كيف وصل الحوثيون إلى باب المندب .. الهجوم الخاطف الذي استمر 7أيام وغيّر مسار الحرب في اليمن
الاربعاء 23 سبتمبر 2026 - الساعة 10:03 مساءً
المصدر : الرصيف برس - خاص

سلطت مجلة "نيولاينز" الامريكية ، الضوء على تفاصيل سيطرة مليشيا الحوثي المدعومة من إيران على الساحل الغربي ، عقب انهيار القوات الحكومية وانسحابها المفاجئ.
التقرير الذي اعده الصحفي اليمني / محمد القاضي ، أكد بأن الهجوم الخاطف الذي شنّه الحوثيون وسيطرتهم على مواقع رئيسية حول مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، يمثل نقطة تحول في الحرب اليمنية المستمرة منذ 12 عاماً، إذ أعاد تشكيل ميزان القوى الداخلي بصورة جوهرية، وخلّف تداعيات تتجاوز حدود اليمن بكثير.
وفي 4 سبتمبر/أيلول، شن الحوثيون هجوماً خاطفاً واسعاً اجتاح حيس والخوخة، وأعاد قواتهم إلى المخا ومداخل المضيق. ولم تشهد المدن معارك طويلة. وبدلاً من ذلك، انسحبت القوات الحكومية التي يقودها نائب الرئيس طارق صالح بشكل مفاجئ فجر 10 سبتمبر.
يٌشير التقرير الى أن الإجابة عن سؤال ما حدث تبدأ قبل أشهر من الان، عندما بدأ الحوثيون في إعداد ساحة المعركة ، فالهجوم الأخير لم يأت من فراغ ، حيث جند الحوثيين على مدى نحو عامين، المقاتلين وحشدوا القوات استعداداً لهجوم عسكري كبير ، لافتاً الى تقديرات قوات المقاومة الوطنية بأن حجم التعبئة تجاوز 76 ألف مقاتل.
وفي 9 أغسطس/آب، افتتح الحوثيون المرحلة الرئيسية من هجومهم بقصف مقر قوات المقاومة الوطنية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ، حيث سقطت أربعة صواريخ في محيط مقر طارق صالح، لكنه نجا من الهجوم.
وبحسب مصادر مطلعة على التحضيرات، كان الحوثيون قد اتخذوا قبل عدة أسابيع قراراً استراتيجياً بتدمير قوات صالح والقوة التي بناها على الساحل الغربي.
وأُبلغ أن القرار اتخذه مجلس الجهاد التابع للحوثيين برئاسة عبدالملك الحوثي، بمشاركة أعضاء ومستشارين إيرانيين في التخطيط ، ولم يكن الهدف مجرد إضعاف خصم عسكري، بل إزالة العقبة التي تقف بين الحوثيين وبين الوصول إلى باب المندب. فقد كانت هذه القوات تمثل مشكلة رئيسية للحوثيين، إذ كانت تعترض سفناً يُشتبه في استخدامها لتهريب الأسلحة عبر القرن الأفريقي.
وعندما بدأ الهجوم البري أخيراً، كان الحوثيون قد أمضوا عدة أسابيع في تهيئة ساحة المعركة. ووفقاً لمسؤولين في قوات المقاومة الوطنية، شن الحوثيون بين 9 أغسطس و9 سبتمبر نحو 130 هجوماً بصواريخ باليستية، و145 طائرة مسيّرة انتحارية، و15 زورقاً مفخخاً ضد القوات الحكومية.
ودُمّر ميناء المخا، فيما تعرضت القوات المدافعة عن الساحل الغربي لحملة مستمرة مع دعم جوي محدود للغاية ، وحُشد عشرات الآلاف من المقاتلين، بمن فيهم وحدات نخبة.
كما نُشر قادة كبار في منطقة الحوبان، شمال شرقي تعز، بينهم محمد العاطفي، وزير الدفاع في حكومة الحوثيين؛ ويوسف المداني، رئيس هيئة الأركان وقائد جبهة البحر الأحمر؛ وعبداللطيف المهدي، المعروف باسم أبو نصر الشعف، قائد المنطقة العسكرية الرابعة؛ إلى جانب مسؤولين عسكريين واستخباراتيين كبار آخرين.
ويؤكد التقرير بأن بعض خبراء الحرس الثوري الإيراني شاركوا في إدارة الهجوم وفقاً لمصادر ، وأُديرت العملية ضد المخا من هناك.
لكن الحوثيين – وفق التقرير - كانوا يخوضون معركة أخرى على جبهة مختلفة وهي الاتصالات ، فبعد التخلي عن استخدام نظام «Claude» خشية اختراقه من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، أفادت تقارير بأن الحوثيين شكلوا فريقاً يضم خبراء حوثيين وخبراء من حزب الله والعراق.
وأُرسلت مركبات تحمل أنظمة متطورة للاتصالات بهدف اعتراض اتصالات القوات الحكومية على خطوط المواجهة الممتدة من غرب تعز إلى المخا.
ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، رصدت وحدات الحرب الإلكترونية وتمكنت من الاستماع إلى اتصالات 5,346 جهازاً لاسلكياً بالقرب من خطوط المواجهة: 3,181 جهازاً في محيط جبهة البرح في تعز، و2,165 في محيط الحديدة.
وبحسب المعلومات التي وصلت مُعد التقرير ، استُخدم النظام بعد ذلك لإرسال أوامر بالانسحاب إلى الوحدات الموجودة في الخطوط الأمامية، في الوقت الذي كانت فيه المواقع نفسها تتعرض لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيّرة ، وكان التأثير مدمراً.
بعد سقوط مديرية الوازعية في تعز، خشي بعض المقاتلين من أن يقتحم الحوثيون ذباب ويقطعوا خط الإمداد، ولا سيما أولئك الذين كانت عائلاتهم موجودة هناك. فتركوا بعض مواقعهم الأمامية للعودة وإنقاذ عائلاتهم.
اعتقد السكان أن الأمر يتعلق بانسحاب نهائي. أما المقاتلون فكانوا يعتقدون أنهم سيعودون إلى مواقعهم الأمامية، لكن الوقت لم يكن في صالحهم، وفقاً لمصادر عسكرية وسياسية. وأُبلغ بعضهم بالانسحاب، بينما لم يُبلّغ آخرون، بمن فيهم قادة.
وقال أحد القادة البارزين: "قاتل الناس ببسالة وشراسة لعدة أيام. حوصر بعض المقاتلين لمدة يومين وصدوا هجمات حوثية ضخمة، بينما ظلوا مستيقظين لساعات طويلة. الطائرات المقاتلة لم تظهر، كما لم تُفعّل الجبهات الأخرى، سواء في تعز أو المحافظات الأخرى، بصورة مناسبة لتشتيت قوات الحوثيين وقطع خطوط إمدادهم. ولذلك كان الانسحاب فوضوياً وغير منضبط، ولهذا تحول إلى هزيمة ساحقة".
وبحسب المصادر، كان الهدف الرئيسي للحوثيين هو قتل صالح والسيطرة على المخا وباب المندب، بغض النظر عن العواقب. وكان الحرس الثوري الإيراني قد منح العملية مهلة عشرة أيام، وفقاً للتقارير.
وقبل أيام قليلة من الانهيار، أفيد بأن عبدالملك الحوثي خفّض المهلة إلى 72 ساعة ، وقد تحققت المهلة ، لكن سرعة الهزيمة لا يمكن تفسيرها بالقوة العسكرية للحوثيين وحدها.
فالجبهة الحكومية كانت منقسمة أصلاً ، وكان سقوط الكدحة في غرب تعز مؤشراً مبكراً إلى ما سيأتي، فقد كانت المنطقة تحت سيطرة لواء النصر التابع لمحور تعز العسكري، وكان قائد اللواء، رامي الخليدي، موجوداً في عدن عندما هاجم الحوثيون قواته، التي كانت أعدادها محدودة، وفقاً للتقارير.
وفي 6 سبتمبر/أيلول، سقطت الكدحة من دون مقاومة كبيرة ، وكان صالح قد حذر محور تعز العسكري قبل أشهر من أن الجبهة ذات أهمية استراتيجية وتحتاج إلى تعزيزات. لكن تحذيراته لم تلقَ الاستجابة التي أرادها، بحسب مصادر عسكرية.
ويُشير التقرير الى حالة انعدام ثقة عميق بين صالح وبعض مكونات قوات تعز، وكذلك مع حزب الإصلاح ذي التوجه الإسلامي بصورة عامة.
فبمجرد سيطرة الحوثيين على الكدحة، قطعوا الطريق بين المخا ومدينة تعز، وهو الطريق الذي شُيّد بتمويل إماراتي.
واعتبر خبراء عسكريون سقوط الكدحة تطوراً حاسماً لأنه عزل المخا عن مدينة تعز وعن أي إمدادات أو ضغط محتمل لدعم القوات الموجودة في المخا والساحل الغربي عموماً.
ولم تُفعّل أي جبهات أخرى حول تعز لقطع خطوط إمداد الحوثيين أو تشتيت انتباههم عن أهدافهم.
لكن الانقسام كان أعمق من طريق واحد أو جبهة عسكرية واحدة، ويقل التقرير بأن المشكلة كانت أن القوى المناهضة للحوثيين لم تكن يوماً جيشاً واحداً ، و تحت قيادة ميدانية موحدة.
واجه الحوثيون الوضع المعاكس تماماً ، كانت قيادتهم مركزية، وهدفهم واضحاً، وتمكنت قيادتهم من تركيز عشرات الآلاف من المقاتلين على جبهة واحدة.
وأثبت الفرق بين الطرفين أنه حاسم ، وكان ثمن الانهيار والعواقب الإقليمية هائلاً، استولى الحوثيون على نحو 2,000 ميل مربع خلال هجوم واحد، وعادوا إلى باب المندب بعد نحو عقد من إبعادهم عنه.
يقول التقرير بأنه لم يكن الانهيار مجرد التخلي عن خط دفاعي ، بل كان اختفاء بنية عسكرية استغرق بناؤها سنوات ، مشيراً الى واحد من أحد أخطر الأخطاء هو بناء قاعدة قيادة وسيطرة استراتيجية في جبل النار، على بعد 11 ميلاً فقط من خط المواجهة مع الحوثيين، على ما يبدو للاستفادة من حماية الجبل وتجنب الضربات.
مشيراً الى أن القاعدة، رغم تحصينها بما يكفي لتجنب صواريخ الحوثيين، كانت هشة أمام قواتهم البرية ، وبمجرد السيطرة عليها، سقطت غرفة العمليات وفُقد الاتصال بالوحدات العسكرية.
ووفقاً لأشخاص من المنطقة وروايات عن المعركة، تركز القتال الحاسم حول القطاع الأوسط من الجبهة الغربية ، وامتد المحور الحاسم عبر البرح، ومفرق المخا، ومعسكر خالد، وجبل النار.
واتبع الانهيار تسلسلاً عسكرياً واضحاً ، تعرض مفرق البرح للضغط؛ واختُرقت المنظومة الدفاعية حول معسكر خالد العسكري؛ وأصبح جبل النار وهيكل القيادة مهددين؛ وتدهورت الاتصالات والتنسيق؛ وبدأت القوات في الانسحاب.
ولم تكن هناك مواقع دفاعية بديلة معدة مسبقاً لتحل محل المواقع التي فُقدت ، وأصبحت المخا أكثر عرضة للسقوط بصورة متزايدة ، وتكمن أهمية هذا التسلسل في أن الحوثيين لم يكونوا بحاجة إلى تدمير كل تشكيلات الحكومة في الوقت نفسه.
لكن بعض المصادر قالت إن ألوية تهامة التي تقاتل في مديريتي الخوخة وحيس في الحديدة، وهي جزء من قوات المقاومة الوطنية، حافظت على قدر أكبر من التماسك، وتمكنت من الانسحاب في الوقت المناسب قبل أن تُحاصر بالكامل.
وتُعد هذه الوحدات الآن التشكيلات التي يمكن أن تتولى زمام المبادرة في أي ترتيبات مستقبلية في هذه المناطق.
ينقل التقرير عن مصادر قولها بإن طارق صالح طالب بمزيد من الدعم الجوي، لكن الغارات المحدودة التي تلقاها لم تتمكن من وقف الأعداد الهائلة من مقاتلي الحوثيين، ولم تفعل الكثير لإبطاء الانسحاب.
وبعد الانسحاب، تحركت قوات صالح والقوات الداعمة لها باتجاه خور عميرة في لحج، فيما واصل الحوثيون ملاحقتهم بضربات صاروخية ، وجاء الدعم الجوي متأخراً، بعد الانسحاب فقط.
وبرأي معد التقرير ، لا يزال الهجوم المضاد ممكناً، لكنه سيتطلب من القوات المتبقية إعادة تنظيم صفوفها وإنشاء هيكل قيادة متماسك قبل محاولة استعادة الأراضي التي خسرتها.
لافتاً الى أن الحوثيون يعملون الآن على تثبيت مواقعهم في المناطق التي استولوا عليها، وهناك تقارير عن قيامهم بزرع الألغام ، وكلما طال بقاؤهم هناك، أصبح إخراجهم أكثر صعوبة.
كما يسعى الحوثيين إلى السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة في تعز ولحج المطلة على المضيق لتأمين ظهرهم، في الوقت الذي يعملون فيه على ما يبدو باتجاه خطوتهم التالية المحتملة: مأرب.














