على هامش المواجهة.. هذا الحماس الزائف!!
الخميس 05 مارس 2026 - الساعة 12:04 صباحاً
من المثير للدهشة هذا الاندفاع العاطفي والحماس المفرط لدى بعض النخب السياسية العربية — ولا سيما المحسوبة على التيارات القومية والناصريين — في الدفاع عن النظام الإيراني في أزمته الراهنة، ومحاولة تصويره رمزاً تحررياً، ومقارنته بتجربة عبد الناصر.
ورغم أن الوجدان العربي يشترك - بطبعه - في الابتهاج لأي ضربة توجه للكيان الغاصب، إلا أن محاولة "أدلجة" المواجهة الإيرانية الحالية وتحويلها إلى ملحمة تاريخية تشبه صمود عبد الناصر في السويس عام 1956، هي مغالطة تاريخية فادحة، تنطوي على قدر كبير من الخلط والتزييف.
فشتان بين قائد جسّد آمال شعبه وأمته في التحرر والاستقلال والكرامة، ومثّل مصدر إلهام لحركات التحرر في العالم أجمع، وكانت معركته امتدادًا طبيعيًا لمشروع وطني وقومي تحرري واضح المعالم، وبين نظام فاشي أذاق شعبه الويلات، واستنزف موارده لتمويل الفوضى في الجوار العربي، ساعيًا إلى تكريس هيمنته وتعزيز بقائه، لا نصرة القضايا العادلة.
ومن السهل إدراك أن ترسانته العسكرية الضخمة لم تكن يومًا مشروع ردع في سياق تحرري إقليمي جامع، بل جزءًا من مشروع هيمنة مذهبي توسعي عقيم ممتد في محيطه العربي لا أكثر، والشواهد كثيرة لا حصر لها، والوقائع التاريخية موثقة لا يمكن القفز عليها.
هل يمكن ان ننسى صفقات السلاح مع "تل أبيب" فيما عُرف بفضيحة "إيران – كونترا" خلال حربه ضد العراق. أليس هذا النظام هو من تواطأ مع واشنطن وقدم لها العون في غزوها للعراق واحتلاله، باعتراف الرئيس خاتمي نفسه. أليس هذا النظام هو الذي عاث في العراق فساداً – ومازال - وحوّل العراق العربي العظيم إلى دولة ميليشيات، وساحة نفوذ مفتوحة له.
ومن يستطيع أن ينكر دوره المخرب في لبنان، ومحاولته - من خلال ميليشياته - إقامة دولة موازية تابعة له، على حساب حضور الدولة اللبنانية. وماذا عن تدخله المذهبي التخريبي في سوريا. ثم ماذا عن تدخله السافر في اليمن وما خلّفه من معاناة إنسانية جسيمة مستمرة حتى اليوم. ودعك الآن من النظرة الدونية للعرب المتجذرة في الأدبيات القومية الفارسية (كالشهنامة) التي ما تزال تحكم العقلية السياسية لهذا النظام، ودعك أيضاً من سردية الأصل التاريخي الفارسي للتشيع الإمامي الجعفري الذي جعله دستور النظام ديناً للدولة.
فهل يستحق نظام كهذا ذلك التعاطف غير المشروط؟ وهل يصبح التحفظ على مواقفه مرادفًا للتماهي مع الموقف من العدو التاريخي؟
من الواضح أن بعض هذا الحماس مدفوع الثمن لدى قلة قليلة، وبعضه الآخر نتاج إحباط عربي يبحث عن "صورة قوة" وهمية تخفف وطأة مشاعر العجز، ولو كانت على حساب الحقيقة والقراءة الموضوعية للواقع.
ولمن يلوّحون بشبح الندم إن سقط هذا النظام، نقول: إن خطر هذا النظام ليس احتمالاً مستقبلياً، بل هو واقع نكتوي بناره يومياً، والحديث عن مخاطر افتراضية بالنسبة لنا ترف لا ينبغي أن يحجب عنا المخاطر القائمة بالفعل.
ندرك أن إيران – كدولة – باقية في الجغرافيا والتاريخ، وهي جار لا يمكن تجاهله، ولا مصلحة للعرب في عداوة دائمة معها. بل المصلحة في وجود علاقة طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. غير أن التمييز واجب بين الدولة بوصفها كيانًا تاريخيًا، وبين النظام السياسي القائم اليوم بتسلطه الداخلي وسياساته الإقليمية التوسعية. وبطبيعة الحال لا مقارنة بين خصومة طارئة مع النظام الإيراني القائم اليوم، والموقف الاستراتيجي من الخطر الوجودي في المشروع الصهيوني.
وفي الأخير، إن الانشغال بالمزايدات حول الموقف من المواجهة الجارية لا ينبغي أن يصرفنا عن السؤال الأهم والأعمق: أين مشروعنا نحن؟ وما موقعنا في معادلة القوة الإقليمية والدولية؟.
طريق الخلاص ليس في الارتهان لهذا الطرف أو ذاك، ولا بالحماس العاطفي المؤقت، بل في بناء مشروع عربي مستقل، قائم على الوحدة والتكامل. وحده مشروع كهذا يجعلنا فاعلين لا مجرد تابعين، شركاء لا أدوات، ويمنحنا القدرة على حماية أمننا وصون كرامتنا، وما دون ذلك أوهام عابرة وسراب.













