وحدة الكلمة ومقتضيات المصير المشترك يمنياً (الحلقة الثالثة)

الاحد 27 سبتمبر 2026 - الساعة 11:06 مساءً

 

 

      ليست المرحلة مرحلة ترف سياسي ، ولا اللحظة لحظة انشغال بالهوامش والتفاصيل ، ولا وطننا اليمني ولا أوطاننا العربية عموماً في سعة من وقتها لتسمح بتبديد الإرادات وتوزيع الجهود على خلافات لا ترقى إلى مستوى المصيرالعربي المشترك الذي يتهدده التقسيم والتشظي وتحديات الوجود الجمهوري ومخاطر اللادولة ، وصلفٍ عابرٍ للحدود ، وتحديات دولية وإقليمية .

 

      إنها مرحلة تتقدَّم فيها المخاطر، وتتداخل فيها التحديات ، وتُختبر فيها قدرة الشعوب على إدراك موقعها من التاريخ ، وعلى صيانة حقها في الحرية والاستقلال الوطني ، وعلى الدفاع عن وحدتها الوطنية والقومية في وجه كل ما يستهدف تفكيكها وإضعاف إرادتها وقدراتها .

 

     ومن هنا تبرز الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن وعينا : ( إن وحدة الكلمة هي المقدمة الضرورية لوحدة الصف ، ووحدة الصف هي الشرط الأول لواحدية المعركة ) .

 

     فلا يمكن لأي أمة أن تخوض معركتها الوطنية أو القومية بإراداتٍ متفرقةٍ ، ولا أن تصون استقلالها الوطني بعقلية مجزءة ، ولا أن تحقق أهداف تحررها وهي عاجزة عن الاتفاق على الثوابت التي يتوقف عليها وجودها ومستقبلها.

 

      إن وحدة الوطن ليست مجرد رابطة وجدانية أو شعارًا تاريخياً يُستعاد صداها في المناسبات ، بل هي حقيقة سياسية وحضارية ، ومصلحة عليا ، وضرورة من ضرورات التحرر الوطني والقومي .

 

     فكلما اشتدت الأخطار، ازدادت الحاجة إلى استعادة هذه الحقيقة في الوعي والممارسة الوطنيين ، لا في الخطاب وحده فقط .

 

     فليس المقصود بوحدة الكلمة كما قلنا في تناولة سابقة إلغاء الاختلاف ، أو مصادرة الاجتهاد ، أو تحويل الحياة السياسية إلى صوت واحد بالمعنى الشكلي ، فالأمم والأوطان والشعوب الحية تعرف التعدد ، وتحتمل الحوار، وتستفيد من اختلاف الرؤى ؛ غير أن التعدد لا يصبح قوةً إلا حين ينتظم في إطار المصلحة العليا للأوطان والشعوب ، ولا يصبح الاختلاف مشروعاً للبناء إلا حين يظل محكوماً بوحدة الغاية والمصير .

 

      أما حين يتحوَّل الخلاف إلى انقسام ، والانقسام إلى قطيعة ، والقطيعة إلى تعطيل للإرادة الشعبية ، والتعطيل إلى فوضى ؛ فإن الأمر لا يعود اختلافًا في الوسائل ، بل يصبح مساساً بالقدرة على الفعل الوطني .

 

      فليختلف الناس في الاجتهاد ، ولكن لا يختلفوا على حق الوطن في الحرية .

      وليختلفوا في الوسائل ، ولكن لا يجعلوا اختلاف الوسائل سبيلًا إلى التفريط في الاستقلال والسيادة الوطنيين .

 

      وليختلفوا في تقدير التفاصيل ، ولكن لا يسمحوا للتفاصيل أن تحجب عنهم جوهر المعركة .

 

التحرير بين التهويل والتهوين . 

 

     الكل يتربص بنا و بالبلد  الدوائر ، والمؤامرات تحاك لتدفع البلد فيما هو جارٍ الآن  إلى مرحلة تفكيكها أو تفتيتها كمقدمةٍ لتفكيك المنطقة ، وتفتيتها بعد استنزافها .

 

     ها هو مضيق المندب مثلاً يترنح تحت أيدي المليشيات الانقلابية ، وهو ما أضعف و يُضعِف من مركز الشرعية بكل أسف ، ويجعلها في موقفٍ لاتحسد عليه إما تندراً أو سخرية ، وهو من أهم الممرات المائية في العالم ، وإليه تُعزى أهمية البلد لوقوعها على خطوط الملاحة الدولية ويربط ما بين القارتين الأسيوية والإفريقية .

 

     ولتمعنوا في تداعيات سيطرة مليشيا الانقلاب عليه ، ومالم يحرر هذا المضيق من قبضة الحوثيين فإن تحرير اليمن الكبير الذي ننشده منذ اثني عشر عاماً سيزداد تعقيداً ، فكيف وقد تآكلت الجغرافيا من تحت أقدام الشرعية بسقوط باب المندب .

 

      لرب قائل : إن معركة المندب ليس معركة الشرعية وحدها ، و تفوق المعركة قدرات وإمكانيات دولة ؛ والمعركة معركة كل المستفيدين منه دولياً وليس إقليمياً ، إنها معركة إقليمية ودولية يجب أن يتداعى لها العالم أجمع !!

 

      ولماذا سيتداعى إليه العالم والشرعية لم تستطع الحفاظ عليه أو الدفاع عنه وهو من هو في موقعه وأهميته واستراتيجيته !! 

 

     أما علمت الشرعية أنها  قد تخسر الكثير ؛ إن لم تخسر شرعيتها لصالح الطرف الانقلابي الميليشاوي بخسارتها لهذا المضيق ؛ إذ بتداعيات سقوطه قد يتعقَّد المشهد ويتأزم ، بل وقد يتغيَّر ، وهو ما تجلَّت مؤشراته  بالتواصل الامريكي الحوثي في عُمان !!

 

      وما قد يعني ذلك على المدى المتوسط والبعيد فيما لو أحكم الحوثيون قبضتهم عليه ، وهو مايعني من فرض حصارٍ خانقٍ على خطوط الملاحة الدولية ، وتعطيل مصالح الإقليم والعالم ، وما قد يسبب ذلك من رفع كلف الشحن والتأمين والوقود والطاقة وتضخم الاقتصاد ، و ما قد ينذر عن حربٍ وشيكةٍ يتدافع إليها العالم كله بسبب الاختناق العالمي الذي أحدثته تلك السيطرة عليه ، وما قد يعزز ذلك من تخادم مع إيران في هرمزة المندب ، وتحسين فرص تفاوضها مع الأمريكان ، وتعزيز موارد الحوثي المالية ، وتعزيز حظوظه في تمويل معاركة التوسعية ، و حَسَّنَ من فرص تفاوض المليشيات الحوثية مع الأمريكان في الاعتراف به كسلطة أمر واقع على حساب الشرعية ولو على حدود ماقبل العام 1990 م   ولن يعترض على هذه الحدود أحد طالما وذلك سيفيد الكثير كالانفصاليين مثلاً ، و سينهي الاختناق العالمي من على هذا الممر الحيوي الذي سيباركه الجميع ؛ فثلث مايمر من النفط الذي يحتاجه العالم يمر عبره ، ناهيك عن  عشر التجارة الجافة كما يطلق عليها يمر أيضاً من خلاله .

 

       أما الشرعية فبانقسامها على نفسها ، وعجزها عن توافقات شركاء مجلسها الذي يسعى كل طرف فيها إلى تمكين مشروعه الخاص ، وتحسين فرص انقضاضه على المجموع ، وهو ما قد يجعل موضوع التحرير واستعادة الدولة ، وعاصمتها صنعاء مرحلاً إلى أجلٍ غير مسمى  ؛ لأن جلَّ الشركاء يدخر قوته تحسباً لما بعد صنعاء ، وهو ما يجعله أمر التحرير شائكاً ومعقداً إن لم يكن مستبعداً أمام هكذا مراوحاتٍ ومخاتلاتٍ وتراخٍ ، وليس أمام الجميع إلآ أن يستنزف بعضهم بعضاً !!

 

        تلك هي الحقيقة المرة التي يدركها الجميع ، و يغالطون بها شعبهم ، ولقد رأينا جلَّهم يغرد خارج سرب الوطنية باستنزاف الوقت واستنزاف بعضهم  !!

 

      فسيء الذكر الحوثي يبحث عن استفراد بالحكم ، وشرعية عبور للتسيُّد والحكم ولو على جثث اليمنيين كلهم ، وامريكا وكذا الأمم المتحدة لن تدخر واسعاً في تمكينه مبتغاه لما ذُكِر أعلاه ، ولتفكيك المنطقة ، وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وعدت به ( كوندوليزا رايس ) ، ومن بعدها ( شمعون بيريز ) ، وضرب المنطقة في الخاصرة ، ولتكبيل دول الجوار واستنزافها .

 

       واستنزاف المنطقة يضعفها ، وقد يدفعها إلى خيارات كارثية ، وأما القول بأن هذا الاستنزاف لن يطول بوجود قوات الدفاع العربي المشترك أو بوجود  اتفاقات تحالفية قد تمنع أو تحمي أو تصد أو تحول دون استنزافها ، أو بوجود  اتفاقات حماية الملاحة البحرية أو حماية المضايق أو بوجود حلفاء أقطاب  يحولون دون ماهو مرسوم  أو مخطط ، فلن يصل إلى مستوى التدخل العسكري حتى تلك التي تدعي قدرتها على حماية مياهها الإقليمية أو أمنها القومي ، أو تلك التي تقول أمن الخليج من أمننا ، أو أؤلئك المتكفلين بحماية المنطقة ؛ فإن دورها سيقتصر فقط على الدعم اللوجستي و الاستخباري وربما تزويدها بأسلحة وقد لا تكون نوعية !!

 

      وأما الدول التي تتنافس الزعامة فكل يحد أنيابه في محاربة الآخر بأذرع وكلاءه في المنطقة في حرب أقل ما يقال عنها بأنها باردة .

 

      إنها حرب كبرى مجالها اليمن والبحر الأحمر ، في فيتنام أخرى محروقة .

 

     إن معركة التحرير و باب المندب في قلبها معركة وطنية وقومية في صورتها الكبرى بكل المقاييس ، وفي معناها التاريخي ليست حادثة منفصلة عن سياقها ، ولا قضية محصورة في حدود جغرافيتها الضيقة .

 

      إنها معركة الإرادة الوطنية في مواجهة التجزئة والتبعية والهيمنة والصلف التوسعي ، ومعركة شعوب المنطقة في سبيل التحرر الوطني ، وصون القرارات المستقلة ، وبناء مستقبل لا يُرسم لها من خارج إرادتها الوطنية .

 

      ومن هنا فإن واحدية المعركة الوطنية لا تعني تطابق الظروف أو تشابه الساحات ، وإنما تعني إدراك وحدة المصير ، وترابط الأخطار، وتشابك النتائج .

 

     فما يصيب قطراً من أقطار أمتنا من إضعافٍ أو استنزافٍ أو انتقاصٍ أو اعتداءٍ ، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المصير العربي المشترك ، ولا يجوز التعامل معه باعتباره شأناً هامشياً لا يعني سواه في الأقطار ؛ فهي سيناريوهات مرسومة بدقة قابلة للتكرار ذاته بشكلٍ أو بآخرهنا أو هناك .

 

      إن وحدة الأمة تبدأ من وحدة الوعي بمصيرها ، وتبدأ وحدة الوعي من إدراك أن التجزئة ليست قدرًا أبدياً ، وأن الاستقلال لا يكتمل إذا ظل القرار الوطني محكوماً بإراداتٍ خارجيةٍ ، وأن التحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر العربي القومي ، وأن الإرادة الشعبية لا تستطيع أن تؤدي دورها التاريخي إلا في بيئةٍ تصان فيها السيادة الوطنية ، وتحترم فيها كرامة الإنسان ، وتُقدَّم فيها المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الخاصة الضيقة .

 

     ولعل أخطر ما تواجه أمتنا - ويمننا الحبيب جزء منها - في مثل هذه المراحل ليس الخطر الخارجي وحده ، بل أن تتحول اختلافات قضايا الوطن الكبرى الداخلية إلى معارك تستنزف ما تبقى من طاقات ؛ فتضعف الإحساس بالمسؤولية ، وتُفقد الناس القدرة على تقدير حجم التحديات ، وتحوّل القضايا المصيرية إلى موضوعات مؤجَّلة ومرحَّلة ، بينما تتقدم الوقائع على الأرض دون انتظار ، فالوحدة الوطنية شرطٌ إذاً لبقاء المجتمع قادراً على حماية حقوقه وصياغة مستقبله وحماية أراضيه .

 

 .

      إن التراخي في زمن المخاطر ليس موقفاً صائباً ، إنه إضعاف للإرادة ، وتغييب للوعي  ،تعطيل للقدرات ، وتفويت للفرص التي قد لا تتكرر .

 

     إن الأوطان لا تفقد استقلالها في لحظة واحدة بالضرورة ؛ إلا حين تتراجع يقظتها ، وتضعف ثقتها بنفسها وبقدرتها على الفعل ، وتنشغل عن قضاياها الكبرى بصراعاتٍ صغيرةٍ تستنزف طاقتها وتشتت صفها وجهودها .

 

     ولا تفقد الشعوب قدرتها على الدفاع عن حقوقها حين تعجز عن الكلام فحسب ، بل حين تعجز عن توحيد كلمتها ، وتحديد أولوياتها، وتحويل إرادتها الشعبية إلى قوة منظمة وفاعلة .

 

 يتبع …

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس