هذا الوطن لم يُبع.. لأنه كان معروضا منذ البداية..

الخميس 08 يناير 2026 - الساعة 10:35 مساءً

 

لسنوات طويلة، والجماعة، أينما وجدت، تعمل على تحويل القضايا السياسية والمعارك المصيرية، إلى بازارات خيرية. أسواق صغيرة، لجمع وشحن العواطف وتفريغ الأفكار، في سبيل خلق عقل جمعي سهل الانقياد.

 

كنا نعتقد أن هذا الشكل من الإدارة هو كل ما يُجيدونه، باعتبارهم متعهدي جمعيات ومنظمي حلقات، ومع الوقت، بدا واضحا أن هذا الشكل من الإدارة لم يكن بريئا، فهو في الحقيقة تدريب مبكر على كيفية تحويل القضايا العامة إلى بازارات تعلوها وتغطيها لافتات الفضيلة، بينما هي في حقيقتها مزادات ومزايدات علنية لتمرير حساباتها الخاصة.

 

بهذه الطريقة، تُمارس الجماعة السياسة، بالآليات ذاتها، وباللغة نفسها، وبالاعتماد على مسلمات جاهزة يندفع الناس نحوها بلا تفكير حتى أصبح الغالبية منا مجبرا قسرا على إخراس آراؤه حتى لا يجد نفسه في مجابهة ومواجهة عقل جمعي، قطيع تخلّق بفضلهم حتى امتلكوا أدوات إستثارته وتخديره.

 

بفضل هذه البازارات امتلكت الجماعة نقطة قوة واحدة، كانت كافية لأن تحميها حتى اليوم، نقطة القوة هذه هي ما يمكن وصفها بمهارة خلق سوق موازٍ تُنقل إليه المعارك من ميادينها، سوق يُفتح قبل أن تتضح النتائج، وقبل أن تُحصى الخسائر.

 

في هذا السوق أو حلبة البازار لدى الجماعة من الخبرة ما يكفي لخلط السياسة بالحسابات، وتحويل المواقف إلى سلع مؤقتة، تُعرض وتُسحب بحسب ميزان القوة، بعيدا عن صواب الفكرة من عدمها.

 

في هذا السوق، لا يكون البيع فعل خيانة معلنة، ولا الشراء صفقة واضحة، لا تدري من باع؟ أو من اشترى؟ كلاهما عملية ملتبسة يخرج منها الجميع مدعين أنهم لم يبيعوا شيئا، وأنهم اشتروا ما يحفظ الضرورة، ومع الوقت، يفقد البائع يقينه بأنه باع، ويقنع المشتري نفسه بأنه أنقذ ما كان يمكن إنقاذه، رغم أن ذلك الشيء قد فُقد أصلا.. بينما لدى الناس تنتصر ثقافة السوق أو لنقل فرضية العقل الجمعي.

 

 

الأخطر في هذه اللحظة أن يتحول الامتناع عن الدخول في السوق، وبكل سهولة، إلى تهمة، فيما يُعاد تعريف الشهادة بوصفها انحيازا، والصمت بوصفه اشتباها. في مناخ هذا البازار السياسي يصبح الشاهد طرفا رغماً عنه، ويُدان لأنه لم يشارك في الصفقة، لا لأنه أخطأ في تقديرها.

 

ومع ذلك يكفي أن نؤكد أن هذا البازار السياسي لا يصنع منتصرين، بقدر ما ينتج وهما عاما بالنجاة، فيما البلد نفسه يخرج من كل جولة أقل حضورا، وأكثر قابلية لأن يُكتب على بابه: هذا الوطن لم يُبع.. لأنه كان معروضا منذ البداية.

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس