عن تفاعل الشارع العربي مع الحرب على إيران
الاحد 01 مارس 2026 - الساعة 11:59 مساءً
ينطلق الوعي الشعبوي في مقاربته لما يجري في إيران من تفسيرٍ قيمي تبسيطي، إذ يرى في التطورات الجارية نوعًا من “القصاص الإلهي” من النظام الإيراني الطائفي، على خلفية سجل طويل من الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها بحق عدد من الشعوب العربية ذات الأغلبية السنية
غير أن هذا التفسير، رغم شحنته العاطفية والمذهبية يتجاهل الطبيعة البنيوية للصراع، وأهداف القوى الفاعلة فيه.
على النقيض من ذلك، تدرك دول الإقليم أن إسرائيل لا تتحرك بدوافع أخلاقية ، ولا تسعى لتحقيق “عدالة إلهية” بالنيابة عن المظلومين، بل تنطلق من حسابات استراتيجية صلبة، تهدف إلى إعادة هندسة موازين القوة في الشرق الأوسط، وفرض واقع هيمنة شاملة، في سياق مشروع ممتد منذ عقود اسمه “الشرق الأوسط الجديد”.
المؤشرات السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تترك مجالًا كبيرًا للتحليل ، فهي معلنة وهدفها التالي تطويق ما يمكن تسميته بـ“الحلف السني”، الذي يضم دولًا مركزية مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان. ويُنظر إلى هذا الحلف بوصفه التهديد البنيوي الأهم لأي مشروع هيمنة إقليمية إسرائيلية على المدى المتوسط والبعيد.
تدرك إسرائيل أن الظرف الراهن يشكّل فرصة نادرة قد لا تتكرر؛ إذ يجتمع التفوق التكنولوجي النوعي مع اندفاعة أمريكية ترامبية، توفر غطاءً سياسيًا وعسكريًا غير مسبوق.
وتدرك أيضًا أن منح الدول الإقليمية الصاعدة مزيدًا من الوقت سيتيح لها استكمال مسارات التنمية والتحديث وبناء القدرات، ما سيجعل كلفة احتوائها أو تطويقها مستقبلًا أعلى وأكثر تعقيدًا. وعليه، يُنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة تاريخية، وربما أخيرة، لفرض وقائع استراتيجية دائمة تخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
في المقابل، لا يهتم الوعي الشعبوي في الخوض بهذه المعادلات المركبة، ولا يعنيه تحليل عناصر القوة الشاملة، والتفوق النوعي، ولا طبيعة التحالفات العابرة للأيديولوجيا ،ويستعيض عن ذلك بمنطق قدري يرى أن الله احيانا يضرب الظالم بالظالم لتحقيق عدالته حتى وإن كان هذا الظالم الآخر منغمسًا في جرائم كبرى بحق الشعب الفلسطيني. وحتى عندما تحقق إسرائيل أهدافها ويصبح هو الضحية سيجد تخريجة قدرية أخرى وما أكثرها.
وفي الواقع فإنه لا يمكن فصل هذا الخلل في الوعي عن الدور الذي لعبته السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية، والتي أسهمت بشكل مباشر في تطييف المجال العام العربي، وإعادة تعريف الصراعات السياسية ضمن أطر مذهبية ضيقة.
وقد أدى ذلك إلى انقسام حاد في الرأي العام، فجعل جزءًا واسعًا منه عاجزًا عن التماهي مع مقاربة الدول لطبيعة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وأهدافها الاستراتيجية، ومخاطرها البنيوية على الأمن القومي العربي، دولًا وشعوبًا













