السلطة الشرعية .. وصناعة المسؤول الإمعة وسيكولوجيا الغفير

الخميس 30 يوليو 2026 - الساعة 10:17 مساءً

 

​تكمن المأساة الحقيقية في هذا البلد  أن لدينا سلطة شرعية  تدير مناطق سيطرتها بعقلية لا تختلف عن عقلية الميليشيات الانقلابية ،  فهي لا تبحث عن رجل دولة يحمي القانون، بل عن منفذ أعمى يحمي أصحاب النفوذ 

 

​ولتحقيق ذلك، عملت الشرعية على تفريغ مؤسسات الدولة من مضمونها الحقيقي، وتحويل الوزارات والمكاتب إلى مجرد نقاط جباية مقننة. فلم تعد أولوياتها قائمة على  بناء الدولة وتطبيق القانون ،  بل تحولت إلى حماية المصالح الضيقة وتسهيل نهب الثروات ،  وفي ظل هذه البيئة المأزومة ،  أصبحت النزاهة واستقلالية القرار تهمة توجب الإبعاد ، بينما باتت التبعية المطلقة هي المؤهل الأول والوحيد للترقي وشغل المناصب. 

 

​السؤال المطروح  هنا ، كيف يصنع  المسؤول الإمّعة ؟ (سيكولوجيا الغفير )

 

​إن المسؤول الشكلي لا يولد بصدفة حزبية أو سياسية، بل يختار ويصنع وفق آليات دقيقة لضمان ولائه المطلق وخضوعه التام،  وذلك عبر االاختيار  على الهشاشة: حيث تفضل السلطات الفاسدة تعيين شخصيات تفتقر إلى الكفاءة والنزاهة ،  فالشخص الذي يدرك داخلياً أنه لا يستحق المنصب بجدارته ،  يظل خائفاً وممتناً دائماً للجهة التي نصبته. وبهذا تتحويل الوظيفة العامة  إلى إقطاعية ،  يغذى في نفوس هؤلاء المسؤولين منطق الغفير والبلطجي، حيث لا تقاس كفاءة المسؤول بقدرته على التطوير الإداري، بل بمدى براعته في فرض الجبايات، وتحصيل الأموال خارج إطار القانون، وتقديمها للقيادات النافذة.  تمنح هذه الشخصيات الهشة  صلاحيات مطلقة لجني الأموال والاستحواذ مقابل شرط واحد محدد  التنفيذ دون مناقشة ،  والصمت التام عند ارتكاب الخروقات. 

 

​على العموم تعمل السلطات الفاسدة على  إقصاء النزهاء وأصحاب المبادئ

​وفي مقابل صناعة الإمّعة حيث  تعمل السلطة الشرعية بمنهجية حثيثة على إقصاء الشخصيات القوية والنزيهة التي تمتلك رؤية وتؤمن بدولة القانون والأخلاق الوظيفية، كونها تشكل خطراً دائماً على منظومة الفساد. ويتم التعامل مع هذه الشخصيات عبر الأساليب التشويه والتهميش ، يتهم المسؤول الشريف بأنه شخصية صدامية أو  غير مرن أو يعطل المصلحة العامة  لمجرد أنه يرفض التوقيع على صفقات مشبوهة أو الاستجابة للإملاءات الفاسدة. 

 

​ إذا فرضت الظروف أو الضغوط الجماهيرية وجود شخص نزيه في موقع ما، يتم تفريغ منصبه من الفاعلية، وتمرير القرارات المالية والإدارية من خلف ظهره عبر وكلاء وأتباع ينفذون التعليمات المباشرة. أو يتم  أكراه على الاستقالة  عندما تتيقن المنظومة  أن هذه الشخصية لن تتنازل عن قيمها الأخلاقية والقانونية، تمارَس ضدها ضغوط مضنية حتى تدفع للاستقالة ، أو يصدر قرار بإقالتها ليحل محلها إمعة جديد يلبي متطلبات المرحلة .

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس