من الراتب إلى المحاضن كيف صنع الحوثيون اقتصاد الجوع لزرع ألغام الوعي في اليمن
الثلاثاء 14 ابريل 2026 - الساعة 08:47 مساءً
بين جدران المنازل الصامتة في صنعاء يختبئ انكسار لم تدونه دفاتر التاريخ العسكري لكنه الأكثر فتكاً بمستقبل اليمن إنه انكسار النخبة المثقفة التي تحولت بفعل سياسة التجويع الممنهج من حارسة للوعي إلى فريسة للحاجة فخلف الأرقام الاقتصادية المنهارة تبرز مأساة موظف حكومي كان يمتلك راتباً ومنزلاً وحياة مستقرة ليجد نفسه بعد سنوات من تجريف الدولة مقعداً في منزله يرقب أطفاله وهم يكبرون في ظل حرمان يطال الغذاء والصحة والتعليم ليتحول هذا العوز إلى البوابة الملكية التي تعبر منها الأيديولوجيا الطائفية عبر ما يسمى المراكز الصيفية
هندسة الجوع الراتب مقابل الهوية
تبدأ جذور المأساة من سبتمبر ألفين وستة عشر التاريخ الذي اتخذته جماعة الحوثي نقطة انطلاق لتجفيف منابع العيش وتجيير إيرادات الضرائب والجمارك والاتصالات لصالح مشروعها السلالي وبحسب ناشطين حقوقيين فإن إخضاع المجتمعات لم يكن نتاج قوة السلاح فحسب بل نتاج هندسة الجوع حيث أصبحت الجماعة هي الآمر والناهي في عصب الحياة والجهة الوحيدة التي تمنح المال لمن يمنحها الولاء وفي هذا الفراغ الموحش برزت المراكز الصيفية كأداة استقطاب ناعمة حيث تمنح الأسر حوافز مالية مقابل إرسال أبنائها وهنا تتجلى أقسى صور الاستغلال حيث يقايض الأب المغلوب على أمره لقمة عيش أطفاله بوعيهم وانتمائهم الوطني
قراءة أكاديمية القولبة وصناعة الشذوذ الفكري
يفند الدكتور بندر الخدري أستاذ أصول التربية بجامعة إقليم سبأ هذه الظاهرة موضحاً أن الخطورة تكمن في تجنيد التعليم لخدمة فكر طائفي لا ينسجم مع الهوية الوطنية ويرى الخدري أن الجماعة تعمل بمسارين الأول هو تحريف مفاهيم المناهج الرسمية والثاني هو إنشاء برامج صيفية مقولبة تهدف لاستبدال الوعي الأصيل بوعي شاذ وطنياً وفكرياً وسياسياً مما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي للأجيال القادمة
تحذيرات تربوية ألغام تفوق خطر المتفجرات
من جهته يطلق مدير الإعلام التربوي بمأرب الأستاذ عبد الله العطار صرخة تحذير تجاه ما وصفه بتجنيد كل شيء لصالح الفكر السلالي ويؤكد العطار أن هذه المراكز تنتج مئات الآلاف من الألغام الفكرية التي هي أخطر على اليمن من الأسلحة والألغام المدفونة في باطن الأرض ويدعو العطار المنظمات الدولية كاليونيسيف والإيسيسكو والجهات الرسمية في الشرعية إلى ممارسة ضغوط حقيقية لمنع تشويه أفكار النشء وإعادة المناهج السوية التي تحفظ هوية المجتمع
البعد القانوني والحقوقي انتهاك صريح للدستور
قانونياً يرى المحامي يحيى علي النهاري أن ما يقوم به الحوثيون هو انتهاك صريح للقوانين اليمنية والمواثيق الدولية التي تجرم تجنيد الأطفال أو غسل أدمغتهم ويؤكد النهاري أن هذه المراكز تهدف لطمس معالم الهوية اليمنية واستبدالها بهوية تؤمن بالولي الفقيه مما يزرع بذوراً غير صالحة في جسم المجتمع ستؤدي مستقبلاً إلى قتال وحروب مستمرة وفي ذات السياق يرى الناشط الحقوقي عبد المجيد الغمري أن الصراع مع هذه الجماعة هو في جوهره صراع فكري وأيديولوجي مؤكداً أن الجماعة تولي المراكز الصيفية ميزانية واهتماماً يفوق التعليم الرسمي لأنها تدرك أن السيطرة على العقول هي السيطرة الدائمة وحذر الغمري من أن كل يوم يتأخر فيه الحسم العسكري يعني خسارة أجيال كاملة سيكون تطهير أفكارها لاحقاً مكلفاً وصعباً
شهادات مجتمعية
في الميدان تتصاعد مخاوف الآباء من فقدان السيطرة على أبنائهم وتصف ناشطات حقوقيات ما يحدث بأنه غسل دماغ ممنهج يجعل الأطفال يتكيفون مع الجرائم ويتقبلون عقائد منحرفة فيما يرى مواطنون أن الميليشيا حولت الحارات إلى شبكات من المخبرين وأن الطفل الذي يدخل هذه المراكز يخرج منها قنبلة موقوتة أو مجرد زنبيل يقاد إلى محارق الجبهات خارجاً تماماً عن سيطرة أسرته
اليمن بين فكي الكماشة
يكشف التحقيق أن المراكز الصيفية ليست مجرد أنشطة موسمية بل هي مختبرات لصناعة جيل مفخخ تحت غطاء الحاجة والفقر وفي ظل التواطؤ الدولي أو الصمت الذي أوقف الحسم العسكري سابقاً يواجه اليمنيون اليوم صلفاً يرتكب أبشع الجرائم ضد الطفولة إن معركة اليمن الحقيقية اليوم هي استعادة العقل اليمني قبل أن تكتمل عملية القولبة الفكرية فالموظف الذي فقد راتبه اليوم يخشى أن يفقد ابنه غداً في محارق الأيديولوجيا لتبقى المهمة الوطنية الكبرى هي كسر اقتصاد الجوع لتفكيك ألغام الوعي













