انعتاق المارد: اليمن ينفض رماد الركود ويرسم فجر الحسم
الاربعاء 09 سبتمبر 2026 - الساعة 11:57 مساءً
لا تقاس قوة المليشيات العقائدية بركام ترسانتها العسكرية، ولا بعدد الصواريخ والمسيرات التي تقامر بها في سوق التوازنات الإقليمية، بل تقاس حقيقة بمدى قدرتها على تدجين العقول، وصناعة حاضنة شعبية زيِف وعيها فارتضت الخرافة وتجرعت الموت. ومن هذا المنطلق المعرفي، فإن القراءة التحليلية العميقة للمشهد اليمني الراهن تتجاوز الرصد الميداني التقليدي لخطوط النار، لتبحث في المعركة الأهم والأشد خطورة، معركة الوعي وصراع الهوية.
إن السقوط الحقيقي لجماعة الكهنوت لم يبدأ فقط من تهاوي متارسها وتحطم غطرستها أمام جحافل وسيل التقدم العارم للقوات الحكومية في جبهات تعز والساحل الغربي والجوف، بل بدأ يتدفق كحممٍ بركانيةٍ لاهبة منذ اللحظة التي انعتقت فيها الإرادة الشعبية من أسر الخوف، وتحررت العقول من غسيل الأدلجة المنظم..
وهنا، وفي غمرة الحديث عن الوعي والتحولات الوجودية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقلل من عظمة وتضحيات الأبطال المرابطين في جبهات العز والشرف، أولئك الذين يبذلون الروح والدم رخيصة في سبيل كرامة هذا الوطن والحفاظ على اليمن الجمهوري.
إنهم الوتد الوجودي الذي تتكئَ عليه آمال اليمنيين، فلأجل صمودهم الأسطوري وبأسهم النافذ في كسر كبرياء الكهنوت ترفع القبعات إجلالا، وتنحني القامات هيبة، وتقبَل حبات التراب الطاهر من تحت أقدامهم الحافية إلا من الكبرياء والبطولة. إن ما يسطره هؤلاء الميامين في الميدان هو الوقود الفعلي الذي يشعل وعي الداخل، ويمنحه القوة والمبرر لرفض الاستبداد.
لقد حاولت هذه الجماعة طيلة عقد من الزمان تجريف الهوية اليمنية السبئية الضاربة في جذور التاريخ، واستبدالها بثقافة المقابر وبكائيات الحروب، مستغلة حالة الذهول والصدمة التي خلفتها الحرب في بداياتها. غير أن الطبيعة التعددية الحرة للإنسان اليمني، المغذاة بإرث جمهوري عتيد، لفظت هذا الجسد الغريب الذي أراد تحويل البلاد إلى مجرد منصة متقدمة لأطماع عابرة للحدود.
واليوم، يتجلى هذا الوعي الشعبي المتنامي كركيزة أساسية تسرع من وتيرة السقوط الحتمي للمشروع الكهنوتي، فذلك المشهد المهيب لمواطن يمني وهو يمزق بكل عنفوان صورة الطاغية "عبدالملك الحوثي" لم يكن مجرد غضبة عابرة أو فعلا عفويا مرتجلا، بل كان فعلا ثوريا واعيا ومقصودا، يملؤه التحدي والكبرياء.
لقد كان هذا التمزيق العلني إعلانا شعبيا مدويا بكسر حاجز الرعب النفسي، وإسقاطا لشرعية الطغيان الزائفة في عمق النفوس أولا، وما يسطره الأبطال ميدانيا بعد ذلك ليس إلا التجسيد الحي والامتداد الطبيعي لزلزال هذا الوعي العارم الذي تحرسه بنادق الأبطال في ساحات الفداء .
علاوة على ذلك، فإن الانكشاف الأخلاقي والاقتصادي الفاضح للجماعة قد عجل في انهيار حاضنتها إذ لم تعد ذريعة "مواجهة الخارج" تنطلي على مواطن ينهب قوته، وتقطع مرتباته، بينما يرى قادة المليشيا يشيدون القصور من أموال الجبايات الخانقة. لقد أدرك الإنسان اليمني أن هذا المشروع لا يملك أي أفق لبناء دولة أو تقديم خدمة، بل هو آلة جباية عمياء تقتات على معاناته، مما جعل الجبهة الداخلية للحوثيين أشبه بهيكل خشبي نخرته الأرضة، ينتظر هزة واحدة ليتهاوى سريعا.
وفي مقابل محاولات طمس معالم الوطن، شهدت السنوات الأخيرة تمسكا شعبيا منقطع النظير بالرموز الجمهورية والاحتفالات الحاشدة بذكرى ثورات سبتمبر وأكتوبر المجيدة، في فرز ثقافي واعي يؤكد عزل الجماعة فكريا، وإعادة تعريف المعركة باعتبارها صراعا وجوديا بين ثقافة الحياة والحرية، وثقافة الموت والتبعية.
إن الجاهزية القتالية العالية والعزيمة النافذة التي تبديها القوات الحكومية اليوم تكتسب زخمها وقدرتها على الحسم من هذا التحول الجذري في الوجدان الشعبي، فلم تعد الحواضر والقبائل اليمنية تنظر إلى الجيش كطرف في نزاع سياسي، بل كقوة إنقاذ وطنية طال انتظارها لتطهير التراب من دنس الكهنوت. إن تلازم بندقية المقاتل الصنديد في الجبهة مع وعي المواطن الحر في الساحة هو المعادلة الذهبية والضمانة الأكيدة التي ستطوي صفحة العبث، وتضع حدا لزمن الواهمين، لتثبت للعالم أجمع أن اليمن قد يمرض، وقد ينزف، لكنه أبدا لا يموت، ولا يسلم مفاتيحه للغرباء.
ختاما، إن هذه الملحمة الوطنية الكبرى لن تبلغ غاياتها المرجوة ما لم يستشعر الجميع أن الإعلام هو رأس الحربة في معركة الخلاص .
إن بندقية المقاتل في متراسه بحاجة شديدة إلى قلم الكاتب، وصوت المذيع، وعدسة المصور، لتكتمل دائرة الحسم. يجب أن تكون الجبهات الإعلامية، في الداخل والخارج على حد سواء، في حالة استنهاض مستمر واستنفار دائم لا يهدأ، لشرح حقيقة ما يدور على الأرض، وتفكيك خرافات الجماعة وتعرية جرائمها أمام الرأي العام الدولي والمحلي. إن الإعلام الصادق والمسؤول ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو المحرك الأساسي لوعي الناس، والسند الصلب لدعم الأبطال في الجبهات، والضمانة التي تكشف زيف الكهنوت وتؤمن لليمن فجره الجمهوري المرتقب الذي يطهر فيه اليمنيون أرضهم من دنس التبعية، ليعود اليمن كما كان دائما، حرا، عربيا، منيعا، وسعيدا.













