قراءة ثانية في الأزمة اليمنية.. حين أخفقت الشرعية والإخوان والانتقالي في اليمن

الاربعاء 21 يناير 2026 - الساعة 01:04 صباحاً

 

لم يخسر اليمن معركته الكبرى واستكمال التحرير  لأن خصومه كانوا أكثر تنظيمًا فحسب بل لأنه ابتُلي بنخب عجزت عن الارتقاء إلى مستوى الفعل والجاهزية ، حيث تم التعامل مع السياسة ومواقعهم القيادية بوصفها غنيمة لا مسؤولية وبوصفها صراع نفوذ لا فن إدارة وطن فالإخفاق الذي راكمته الشرعية وجماعة الإخوان والمجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن إخفاقًا تقنيا بل فشلًا بنيويًا في فهم معنى الدولة ووظيفة السلطة وحدود المشروع السياسي....

 

الشرعية التي كان يُفترض أن تكون التعبير الأخير عن فكرة الجمهورية تحولت مع الزمن إلى كيان إداري هش يفتقر إلى الرؤية والقدرة والمبادرة ، عمقت الأزمة بدل أن تقود نحو حلها وسكنت المنفى أكثر مما سكنت الوطن ووجدان الناس واكتفت بخطاب التمثيل دون أن تنتج ممارسة دولة حقيقية فغابت المؤسسات وتفكك القرار وتحوّل الصراع داخلها إلى صراع حصص لا صراع مشاريع ولم تعد الدولة هدفًا بل وسيلة تفاوض وورقة في لعبة إقليمية أكبر من قدرتها على الفهم أو التأثير...

 

هذا العجز لم يكن بريئا او قسريا فقد ترافق مع شبكة فساد عميقة أعادت إنتاج منطق ما قبل الانهيار حيث تُدار الموارد بلا رقابة وتُوزّع المناصب كترضيات سياسية ويُستبدل القانون بالتوازنات وتُختزل السيادة في بيانات بينما الواقع يُدار بقوى الأمر الواقع، ولم يكن غريبًا أن تفقد الشرعية ثقة الداخل قبل أن يتآكل رصيدها الخارجي فالدولة التي لا تُرى في حياة الناس لا يمكن الدفاع عنها في ميادين السياسة... 

 

أما جماعة الإخوان ممثلة بحزب الإصلاح فقد أخطأت خطأً مزدوجًا حين تعاملت مع اليمن كساحة تمكين لا كوطن منكوب فغلب التنظيم على الدولة والحساب الحزبي على المصلحة العامة واختُزلت الشرعية في كونها مظلة عبور لمشروع خاص لا إطارًا وطنيًا جامعا وقد أدى هذا السلوك إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين وإلى تفجير صراعات جانبية استنزفت الجغرافيا والإنسان وأفقدت الخطاب الجمهوري معناه الأخلاقي حين يُستخدم الشعار لتبرير الهيمنة لا لبناء الشراكة...

 

الإخوان في اليمن أعادوا إنتاج ذات العقلية التي تُقدّم الجماعة على الدولة وتخلط بين الدعوي والسياسي والعسكري دون وعي بتعقيدات المجتمع اليمني وتاريخه وقد أثبتت التجربة أن أي قوة تحاول احتكار تمثيل الدولة أو الثورة إنما تفتح الباب لانهيارهما معًا...

 

وفي المقابل لم ينجح المجلس الانتقالي الجنوبي في تحويل مظلومية الجنوب من سردية احتجاج إلى مشروع دولة فالمظلومية حين لا تُصاغ سياسيًا تتحول إلى أيديولوجيا غضب وحين لا تُدار بعقل راكز، تصبح ذريعة لإعادة إنتاج سلطة مغلقة جديدة وقد قفز الانتقالي من نقد فشل الوحدة إلى حلم السيطرة الشاملة جنوبا دون التفكير بالعامل الداخلي والإقليمي ،

وظن أنه بالامكان ادارة الجنوب بمنطق السيطرة لا بمنطق التعدد والشراكة فصار شريكًا في تعميق الانقسام لا في معالجته...

 

كان تقدير الانتقالي ان هذا هو الطريق الأقصر، طريق القوة لا السياسة فحوّل الجغرافيا الجنوبية إلى كيان مأزوم آخر يدور في فلك الصراع بدل أن يكون نموذجًا مختلفًا...

 

هكذا تضافرت إخفاقات الشرعية والإخوان والانتقالي لا بوصفها أخطاء منفصلة بل كمنظومة فشل واحدة ...

 

في المحصلة النهائية الجميع رفع شعارات الخلاص بينما كان يعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة فالسياسة في اليمن لم تُمارس كفن لإدارة التعدد بل كوسيلة لإقصاء الآخر ولم تُفهم كمسؤولية تاريخية بل كفرصة مؤقتة للهيمنة...

 

لهذا خسر اليمن شماله وجنوبه لا لأن المستقبل مستحيل بل لأن الطريق إليه أُغلق بعقول تدير الحاضر بمنطق الماضي..

 

 وما لم تراجع هذه القوى ذاتها مراجعة جذرية تنتقل فيها من ثقافة الغلبة إلى ثقافة الدولة ومن وهم التمثيل إلى حقيقة الشراكة فإن اليمن سيبقى معلقًا في فراغ سياسي لا حرب تُحسم ولا سلام يُبنى وتظل الخسارة مفتوحة إلى أن تتقدّم الفكرة على الجماعة والمجلس والحزب ....

#الشبزي

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس