لماذا وقفت جماعة الإخوان في خندق طهران ضد دول الخليج؟

الاثنين 09 مارس 2026 - الساعة 02:18 صباحاً

 

 في ظل عدد من التصريحات الصادرة عن كيانات وشخصيات محسوبة على الجماعة، على رأسهم "جبهة لندن"، التي يتزعمها صلاح عبد الحق، كما أن "جبهة المكتب العام" المعروفة إعلاميا بـ"تيار التغيير"، ويتزعمها يحسى موسي، أصدرت بيانًا دعمت فيه موقف إيران، فضلا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وصادق الغرياني مفتي ليبيا السابق، وعلي الصلابي ممثلي إخوان ليبيا ، بجانب إخوان السودان وإخوان بنجلادش.

 

دعم جماعة الإخوان لإيران، يأتي في إطار روابط قوية على المستوى الفكري والحركي، لا سيما أن الجماعة و"دولة الفقيه" وجهان لمشروع الإسلام السياسي السني الشيعي، أو ما يعرف بـثنائية "الخلافة والإمامة"، فضلًا عن موقف الجماعة تجاه طهران يمثل في ذاتها صرخة رفص أمام سياسات الرئيس ترامب ودعمها المستمر للكيان الصهيوني في ظل تصنيف الجماعة على قوائم الإرهاب في مصر والأردن ولبنان والتي تمثل النطاق الجغرافي المحيط بدولة الاحتلال.

 

العلاقة بين الجماعة ودولة الفقيه لا يمكن اختزالها في موقف عابر، وإنما وفق سياقات تاريخية ممتدة، سواء على مستوى احتضان طهران للجماعة ودعمها ماليا وفكريا، وهذا يبزر في دعمها للمشروع الإخواني خلال فترة حكم الجماعة في مصر ما بين عام 2011 و2013، فضلًا عن دعم التنظيم وتمولها خلال المواجهات بين اللجان النوعية للإخوان مع مؤسسات الدولة، لا سيما أن الكثير من التقارير الرسمية الصادرة عن المتحدث العسكري وعن وزارة الداخلية المصرية ما بين عامي 2014 وحتى عام 2019،  أكدت ضبط الكثير من الأسلحة "إيرانية الصنع" في حوزة عناصر وقيادات الإخوان حينها.

 

رغم الاختلاف المذهبي فإن إيران استفادت بشكل كبير من جماعة الإخوان، وتوظيفها لصالح المشروع الإيراني وفق ما عرف بالتقارب السني الشيعي الذي قاده الإخوان مع المرجعيات الشيعية والذي يمثل مشروعا للتمدد الشيعي في المنطقة العربية والشرق الأوسط، بجانب أن فكر سيد قطب يمثل مرجعية سياسية لقادة النظام الملالي الصفوي، بعد أن تم تأليف 100 كتاب عنه وعن أفكاره، بالإضافة أن ثورية الخميني ارتبطت بأفكار سيد قطب ورؤيته حول مفاهيم الحاكمية الإلهية والتي شكلت في النهاية نظرية "ولاية الفقيه".

 

سعت إيران منذ نظام الرئيس حسني مبارك، إلى اختراق المجتمع المصري لكنها فشلت بشكل كبير، لكنها وجدت الفرصة سانحة منذ أحداث يناير 2011، في محاولة تمكين الفكر الملالي الصفوي، من التأثير في الثقافة المصرية وتطويعها بما يحقق مشروع "ولاية الفقيه"، الذي يتفق شكلًا ومضمونًا مع توجهات جماعة الإخوان، على المستوى الفكري فيما يخص، عودة "الخلافة" المزعومة، التي حازت جانباً في أدبيات المشروعين الإخوان الردايكالي والشيعي الإيراني، أو ما يعرف بـثنائية "الخلافة والإمامة".

 

هذا التقرب كان جليًا وواضحًا في الكثير من المحطات التاريخية، إذ التقى حسن البنا، بمصطفى الموسوي الخميني في المقر العام لجماعة الإخوان، عام 1938، الذي أصبح فيما بعد الإمام آية الله الخميني، وهناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى تأثره بأفكار حسن البنا وسيد قطب.

 

يأتي في مقدمة هذا التأثير، أن خامنئي عندما أصبح مرشدًا للثورة الإيرانية عام 1989، أصدر أمرًا بتدريس نظريات وأفكار سيد قطب في مدارس الإعداد العقائدي لدى "الحرس الثوري الإيراني"، بجانب قيامه عام 1966 بترجمة كتاب "المستقبل لهذا الدين" إلى اللغة الفارسية، وكتب في مقدمة الترجمة أهمية الدور الذي أدّاه قطب، ونعته بصفة "المفكّر المجاهد"، وترجم كتاب "الإسلام ومشكلة الحضارة الغربية"، ووسمه بعنوان "بيان ضدّ الحضارة الغربية"، وكتاب "في ظلال القرآن". 

