السياسة بلا اقتصاد: لماذا تفشل التسويات في اليمن؟ (3–3)
الجمعه 30 يناير 2026 - الساعة 07:27 مساءً
الخلل الاقتصادي هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل هو العصب الخفي للصراع، الذي جعل المشاريع السياسية المختلفة تدور في نفس الحلقة مهما اختلفت شعاراتها، إذ يمكن هذا الخلل الاقتصادي في مايلي:-
أولًا: غياب الاقتصاد بنيويًا عن الوعي السياسي.
فالمشكلة ليست ضعف الاقتصاد، بل غيابه من التصور السياسي أصلًا، و ينظر إلية ك [ ملف لاحق بعد “الحسم”- أداة تمويل للصراع - أو غنيمة تُقسَّم]، ولا يُنظر إليه بوصفه: " منظومة إنتاج، حوافز، توزيع، واستقرار اجتماعي"
و منذ اللحظة الأولى لأي مشروع:
" لا توجد رؤية للإنتاج، لايوجد سياسة مالية واضحة، لا تصورات للسوق، ولا تعريف لدور الفرد اقتصاديًا" ، فكانت النتيجة أن الاقتصاد يُستبدل بـ الجباية، والجباية تُستبدل بـ القوة.
ثانيًا: التحول التلقائي من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد حرب.
نتيجة انهيار المركز المالي، وتجزئة الموارد، وغياب الشرعية الاقتصادية الموحدة، حتى نشأ عنها اقتصاد: [ لا يحتاج نموًا- لا يكترث بالتضخم - لا يهتم بالعملة- يعيش على التدفقات لا على الإنتاج ]
و اقتصاد يقوم على: "الوقود"، "العملة"، "الجمارك"، "المساعدات"- "التحويلات"، أي اقتصاد (ريع حربي)، لا يرى المواطن إلا كمستهلك أو دافع رسوم.
ثالثًا: الجباية بدل الإنتاج (قتل الحافز الاقتصادي).
حين تُموَّل السلطة بالجباية، لا يهمها توسّع السوق أو بقاء رأس المال، و لا يهمها استقرار الأسعار، وإنما على العكس فإن الفوضى السعرية والاختلافات المناطقية تصبح مصدر ربح.
ولذلك : "التاجر يُعاقَب إن كبر" ، "المصنع يُخنَق إن استقر"، " المزارع يُهمَل لأنه لا يدفع سريعًا" ، فتتآكل الطبقة المنتجة ويُدفع بالمجتمع قسرًا نحو: [التجارة الطفيلية - المضاربة- الهجرة- أو الالتحاق بدوائر الحرب].
رابعًا: العملة كسلاح
في الدولة الطبيعية العملة أداة: (ثقة، ادخار، واستقرار)، أما في اليمن، فهي أداة صراع:
- تعدد مراكز القرار النقدي
- غياب سياسة نقدية موحدة
- استخدام سعر الصرف كوسيلة ابتزاز أو تهدئة مؤقتة
فكانت النتيجة هي : المواطن لا يثق بالريال، والتاجر يسعّر بالدولار ذهنيًا، والادخار ينهار، و الاستثمار يموت قبل أن يولد، وهنا يتحقق أخطر خلل: انفصال الاقتصاد الحقيقي عن العملة الوطنية.
خامسًا: تفكيك الفرد اقتصاديًا
لا يمكن الحديث عن دولة دون فرداقتصادي : [ يخطط- يدّخر- يستثمر- يخاطر- يبتكر] ، أما في اليمن: [ الدخل غير مستقر- الأسعار غير قابلة للتنبؤ- الأملاك غير محمية- السوق غير محايد] .
فيُدفَع بالفرد إلى: "التفكير اليومي لا المستقبلي"، إلي "الاستهلاك وليس الإنتاج"، وإلي "النجاة وليس إلي البناء"، وبذلك: يُقتل الإبداع اقتصاديًا قبل أن يُقمع سياسيًا.
سادسًا: لماذا لم ينتصر أحد اقتصاديًا؟
لأن الانتصار يحتاج: "اقتصادًا قابلًا للاستدامة + فائضًا يُعاد توزيعه + عقدًا اجتماعيًا ماليًا".
بينما في الواقع: كل الأطراف تعيش على استنزاف نفس الكعكة: لا أحد يزرع أو ينتج أو يبني أو يتبنى ذلك، "الكل يقتسم"
وأي محاولة إصلاح حقيقي تعني عندهم [ خسارة شبكات نفوذ- تقليص الموارد المالية للاطراف - نقل المال من الأطراف ومراكز القوة إلى المؤسسات]، وهذا ما لا يريده أي مشروع“ثوري-سياسي” قائم.
الخلل الاقتصادي في اليمن ليس نتيجة الحرب، بل شرط استمرارها، إذ لا دولة بلا اقتصاد، ولا اقتصاد بلا فرد، ولا فرد بلا أمان، ولا أمان مع اقتصاد جباية.
اليمن لا ينقصها مشروع سياسي جديد، بل ينقصها كسر التشابه البنيوي بين المشاريع السياسية الداخلية والحد من تأثير الدعم الخارجي لإستدامتها، والتفكير بدولة لا تعيش على الصراع، بل تُنهي الحاجة إليه، فالجميع أصبح عالقاً في صراع يستهلك السياسة، ويشل الاقتصاد، ويمنع ولادة الدولة.















