كيف يمول المجتمع الدولي صناعة النخب الزائفة في اليمن؟
الاثنين 13 يوليو 2026 - الساعة 12:51 صباحاً
لم تكن شظايا الحرب المستمرة في اليمن واقتصاداتها الموازية حكرا على صناعة النخب السياسية الهشة أو تفريخ الجيوش التابعة للجماعات المسلحة فحسب ، بل إن الأخطر من ذلك هو نجاح التفاهة العالمية وتداخلات المال الإقليمي في هندسة مجتمع مدني زائف. لقد أُنتجت نخب حقوقية وإنسانية انتهازية، خرجت من عباءة العسكر أو تحالفت معهم، وتشرنقت داخل عصبيات مذهبية وطائفية وعشائرية، لتقدم أسوأ نموذج لـ خصخصة العمل الإنساني والحقوقي.
إن الجوهر الحقيقي للمجتمع المدني يقوم على عالمية قِيَم حقوق الإنسان، والإيمان المطلق بالتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية. لكن الواقع اليمني المعاش يظهر ارتداداً نكوصياً عن هذه المبادئ ، فقد تحولت الكيانات التي تدعي تمثيل النخبة المدنية إلى "وكالات رابحة"، تحظى بامتيازات استثنائية: دعم دولي سخي وتدفقات مالية لا تنقطع، يقابله قبول ورضا تام للسلطات ومنتهكي الحقوق.
من هذا التزاوج المصلحي، ولدت حيتان المجتمع المدني هذه الكيانات والشخصيات تتقن تقديم نفسها للمجتمع الدولي باعتبارها خط الدفاع الأول عن حقوق الإنسان ورواد التنمية الإنسانية في اليمن، بينما هم في الحقيقة يستنزفون الدعم المالي واللوجستي الموجه لإنقاذ شعب يرزح تحت وطأة أسوأ أزمة إنسانية، ويوظفونه لخدمة مصالحهم الشخصية ومشاريعهم الضيقة.
بدلًا من أن تسهم هذه المنظمات والنخب في الحد من انتهاكات حقوق الإنسان المروعة وإنعاش التنمية، تحولت إلى أداة لتعميق الأزمة من خلال الصمت الممنهج والانتقائية المفضوحة و توظيف الملف الحقوقي لخدمة أجندات سياسية ومذهبية. وتجير المساعدات الإنسانية والتنموية إلى قنوات ضيقة ومحسوبة تخدم جماعات ومذاهب وطوائف بعينها، مما يكرس الانقسام المجتمعي ويهدم السلم الأهلي.
إن هذه الفئة لم تعد مجرد كيانات غير فعالة، بل أضحت مهدداً حقيقيًا للعمل المدني المستقل، وجزءاً أصيلًا من مشكلة اتساع رقعة الانتهاكات وتكريس الإفلات من العقاب.
الغريب في الأمر بعض هؤلاء النشطاء يحصدون جوائز عالمية رفيعة وامتيازات دولية، لا لشيء إلا لأنهم استأثروا بالفرص، واستنزفوا أموال المانحين في السفر والتنقل بين العواصم، واحتكروا الدورات التدريبية الدولية، في حين يكاد يكون رصيدهم الميداني صفرا ً ، لكنهم بارعون في صناعة تقارير مزيفة ومضللة تجافي الحقائق على الأرض، وصور "سيلفي" مستمرة مع مدربين وشخصيات دولية لاستعراض النفوذ، في إطار سياحة حقوقية ممولة من دماء ومعاناة الضحايا في الداخل.
ولأن استمرار هذا الوضع يعني أن أموال دافعي الضرائب في الدول المانحة تستخدم لمعاقبة الضحايا ومكافأة الانتهازيين، فإن الواقع يستدعي توجيه رسالة ومطالبة صارمة إلى المجتمع الدولي، ووكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المانحة، تحثهم على الإعادة الشاملة للنظر في خارطة الشركاء المحليين والتوقف عن اعتماد معايير العلاقات الشخصية والتقارير الورقية المنمقة، والنزول بدلاً من ذلك إلى الميدان لتقييم الأثر الحقيقي للمنظمات على حياة الضحايا والمجتمعات المحلية، بالتوازي مع غربلة ممثلي المنظمات الدولية في اليمن وإخضاع مسؤوليها والوكالات الأمميّة للمساءلة، لمنع نشوء شبكات مصالح وفساد عابرة للحدود تربطهم بحيتان المجتمع المدني المحلي، فضلاً عن إرساء معايير صارمة للنزاهة والحياد تحظر تقديم أي دعم للمنظمات ذات الارتباطات العسكرية، أو المذهبية، أو الطائفية، وتفعيل آليات رقابة مالية وحقوقية مستقلة ومحايدة تماماً ، وصولاً إلى مراجعة معايير الجوائز والاعتراف الدولي بحيث لا تكون صكوك غفران تمنح بناءً على علاقات عامة، بل تذهب لمن يخاطرون بحياتهم فعليأً في الميدان وتحديد مواقف واضحة لمناصرة الضحايا وتوثيق الانتهاكات دون انتقائية أو تسييس , إذ إن إنقاذ المجتمع المدني اليمني يبدأ أولاً من تجفيف منابع دعم النخب الزائفة، والعودة إلى تبني القيمة الحقيقية للعمل الحقوقي المتمثلة في الانتصار للضحية أينما كانت، ومحاسبة المنتهك أياً كان.