 

وخلال تبنى الأزهر الشريف سياسة التقريب بين المذاهب في ثلاثينات القرن الماضي، زار رجل الدين الإيراني محمد تقي القمي مصر، والتقى حسن البنا، كما استضاف سيد قطب، مجتبى ميرلوحي، الشهير بـ"نواب صفوي"، خلال زيارته القاهرة في عام 1954، ويعتبر صفوي، مؤسس الحركة الشيعية الثورية "فدائيان إسلام" عام 1946، المناوئة لحكم الشاه آنذاك، وهي أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة، ولعبت دورًا في ربط الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية في الدول الأخرى.

 

يمثل فكر سيد قطب مرجعية سياسية لقادة النظام الملالي الصفوي، بعد أن تم تأليف 100 كتاب عنه وعن أفكاره، ففي دراسته "الإمام الخميني بين الحاكمية وولاية الفقيه"، أوضح الباحث اللبناني ورئيس "مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط" الدكتور هيثم مزاحم، أن ثورية الخميني ارتبطت بأفكار سيد قطب ارتباطاً وثيقاً، متأثراً بمفاهيم نظرية الحاكمية الإلهية لدى كل من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وبلورت في نهاية المطاف نظرية "ولاية الفقيه".

 

كان عراب العلاقات الإخوانية الإيرانية، ومسؤول الاتصال بين الطرفين، يوسف ندا، الذي صرح بأن  الإخوان شكلوا وفدًا لزيارة الخميني عندما كان في المنفى في باريس لدعمه، وأن ثالث طائرة تهبط لإيران بعد طائرة الخميني بعد الثورة عام  1979،  هي طائرة وفد الإخوان الذي قدم لإيران لتهنئة الخميني، وكان على متنها وفدًا ضم راشد الغنوشي، من تونس، وحسن الترابي من السودان، وعدد من إخوان لبنان.

 

وفي يناير 1982، صرّح عمر التلمساني، المرشد الثالث لجماعة الإخوان، لإحدى الصحف الأسبوعية المصرية قائلاً: "لقد دعمنا الخميني سياسيًا، لأنّ الشعب المظلوم تمكّن من التخلص من حاكم قمعي، واستعادة حريته".

 

نشرت وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الإيراني، في يناير 2021، تفاصيل حول علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالنظام الإيراني، مؤكدة أن طهران دعمت وصول الإخوان للسلطة، وأن ثورة 25 يناير  2011، مهدت الطريق بشكل كامل للوجود الإيراني في مصر، وفقًا لاعترافات أدلى بها قاسم سليماني- قبل اغتياله - خلال اجتماع مع قادة الحرس الثوري. 

 

زار قاسم سليماني مصر سرًا عام 2013، منتحلًا صفة سائح بجواز سفر مزور، والتقى بقيادات الإخوان في عدة أماكن، وأجرى مباحثات مع عصام الحداد، مستشار محمد مرسي للشؤون الخارجية ومسؤولين من جماعة الإخوان، منهم خيرت الشاطر، وأن اللقاءات تمت في مدينة نصر ومنطقة التجمع شرق القاهرة، والأقصر بصعيد مصر،  بغية تكوين جهازَيْن أمني واستخباري خاصَّيْن بالإخوان، يكونان منفصلَيْن عن أجهزة الدولة في مصر، وفقًا لما كشفته صحيفة "التايمز" البريطانية. 

 

اعترافات وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الإيراني، من دعم طهران لجماعة الإخوان، لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقها، تصريحات رسمية في فبراير 2020، أدلي بها المساعد الخاص لرئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية  أمير حسين عبد اللهيان،  خلال مؤتمر تحت عنوان "دور سليماني في أمن واستقرار المنطقة والعالم": كاشفاً عن لقاءات أجراها مع وفد أرسله الرئيس الإخواني محمد مرسي، إلى طهران، لفتح العلاقات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية، بجانب الاستعانة بالحرس الثوري في تشكيل كيان أمني إخواني يدين بالولاء للتنظيم لتعزيز قبضته على السلطة.  

 

حالة التطبيع الديني والسياسي مع طهران كانت واضحة خلال تصدر الإخوان للمشهد السياسي في مصر، إذ عرض وزير خارجية إيران على أكبر صالحي، صفقة على قيادات مكتب الإرشاد، تضمنت دفع إيران  30 مليار دولار، في حال فتح سفارة للقاهرة في طهران، مقابل فتح سفارة لإيران في القاهرة، إضافة لـ 5 مليون سائح إيراني بهدف انعاش السياحة المصرية، وتطوير المصانع المصرية المتوقفة بيد خبراء فنيين مُتخصصين تابعين للحرس الثوري، وإعادة تشغيلها مرة أخرى حتى تعبُر مصر أزمتها الاقتصادية.

 

تضمنت الصفقة شرطًا أخر تمثل في تسليم جميع المساجد التي بناها الفاطميون في مصر في العهد الفاطمي، للدولة الإيرانية، لترميمها وإدارتها بشكل مستقل، والموافقة على إصدار صحيفتين، يتم تمويلهما ليُصبِحا ناطقتين باسم النظام الملالي في القاهرة، والموافقة على الحاق 200 ألف طالب مصري للدراسة في طهران سنوياً وبصفة دورية. 

 

في إطار محاولات التطبيع السياسي والثقافي، دعمت طهران الزيارات المتبادلة من خلال وفود إعلامية وسياسية وشعبية تحت رعاية جماعة الإخوان، فضلًا عن أنه لا يمكن تجاهل زيارة مرسي لطهران عام 2012 للمشاركة في مؤتمر "دول عدم الانحياز" كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاما، وزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، للقاهرة، وإلقائه خطبة من داخل الأزهر الشريف.

 

كانت إيران الملاذ الأول لجماعة الإخوان في تأسيس كيان أمني يحمي مشروعها، ويدين لها بالولاء، ليكون بديلاً عن الأجهزة الأمنية التي فشلت في تطويعها لأهدافها الخاصة التي لا تعترف بضروريات الأمن القومي المصري، إذ أكد رئيس لجنة التحفظ وإدارة أموال جماعة الإخوان بالقاهرة المستشار عزت خميس،  في 24 يناير عام 2016 ، أن إيران وبموافقة الإخوان حاولت التقارب مع مصر عن طريق ضخ نحو 10 مليارات دولار إلى البنك المركزي المصري كوديعة، وإمداد القاهرة بالمواد البترولية، كما عثر على مستندات بمقر جماعة الإخوان تفيد بإنشاء جهاز أمني إخواني غير معلن هويته الحقيقية تابع لرئاسة الجمهورية وبمساعدة إيرانية.

 

مما يترجم حالة التشابك والتواصل المتسمر بين جماعة الإخوان والنظام الملالي الصفوي، ما رصدته الأجهزة الأمنية المصرية في يونيو 2012، من دور للحرس الثوري الإيراني، من نشر عناصر مدربة إلى الأراضي المصرية عبر الأنفاق غير المشروعة، حيث قاموا بتحديد ومعاينة الأماكن والمنشآت الهامة والأمنية بشمال سيناء والعودة عقب ذلك إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، حيث تم تدعيمهم بالسلاح والمعدات اللازمة.

 

اتفقت تلك المعلومات مع التحريات التي أجراها قبل اغتياله، المقدم محمد مبروك، مسؤول متابعة ملف الإخوان بجهاز الأمن الوطني بالقاهرة، في تقريره الأمني حول حجم التنسيق بين التنظيم الدولي للإخوان والحرس الثوري الإيراني، وحركة حماس وحزب الله خلال أحداث 25 يناير2011.

 

تقرير محمد مبروك، أكد أنه في الفترة ما بين 2006 إلى 2010، كانت هناك لقاءات متصلة ومستمرة بين الحرس الثوري الإيراني، وقيادات إخوانية في مقدمتهم محمد البلتاجي، ومحمد سعد الكتاتني، وصلاح الدين عبد المقصود، وحسين محمد إبراهيم، وحازم فاروق، فضلًا عن قيادات حزب الله في لبنان.

 

دعم إيران للإخوان لم يتوقف عقب سقوطهم سياسيًا وشعبيًا، والإطاحة بهم من السلطة في 30 يونيو2013، حيث تلقت الجماعة دعما مسلحاً من النظام الإيراني، وذلك وفقًا لبيان الداخلية المصرية التي أعلنت في رسميًا عن ضبط خلية إرهابية إخوانية، وعدد من مخازن السلاح والمتفجرات بمزرعتين بالبحيرة والإسكندرية؛ وكان لافتاً أن الأسلحة مكتوبة عليها "صنع في إيران" .

 

يضاف إلى ذلك الدور المحوري لإخوان إيران في تهيئة العلاقة بين النظام الملالي والتنظيم الدولي عن طريق جماعة "الدعوة والإصلاح" التي تزعمها عبد الرحمن بيراني منذ عام 1991، وبحكم عضويته بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقيامه بدور وسيط وعراب للاتفاقات بين "ولاية الفقيه" والقوى الأصولية في المنطقة العربية والشرق الأوسط.

 

  كان عبد الرحمن بيراني وقيادات جماعة "الدعوة والإصلاح" حاضرين بقوة في المشهد عقب سقوط حكم الإخوان في مصر، وقيامهم بتنظيم مظاهرات مناهضة للجيش المصري، في شوارع طهران، بقيادة جليل بهرامي، مسؤول الهيئة التنفيذية بالجماعة، رافعين شعار "رابعة" تحت رعاية الحرس الثوري الإيراني.

 

▪︎ كاتب وباحث في شؤون تيارات الإسلام السياسي، وقضايا الأمن الإقليمي

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس