اليمن .. مظلومية واحدة بصوت القضية الجنوبية ..

السبت 17 يناير 2026 - الساعة 10:21 مساءً

 

لم تكن اليمن في أغلب حقبها التاريخية ، دولة موحدة تقوم على مفهوم الشراكة الوطنية ، بل كانت جغرافيات متصارعة ، لكل منها سلطة ، ويجمع بينها منطق الغلبة لا فكرة الدولة ، السهل لحكومة ، والجبل لأخرى ، وبينهما صراع دائم على الموارد ، لم يُدر يوماً بمنطق الإنتاج المشترك ، بل بمنطق الإستيلاء القسري ، وفي هذا السياق تشكلت المظلومية اليمنية بسبب الجوع التاريخي ، ولم تكن مظلومية الهوية . 

 

ولم يكن سقوط الإمامة نهاية لهذا النمط من الحكم الذي كرسه على مدى الف سنة ، بل بداية لإعادة إنتاجه بأسماء جديدة ، فالجمهورية في مراحل واسعة من تاريخها ، ورثت منطق السيطرة لا منطق الشراكة ، واحتكرت السلطة والثروة في المركز ، وتعاملت مع الأطراف بوصفها مناطق تابعة أو مشبوهة ، تبدلت الشعارات ، لكن جوهر العلاقة ظل واحداً ، منتصر يحتكر ، ومهزوم يُدار بالقوة أو الإقصاء .

 

وفي هذا المسار ، تراكمت المظلوميات في كل أنحاء اليمن ، في تعز ، في تهامة ، والمناطق الوسطى ، والجنوب ، غير أن القمع الممنهج نجح في إحتواء معظمها ، أو تفتيتها ، أو إسكاتها بشعارات عامة عن الوحدة والاستقرار ، بإستثناء القضية الجنوبية التي إستطاعت لأسباب سياسية وتاريخية معروفة ، أن تفرض نفسها كقضية مكتملة الصوت والخطاب .

 

وهنا ينبغي القول بوضوح ، أن القضية الجنوبية ليست مظلومية معزولة ، ولا إستثناء عن السياق اليمني العام ، بل هي التعبير الأوضح عن مظلومية يمنية واحدة ، تتخذ بصمت أشكالاً متعددة ، مظلومية ناتجة عن غياب الدولة ، وعن ترسخ منطق الغلبة ، وعن إستخدام الدين أو الأيديولوجيا لتبرير الإستحواذ ، وتحويل المواطن إلى مجرد رعوي تابع لا شريك .

 

من هذا المنطلق ، فإن حل القضية الجنوبية حلاً شاملاً وعادلاً ، لايهدد وحدة اليمن الطبيعية ، بل يفتح الطريق لمعالجة بقية المظلوميات ، بل يمكن القول إن القضية الجنوبية تمثل معياراً أخلاقياً وسياسياً للحل ؛ فإذا أمكن بناء حل عادل في الجنوب ، قائم على الإعتراف بالحقوق والشراكة في السلطة والثروة ، فإن تعميم هذا النموذج على تعز وتهامة وبقية المناطق يصبح ممكناً .

 

أما القفز على القضية الجنوبية ، أو التعامل معها كملف أمني أو سياسي مؤقت ، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في صور أكثر عنفاً ، فلا وحدة تُبنى بالقوة ، ولا دولة تُقام بالغلبة ، ولا إستقرار يتحقق دون عدالة .

 

إن أي حل لاينطلق من معالجة القضية الجنوبية بوصفها مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الدولة اليمنية ، سيظل حلاً جزئياً أو مؤقتاً ، فالدولة التي تنصف الجنوب فقط لتعيد إنتاج الظلم في تعز وفي تهامة ، ليست دولة ، بل إدارة أزمة ، والدولة التي تتحدث عن وحدة لاتقوم على المشاركة ، إنما تؤسس لتمزق مؤجل .

 

إن اليمن لايحتاج إلى منتصر جديد ، بل إلى عقد جديد ؛ عقد يعيد تعريف الوطن بإعتباره مساحة شراكة ، لا ساحة غنيمة ، ويعيد تعريف المواطن باعتباره شريكاً في الخير والحياة ، لا عدواً منكسراً . 

 

وعند هذه النقطة فقط ، يمكن الحديث عن حل شامل لمظلومية واحدة ، طال أمدها وتعددت أصواتها ، وتصبح القضية الجنوبية_بحمولتها السياسية والحقوقية_فرصة تاريخية لاخطراً ، من أجل تصحيح المسار اليمني كله ، ووضع حد لدورة الدم والتمزق التي بدأت منذ قرون ، ولم تنتهِ بعد ..

 

#فإما_نكون_أو_لانكون

  #دولة_لا_مليشيات

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس