظ على المكاسب التي أتاحتها الهدنة. غير أن تعثر تنفيذ خريطة الطريق، إلى جانب التغيرات التي شهدتها البيئة الإقليمية، أدى إلى تراجع هذا النهج التحفظي بصورة كبيرة، ولا سيما في ظل التحول الذي طرأ على مقاربة السعودية تجاه الجماعة.

 

إلى جانب ذلك، بات الحوثيون ينظرون بصورة متزايدة إلى السعودية بوصفها الطرف الخارجي الأكثر تأثيرًا في معسكر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما يساعد أيضًا على تفسير انتقال تقديراتهم من الحذر إلى التحدي. فبعد هزيمة الانفصاليين المدعومين من الإمارات في يناير/كانون الثاني 2026، أصبحت الرياض الطرف الأكثر نفوذًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بعدما ضخت موارد مالية وعسكرية كبيرة لتوحيد القطاع الأمني وضمان صرف رواتب موظفي القطاع العام بصورة منتظمة.

تطبيق دروس الحرب مع إيران على الساحة اليمنية

 

من خلال هذه الهجمات وتبنّي سياسة تحدٍ علنية تجاه السعودية، يسعى الحوثيون إلى اختبار حدود الهدنة في اليمن. فعلى الصعيد الداخلي، تهدف هذه الخطوة إلى تحدي الوضع القائم، الذي بات يُنظر إليه داخل قيادة الجماعة على أنه لم يعد يخدم مصالحها. أما على الصعيد الإقليمي، فتتيح هذه الاستراتيجية للحوثيين مواءمة تحركاتهم مع مصالح طهران في ظل استئناف الحرب الأمريكية-الإيرانية.

 

وفي هذه المرحلة من الصراع، لا تبدو أهداف الحوثيين وإيران متقاربة فحسب، بل إن النهج التصعيدي الذي يتبناه الطرفان أصبح أكثر تقاربًا أيضًا. إذ يرى الكاتب أن الحوثيين وإيران يتقاسمان مصلحة مشتركة في زيادة الضغط على السعودية، بما يرفع الكلفة الإقليمية والدولية للحرب، ويدفع الولايات المتحدة، بصورة غير مباشرة، إلى وقف عملياتها العسكرية ضد إيران.

 

ومع تصاعد التوترات مجددًا مع السعودية، يبدو أن الحوثيين يطبقون بعض الدروس التي استخلصوها من الحرب مع إيران.

 

فأولًا، تسعى الجماعة إلى إظهار قدر من التماثل في أسلوب تهديدها للرياض. فعلى سبيل المثال، وبعد اتهام السعودية بالوقوف وراء استهداف مطار صنعاء، قرر الحوثيون مهاجمة مطار داخل السعودية، في خطوة تحاكي، وفق تحليل الكاتب، النهج الإيراني القائم على استهداف البنية التحتية لدول الخليج عقب الضربات الأمريكية التي طالت البنية التحتية الإيرانية.

 

وثانيًا، يحاول الحوثيون فرض أمر واقع في المجال الجوي اليمني عبر إتاحة المجال أمام الرحلات الجوية الإيرانية، بحسب ما أكدته مؤسسات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وذلك في إطار مساعيهم إلى تعزيز سيطرتهم على المجال الجوي، في خطوة تشبه مساعي طهران إلى فرض نفوذها في الممرات البحرية.

 

ففي مطلع يوليو/تموز، أوحت زيارة المبعوث الإيراني إلى صنعاء للإعلان عن تدشين خط جوي مع طهران، أعقبها هبوط أول طائرة قادمة من إيران في منطقة خاضعة لسيطرة الحوثيين، بأن الجماعة تسعى إلى ترسيخ ما تعتبره «سيادة مرتقبة» على المناطق التي تسيطر عليها. ويحظى هذا التوجه بدعم من طهران، في وقت بات فيه الحوثيون يقرّون علنًا بالدور والحضور الإيراني في اليمن، بعدما كانوا في السابق يميلون إلى التقليل من شأنه تأكيدًا لاستقلالية قرارهم.

 

ومن خلال السعي إلى المواجهة مع الحكومة اليمنية، والأهم مع السعودية، يعزز الحوثيون خطاب «وحدة الساحات»، الذي يربط، في هذا السياق، بين مصير مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

 

وبالنظر إلى النهج التصعيدي الذي تتبناه الجماعة، يرى الكاتب أن التهديدات التي تستهدف حرية الملاحة في جنوب البحر الأحمر أصبحت أعلى مما كانت عليه في السابق. كما أن منطق التماثل الذي يحكم سلوك الحوثيين يزيد من مستوى المخاطر، ولا سيما في ظل قرار الولايات المتحدة إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية.

 

وسواء استؤنفت الهجمات البحرية أم لم تُستأنف، فإن مجرد تآكل الهدنة في اليمن يشكل، وفق هذا التحليل، عاملًا كافيًا لإعادة صياغة حسابات الأطراف المنخرطة في الأزمة، بما ينذر بمزيد من التوترات ويزيد احتمالات الوقوع في أخطاء في التقدير قد تقود إلى تصعيد غير محسوب. 

 

يمثل أول هجوم يشنه الحوثيون على الأراضي السعودية منذ أربعة أعوام تحديًا استراتيجيًا للمملكة، ولا سيما في ظل الحرب الدائرة مع إيران. فالرياض تواجه حاليًا مجموعة متشابكة من التهديدات التي تمس أمنها القومي على حدودها، وترتبط جميعها، بدرجات متفاوتة، بطهران. وتشمل هذه التهديدات احتمال تعرضها لهجمات مباشرة من إيران، والإغلاق المتكرر لمضيق هرمز، والهجمات التي تنفذها بين الحين والآخر الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، إلى جانب هجمات الحوثيين في اليمن.

 

وفي هذا السياق، تتعزز لدى السعودية قناعة بأنها تواجه حالة من التطويق الاستراتيجي، في وقت لم تعد فيه قدرات الردع والدفاع الأمريكية، وفق تقدير الكاتب، كافية لحماية المملكة في حال اندلاع تصعيد إقليمي أو مواجهة متعددة الجبهات، وإنما تقتصر فاعليتها على الحد من حجم الأضرار.

 

ويشكل النفط عنصرًا محوريًا في هذه الرؤية الأمنية؛ إذ تعتمد صادرات السعودية النفطية بصورة كبيرة على ممر البحر الأحمر ما دام مضيق هرمز عرضة للمخاطر، كما يمر الجزء الأكبر من صادراتها المتجهة إلى الأسواق الآسيوية عبر مضيق باب المندب، وهو ما يمنح الحوثيين قدرة كبيرة على تهديد هذا الشريان الحيوي وتعطيل حركة التجارة والطاقة.

 

وعلاوة على ذلك، تشهد أعمال القرصنة البحرية في خليج عدن وعلى امتداد السواحل الصومالية تصاعدًا ملحوظًا، بما في ذلك في المناطق القريبة من السواحل اليمنية. ويرجح الكاتب أن يكون هذا التطور مرتبطًا بتنامي العلاقات بين الحوثيين وشبكات حركة الشباب المرتبطة بأنشطة القرصنة الصومالية، وهو ما يضيف مصدرًا جديدًا لعدم الاستقرار في ممر البحر الأحمر.

 

ومع استئناف الحرب مع إيران، لا يبدو أن الحوثيين والسعودية يتجهان إلى تصعيد مباشر وفوري ضد بعضهما البعض. غير أن خطر التصعيد، الذي تغذيه عوامل داخلية وإقليمية، غيّر بالفعل طبيعة الهدنة في اليمن، وأضعف التوازن الهش، وإن طال أمده، الذي استمر طوال السنوات الأربع الماضية.

 

وفي ضوء حسابات الحوثيين ومصالح طهران، تبدو الجماعة وكأنها دخلت مرحلة جديدة وأكثر حساسية في علاقتها مع السعودية، تتسم بارتفاع مستوى المخاطرة واحتمالات الانزلاق إلى تصعيد أوسع قد يتجاوز حدود اليمن، بما يهدد بإعادة تشكيل معادلات الصراع في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس