من البيت إلى الجبهة.. تقرير حقوقي يوثق مسارات تجنيد الأطفال في اليمن

الخميس 29 أكتوبر 2026 - الساعة 07:50 مساءً
المصدر : الرصيف برس - متابعات خاصة

 


أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات العدد الثاني من سلسلة «أثر: ملفات حقوقية مصغرة» بعنوان «من البيت إلى الجبهة»، متناولًا مسارات تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح في اليمن، وما يرافق ذلك من مخاطر أثناء التدريب والقتال والاحتجاز، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تستمر بعد خروج الطفل من الجبهة.

 

ويأتي التقرير في وقت أعاد فيه التصعيد العسكري في تعز والساحل الغربي خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2026 قضية الأطفال في مواقع المواجهة والاحتجاز إلى واجهة الاهتمام الحقوقي. ويبحث التقرير كيف ينتقل بعض الأطفال من محيط الأسرة والمدرسة والأنشطة الثقافية إلى المعسكرات والجبهات، ومن يستقطبهم ويدرّبهم وينقلهم، وما قد يتعرضون له عند الإصابة أو الوقوع في الأسر.

 

222 حالة موزعة على 16 محافظة

 

ورصدت المنظمة 222 حالة لأطفال تشير السجلات إلى تجنيدهم ومقتلهم في سياق النزاع المسلح، ونُسبت هذه الحالات إلى جماعة الحوثي، وتوزعت على 16 محافظة يمنية. وسُجل العدد الأكبر في ذمار، بواقع 37 حالة، تليها صنعاء بـ34، وحجة بـ33، وصعدة بـ25، وإب بـ24، وعمران بـ21. وتشكل الحالات المسجلة في هذه المحافظات الست 174 حالة، أي نحو 78.4% من الإجمالي المرصود.

 

وتتوافر بيانات عمرية لـ147 طفلًا؛ منهم 69 طفلًا تراوحت أعمارهم بين 12 و14 عامًا، و78 طفلًا بين 15 و17 عامًا، فيما تعذّر تحديد أعمار 75 طفلًا. وتبرز هذه البيانات، بحسب التقرير، صغر أعمار عدد من الأطفال واتساع النطاق الجغرافي للحالات التي وصلت معلوماتها إلى المنظمة.

 

وأكدت سام أن هذه الأرقام جزئية وأولية، ولا تمثل الحصيلة الكاملة للأطفال المجندين؛ إذ ترتبط الحالات المرصودة بوفيات، ولا تشمل بالضرورة الأطفال الذين جرى تجنيدهم وما زالوا على قيد الحياة. كما تواصل المنظمة التحقق من أعمار الضحايا وظروف تجنيدهم ومقتلهم، واستكمال المعلومات اللازمة لتحديد المسؤوليات.

 

ولإظهار امتداد الظاهرة عبر سنوات النزاع، يستعرض التقرير بيانات أممية وحقوقية سابقة، من بينها توثيق الأمم المتحدة 3,034 حالة تجنيد واستخدام أطفال بين أبريل 2013 وديسمبر 2018، وتحقق الأمم المتحدة من 3,995 حالة بين مارس 2015 وسبتمبر 2022، إضافة إلى ما أورده تقرير سابق لمنظمة سام والمرصد الأورومتوسطي عن توثيق 10,333 حالة ضمن نطاقه الزمني والمنهجي. وينبه التقرير إلى اختلاف الفترات الزمنية ومعايير التوثيق بين هذه الحصائل، وأنه لا يجوز جمعها حسابيًا.

 

خمسة أطفال في قرية واحدة

 

ويتضمن التقرير رصدًا ميدانيًا في قرية المربك، بعزلة جبل اللوز في مديرية الطيال بمحافظة صنعاء، وثّق خمس حالات لأطفال تراوحت أعمارهم بين 13 و15 عامًا خلال الفترة من مطلع سبتمبر إلى 16 أكتوبر 2026. وأفادت المعلومات بأن ثلاثة أطفال أُخذوا من مدرستي قاع الصبلة وخالد بن الوليد، فيما أُخذ طفلان آخران من مقر محلي داخل القرية.

 

ومن بين الحالات الواردة في التقرير طفل قيل إنه نُقل إلى جبهة مأرب، بينما لم تتضح وجهة طفلين آخرين، وأفادت المعلومات بأن أحدهما مجهول المصير. وتضمنت المعلومات اسم شخص محلي نُسب إليه الإشراف على الاستقطاب، إلا أن المنظمة تحتفظ ببياناته لاستكمال التحقق من دوره ومسؤوليته.

 

ويشير التقرير إلى أن تركز الحالات الخمس في قرية واحدة خلال نحو ستة أسابيع، وارتباط ثلاث منها بمؤسستين تعليميتين، يثير أسئلة حول دور المدارس والمشرفين المحليين في نقل الأطفال إلى المعسكرات والجبهات. لكنه يوضح في الوقت نفسه أن هذه الحالات لا تشكل عينة إحصائية تسمح بتقدير حجم الظاهرة على المستوى الوطني، وأن إثبات طبيعة التجنيد والمهام في كل حالة يتطلب مزيدًا من التحقق.

 

شهادات عن الاستقطاب والتدريب والنقل إلى الجبهات

 

يعرض التقرير إفادات ثلاثة أطفال قالوا إنهم جُنّدوا في سن مبكرة، وإفادة رابعة لشخص لم يثبت عمره وقت التجنيد بصورة كافية، إلى جانب شهادة مختص عمل في برامج تأهيل وإعادة دمج الأطفال بين عامي 2017 و2025. وقد أخفى التقرير أسماء الأطفال واستخدم أسماء مستعارة حمايةً لهم.

 

وتصف الإفادات مسارات متعددة للاستقطاب؛ ففي إحدى الحالات، قال طفل إن مشرفًا محليًا قدم له القتال باعتباره واجبًا دينيًا، وتحدث عن مبالغ مالية ومساعدات للأسرة. وفي حالة أخرى، أفاد طفل بأن والده اصطحبه إلى معسكر وهو في الثالثة عشرة، حيث أمضى نحو 55 يومًا وتلقى، وفق روايته، تدريبًا على استخدام البنادق والرماية والتمارين البدنية، إلى جانب محاضرات دينية وسياسية، قبل نقله إلى مواقع أمامية.

 

كما تحدثت إفادات أخرى عن استقطاب بدأ عبر دروس أو دورات ثقافية واتصالات محلية، ثم انتقل إلى تدريب عسكري في معسكرات، قبل توزيع الأطفال على مواقع للحراسة أو القتال. وفي بعض الروايات، ذُكرت حوافز مالية أو وعود بالعمل في مواقع خلفية، بينما قال أصحابها إنهم نُقلوا لاحقًا إلى مواقع أكثر تعرضًا لمخاطر المواجهة.

 

ويخلص التقرير إلى أن وجود الطفل في موقع عسكري قد يكون نتيجة مسار يبدأ قبل وصوله إلى الجبهة بوقت، وأن فهم كل حالة يتطلب فحص ظروف الاستقطاب والتدريب والنقل والمهمة التي أُسندت إلى الطفل، لا الاكتفاء بتوثيق وجوده في موقع القتال.

 

الأسر والادعاءات المتعلقة بسوء المعاملة

 

يتناول التقرير مصير أطفال قالوا إنهم وقعوا في الأسر، ويتضمن إفادات عن الضرب والتهديد والإهانة والتصوير وسوء ظروف الاحتجاز، إضافة إلى روايات عن نقص الغذاء والرعاية الطبية. وتؤكد المنظمة أن هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقيق مستقل، وأن مسؤولية الجهة التي جندت الطفل لا تلغي مسؤولية الجهة التي تحتجزه عن سلامته ومعاملته الإنسانية.

 

كما يورد التقرير، نقلًا عن مختص في التأهيل، ادعاءات بشأن تعرض بعض الأطفال لمواد مجهولة أو مؤثرة في الوعي والسلوك. لكنه يوضح أن المعلومات المتاحة لا تتضمن فحوصًا مخبرية أو سجلات علاجية تثبت نوع تلك المواد أو علاقتها بالتغيرات السلوكية الموصوفة؛ ولذلك لا يجزم بوجود مادة محددة أو ممارسة منظمة، ويدعو إلى تحقيق طبي وتوثيقي متخصص، مع حماية الأطفال والشهود من الوصم أو تعريضهم للخطر.

 

أما بعد الخروج من الجبهة، فتصف الإفادات مشاعر الخوف والقلق والكوابيس وصعوبة العودة إلى الحياة الأسرية والتعليمية. ويشير التقرير إلى أن الأطفال قد يحتاجون إلى وقت ودعم نفسي واجتماعي متخصص، وإلى ضمانات تحميهم من إعادة التجنيد وتساعدهم على استعادة روابطهم الأسرية ومواصلة تعليمهم.

 

الإطار القانوني والمساءلة

 

ويعرض التقرير الإطار القانوني المتصل بتجنيد الأطفال واستخدامهم، موضحًا أن البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة يحظر على الجماعات المسلحة، المنفصلة عن القوات المسلحة للدولة، تجنيد من هم دون الثامنة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية. ويشير كذلك إلى أن تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال الحربية قد يشكل جريمة حرب متى ثبتت عناصرها القانونية.

 

كما يلفت إلى أن الأطفال الذين يصبحون خارج القتال أو يقعون في الاحتجاز يحتفظون بضمانات الحماية والمعاملة الإنسانية، بصرف النظر عن الجهة التي جندتهم أو الدور الذي أدوه. وبناء على ذلك، يدعو التقرير إلى فحص الوقائع وتحديد الأعمار والمهام والجهات والأدوار الفردية وفق الأدلة، والتحقيق في ادعاءات سوء المعاملة بصورة مستقلة عن التحقيق في التجنيد.

 

توصيات سام

 

دعت منظمة سام جماعة الحوثي وجميع الأطراف المسلحة إلى الوقف الفوري لتجنيد الأطفال واستخدامهم، وإنهاء استغلال المدارس والأنشطة الثقافية في الاستقطاب، والكشف عن الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة وتيسير خروجهم الآمن وإحالتهم إلى آليات الحماية والتأهيل.

 

وطالبت المنظمة الأطراف والسلطات المعنية بحصر الأطفال الذين وقعوا في الأسر أو الاحتجاز خلال العمليات الأخيرة، وضمان معاملتهم الإنسانية، وتمكين الجهات الإنسانية المختصة من الوصول إليهم، والتحقيق بصورة مستقلة في ادعاءات الضرب والتعذيب والإهانة والإكراه وسوء ظروف الاحتجاز.

 

كما أوصت بإجراء تحقيقات في مسارات الاستقطاب والتدريب والنقل إلى الجبهات، وتحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة، وإخضاع الادعاءات المتعلقة بمواد مجهولة أو مؤثرة في الوعي لفحص طبي متخصص. وشددت على ضرورة توسيع برامج التأهيل وإعادة الدمج، وضمان التعليم والرعاية النفسية والاجتماعية ولمّ شمل الأسر، ووضع ترتيبات تمنع إعادة تجنيد الأطفال بعد عودتهم.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس