سلطة المثقف وسلطة الحاكم وتعثر فكرة التغيير في اليمن
الثلاثاء 24 مارس 2026 - الساعة 09:11 مساءً
الإهداء/ إلى أستاذي الفاضل: الإنسانِ والمثقفِ والمفكِّرِ د. ياسين سعيد نعمان
منذ سنوات كتبت عدة مقالات عن المثقف اليمني وسلطة أهل الفكر، واليوم أجد أن الحاجة مازالت ماسّة للكتابة عن المثقف اليمني. ليس لأن القول لم يُقل بعد، بل لأن الواقع اليمني، بحروبه وصراعاته المتجددة وانقساماته المستعصية، يعيد إنتاج الأسئلة نفسها بعنف أكبر، ويجعل من علاقة المثقف بالسلطة واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في تاريخنا الحديث.
فالحديث هنا لا ينصرف إلى حامل شهادة أو ناشر مقال، بل إلى المثقف بوصفه فاعلاً يقدم نفسه معنيًا بفكرة التغيير السياسي والاجتماعي، ومناضلاً في وجه السلطة السياسية التقليدية.
في بلد تتداخل فيه جدران الطين مع جذور التاريخ، اعتاد المثقف أن يكون ظلاً للحاكم تارة، وصوتًا للشارع تارة أخرى، لكنه في كلتا الحالتين ظل أسير معادلة صعبة: كيف للكلمة أن تغير واقعًا تُصنع فيه القرارات الكبرى خارج عقل النخب الثقافية، وتُختصر فيه السلطة السياسية غالبًا في قبضة الحاكم أو تحالفات القبيلة والمناطقية؟
هذا السؤال لم يعد أكاديميًا، بل يشكل جوهر أزمة اليمن الحديث، فالتجربة اليمنية منذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962 وحتى اليوم، تقدم نموذجًا فريدًا لتعثر فكرة التغيير، ليس بسبب غياب النخب أو خواء الفكر، بل بسبب الفجوة المهولة بين سلطة المثقف القائمة على التنوير، وسلطة الحاكم القائمة على البقاء في وجه التغيير.
قد يتمتع المثقف اليمني بحضور لافت، لكن هذه السلطة الرمزية سرعان ما تصطدم بجدار الصخب القبلي والسياسي والجهوي، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان المثقفون اليمنيون، في الشمال والجنوب على السواء، جزءًا من مشروع التحديث.
في عدن كانت النخبة الماركسية تبني دولة مؤسسات وتجعل من التنوير الفكري أيديولوجيا؛ في صنعاء، كان المثقفون يمثلون ضمير الأمة، يكتبون قصائد التحرر ويهاجمون الفساد. لكن الثابت في تلك المرحلة أن المثقف لم يكن هو صانع القرار السياسي بقدر ما كان شريكًا تابعًا أو خصمًا مسجونًا.
اللافت في الخصوصية اليمنية هو تعدد مراكز القوة؛ فسلطة الحاكم لم تكن يومًا سلطة مطلقة بالمعنى المركزي، بل كانت دائمًا سلطة وساطة بين القبائل والمناطق والتيارات الإسلامية وحتى اليسارية. وهنا يكمن المأزق المتمثل في غياب دولة القانون، وتحول المثقف إلى أداة في صراعات النخبة الحاكمة، فإما أن يكون كاتم أسرار الحاكم، أو يُنفى إلى هامش الحياة السياسية.
للوصول إلى جوهر الأزمة، لا بد من الغوص قليلا في تجربتي الشطرين قبل الوحدة، حيث تشكلت أنماط المثقف التي حملها بعد ذلك إلى دولة الوحدة. ففي الجنوب تحت سلطة الحزب الاشتراكي اليمني ذي المرجعية الماركسية، كان المثقف حاضرًا داخل السلطة الحاكمة ويلعب دورًا كبيرًا في توجهاتها، وهو ما أسهم في بلورة مشروع الوحدة على أساس الفكرة الوطنية الديمقراطية. فقد كان المثقف في الجنوب جزءًا من بناء الدولة الحديثة وفق المنظور الماركسي، مهندسًا للتغيير الاجتماعي عبر التأميم ومحاربة الولاءات القبلية وتحديث التعليم. وحقق هؤلاء المثقفون إنجازات في مجالات التعليم والمرأة والثقافة، بتأسيس اتحادات نسائية ونقابات عمالية ومؤسسات ثقافية قوية، عاكسين نموذج المثقف العضوي المرتبط بمشروع الدولة. لكن الكثيرين منهم سقطوا في فخ التبعية للسلطة، فتحولوا من حاملي مشروع نقدي إلى موظفين كبار في الجهاز الحزبي، وأفقدهم الطابع الإقصائي للسلطة الماركسية استقلاليتهم، وجعلهم أداة لقمع التنوع الفكري. أما المثقف خارج السلطة أو المعارض، فكان يواجه قطيعة أيديولوجية شديدة، إذ أن السلطة الماركسية، وإن لم تكن تقليدية، إلا أنها كانت أيديولوجية مغلقة على أُطرها الفكري والسياسي.
أما في الشمال، حيث السلطة التقليدية القائمة على تحالفات قبلية ودينية وسياسية ممثلة في حزب المؤتمر الشعبي الذي كان في الأساس حزب السلطة، فكان المثقف التغييري في مواجهة مباشرة مع نظام لا يعترف بالمواطنة بقدر ما يعترف بالولاء للقبيلة أو العائلة الحاكمة أو المشايخ. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان مثقفو الشمال حاملي لواء الدعوة إلى الدولة المدنية والديمقراطية وحقوق المرأة، يمارسون نقدًا جريئًا ضد السلطة التقليدية التي كانت تستخدم المال والسلاح والمناسبات القبلية لشراء الولاءات.
وإذا كان النظام في الجنوب يعتمد على الإقصاء الأيديولوجي الصارم، فإن النظام التقليدي في الشمال حاول الاستقطاب، فكثيرًا ما كان المثقف الشمالي يُستقطب عبر مناصب وزارية أو مستشاريات أو تمويل مشاريع ثقافية، مما أدى إلى تحييد فاعليته وتحويله من ناقد إلى جزء من المنظومة السياسية.
ومع أن السلطة في الشمال لم تكن بمنأى عن العنف، فالمثقف الذي يتجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالقبيلة أو المرجعيات الدينية كان يواجه تهديدًا جسديًا مباشرًا من مجتمع أكثر تحفظًا. وإشكالية الانفصام بين النخبة والجمهور كانت في الشمال أكثر حدة؛ فالمثقف الحداثي في صنعاء وتعز كان يجد صعوبة في الوصول إلى الجمهور القبلي أو الريفي الذي تتحكم به السلطة التقليدية عبر المال والسلاح، فبقي غالبًا حبيس الصالونات الثقافية، أو العمل السري تحت وطأة الرقابة والاستخبارات.
هذان النموذجان المتباينان حملهما المثقفون إلى دولة الوحدة عام 1990، حيث بدا مع الوحدة اليمنية أن سلطة أهل الفكر في طريقها إلى التكوين الفعلي في فضاء واعد بالتعددية والديمقراطية. فمع اتساع المؤسسات الثقافية والصحفية، تحول المثقفون إلى نخبة عامة تحاول صياغة هوية وطنية جامعة، وتأسست منظمات مجتمع مدني قوية، وبدا المثقف قادرًا على أن يكون وسيطًا بين التناقضات الكبرى. لكنهم فشلوا في صناعة سلطة أهل الفكر التي تقود المجتمع للدفاع عن مصالحه، بعيدًا عن السلطة السياسية، لأنهم انقسموا سياسيًا على إثر الصراع بين الحزب الاشتراكي وتحالف الرئيس صالح. فقد حمل المثقفون معهم إلى الوحدة ولاءاتهم الحزبية القديمة، وتحول المثقف من فاعل ثقافي إلى منظر سياسي للصراع، بدلاً من أن يتحول من مثقف إلى مفكر، فلم يستخدم فعله الثقافي لخلق رأي عام وطني مستقل، بل استخدمها لتأجيج السياسي، فأصبح الأدباء والصحفيون خطباء سياسيين يدافعون عن فصيل ضد آخر، مما أفقد المثقف مصداقيته ليس كحارس للديمقراطية، بل كحامل لفكرة التغيير. وظل المثقفون يعتمدون على السلطة في التمويل والمنابر، فلما اندلع الصراع العسكري عام 1994 لم تكن سلطة أهل الفكر حاضرة وقادرة على قول كلمتها.
بعد حرب صيف 1994 وانتصار قوات الرئيس صالح، تغيرت طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف جذريًا. انتهت فترة التعددية التي كانت ساحة للمثقف، وبدأت فترة النصر الواحد. رأت السلطة في صنعاء أن المثقفين الاشتراكيين هم خاسرو الحرب، فتم إقصاؤهم وتفكيك مؤسساتهم الثقافية، أما المثقفون الموالون فتم استيعابهم كجوائز في إطار السلطة المنتصرة، فتحول دور المثقف من صاحب مشروع تغييري إلى موظف شرعي يقدم شرعية ثقافية للنظام الجديد. وتعمقت سهولة الاستقطاب، فأصبح المثقف تحت رحمة الولاء للرئيس، وتحولت الساحة الثقافية إلى مرآة للسلطة السياسية، مع بقاء البعض يؤدي دور المثقف الفرد.
فكرة التغيير التي نادى بها مثقفون كبار بقيت حبيسة المنابر الثقافية والمقالات، لأنها اصطدمت بمنطق الحاكم، من يملك السلاح والقبيلة هو من يملك القرار. ولم يكن المثقف اليمني غائبًا عن ثورة 2011، بل كان في طليعتها؛ حيث كان عبدالباري طاهر أبرز الأسماء الثقافية، فالشعارات التي رفعها شباب التغيير في ساحة التغيير بصنعاء حملت بصمات النخبة التنويرية: دولة مدنية، عدالة اجتماعية، إنهاء التوريث. لكن الثورة سرعان ما انعطفت نحو مسارات أخرى، حين تدخلت القوى التقليدية القبلية والعسكرية والإقليمية لاستعادة زمام المبادرة من أولئك المثقفين الذين افتقروا إلى سلطة الضغط المباشر.
مع انقلاب الحوثيين عام 2014 وتفكك الدولة المركزية إلى سلطات متعددة، وصل دور المثقف إلى أدنى مستوياته. انقسم المثقف جغرافيًا وأيديولوجيًا: مثقف صنعاء تحت سلطة دينية متشددة تعتبر حرية التعبير تجاوزًا، ومثقف عدن في ظل سلطات انتقالية مشغولة بالصراع الأمني والانفصال، حيث أصبح دور المثقف محدودًا بخدمة المشروع السياسي العاجل. وفي ظل الحرب، تفوقت لغة السلاح وخطاب الكراهية على لغة الثقافة، وتحول المثقف من صانع معنى إلى ضحية، ومن قائد للرأي العام إلى شاهد على العصر يوثق الفاجعة لكنه عاجز عن وقف الانهيار.
لم يسقط المثقفون وحدهم؛ سقطت معهم فكرة التغيير، وانكشفت هشاشة سلطة المثقف عندما واجه عنف السلطة وجنون المليشيات. فانسحب كثيرون إلى الخارج، وتحول من بقي منهم إلى فاعل إنساني أو إعلامي بعيدًا عن مركز القرار السياسي. أما سلطة الحاكم، فقد تفتت هي الأخرى، لكنها لم تختفِ؛ تحولت من سلطة فردية إلى سلطة متعددة، تتنافس على النفوذ والشرعية دون أن يملك أي منها مشروعًا ثقافيًا أو فكريًا يختلف عن سابقه.
الخصوصية اليمنية هنا لا تكمن فقط في تعقيد التركيبة السياسية والاجتماعية، بل في أن المثقف ظل لعقود خارج المعادلة الحقيقية للسلطة؛ فبينما كانت النخب الثقافية في ثورات الربيع العربي الأخرى تشكل قوة ضغط حقيقية، فإن النخبة اليمنية بقيت أسيرة الاستقطاب السياسي والجهوي، الذي غذته سياسات الحكام لعقود، وجعل من فكرة المثقف الوطني ضربًا من الخيال في أحلك مراحل التاريخ اليمني.
صحيح أن المثقف يجب أن يكون محايدًا ويعمل فقط على مطاردة الحقيقة، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا بمنطق الخصوصية اليمنية: كيف يمكن للمثقف الذي يجب ألا ينتصر لطرف أن يكون محايدًا مع مشروع الحركة الحوثية الذي يعيد اليمنيين إلى ماضي الإمامة والولاية، وحتى مع السلطات التي لا تؤمن بالدولة الوطنية الديمقراطية؟ وما مفهوم الحياد بناءً على الدور التاريخي المناط بالمثقف؟
الحياد هنا لا يعني التخلي عن القيم أو الوقوف على مسافة واحدة من الاستبداد والانتهاك. فالمثقف ليس حياديًا بين الحق والباطل، ولا بين مشروع يستند إلى المواطنة والدولة المدنية وآخر يقوم على الهيمنة الطبقية أو العبودية السياسية. الحياد المطلوب هو حياد المنهج لا حياد الموقف الإنساني والأخلاقي. إنه الحياد الذي يمتنع عن تسخير القلم لصالح هذا الفصيل أو ذاك في صراعاتهم على السلطة، ولكنه لا يمتنع عن قول الحقيقة في مواجهة أي مشروع يستبيح الإنسان ويهدم مؤسسات الدولة ويعيد إنتاج التخلف باسم الدين أو الثورة أو حق تقرير المصير.
لقد ظل المثقف اليمني يعاني لعقود من الانقسام على نفسه وفق الولاءات الحزبية والجهوية، فكانت النتيجة أن أصبحت ثقافته رهينة للمحاصصة، وأصبح دوره إما شاعرًا رسميًا للسلطة أو معارضًا يخدم سلطة بديلة. لذلك فإن مفهوم الحياد التاريخي للمثقف يقوم على استقلالية الفكر وعدم الخضوع لمنطق الثنائيات المتصارعة، مع التمسك الواضح بالمبادئ الكبرى: المواطنة المتساوية، سيادة القانون، الدولة المدنية، وحق الإنسان في الحياة والكرامة. الحياد بهذا المعنى هو أن يكون المثقف في خندق القيم المدنية لا في خندق الأطراف السياسية، وأن تكون معركته مع المشاريع المضادة للدولة المدنية أينما كانت، لا أن يكون حليفًا لإحدى المليشيات تحت ذريعة أنها الأقل شرًا.
إذاً، لا يمكن للمثقف أن يكون محايدًا بين مشروع يعيد الإمامة المطلقة أو ولاية الفقيه وبين مشروع الدولة الوطنية، تمامًا كما لا يمكن أن يكون محايدًا بين من يريد تفكيك اليمن بالسلاح ومن يريد إعادة إنتاج الهيمنة القبلية أو الحزبية. لكن حياده يعني أنه لا يضع قلمه إلا في خدمة الحقيقة والمشروع الوطني الجامع الذي يضع حدًا لكل أشكال الاستبداد والعنف والانقسام. وهذا يتطلب شجاعة مضاعفة، لأن المثقف في هذه الحالة سيكون معرضًا لاتهامات كل الأطراف، لكنه بذلك وحده يستعيد دوره التاريخي والوطني الذي انحسر لعقود.
أن يكون المثقف صاحب مشروع، لا أداة في يد مشروع. فالتغيير الحقيقي في اليمن لن يأتي عبر صفقة بين الحاكم والمثقف، ولا عبر انحياز المثقف لأحد مراكز القوى المسلحة، بل عبر خلق سلطة ثالثة هي سلطة القانون والمؤسسات، سلطة الدولة التي تخرج الجميع من دائرة الاستلاب المتبادل. وطالما ظل المثقف ناعمًا بلا قبضة ={ سلطة أهل الفكر } والحاكم قويًا بلا رؤية، فإن فكرة التغيير ستبقى مجرد قصيدة جميلة تُقرأ في المناسبات، أو شعارًا يُرفع في الميادين ثم يُخمد بسرعة الصوت. لكن متى استعاد المثقف استقلاله، وامتنع عن أن يكون تابعًا أو خصمًا بلا مشروع، وتسلح بالصبر الاستراتيجي لبناء جسور مع نخب جديدة من الشباب والنساء تعيد الاعتبار للدولة المدنية، فإنه حينها فقط يمكن القول إن سلطة الفكر بدأت تزيح سلطة الاستبداد من عرشها الذي طال عليه الجلوس.














