سبتمبر المجيد الذي لم نعطه حقه

الاحد 27 سبتمبر 2026 - الساعة 11:52 مساءً

 

ما زلنا حتى اليوم لم نعطِ سبتمبر حقها، ولم نقدم هذه الثورة العظيمة كما ينبغي للأجيال، هذه الثورة التي كانت بمثابة المارد الذي خرج ليكسر قيود الإمامة، ولولاها لربما ظل أبناء اليمن يعيشون في ظلام التخلف والجهل والكهنوت. وللأسف أن الأحزاب السياسية تعلقت بسبتمبر، بينما لم يكن لها تاريخ حقيقي في سبتمبر، إلا أن السلاليين سعوا للنيل من سبتمبر، وأنا لا أسمي هنا حزبًا بعينه، وإنما أتحدث عن ظاهرة أوسع، وهي أن سبتمبر تحولت لدى البعض من ثورة وتاريخ وتضحيات إلى مناسبة وشعارات واحتفالات.

سبتمبر كانت في أولئك الذين تقدموا الصفوف مع الضباط الأحرار، ثم استشهدوا في هذه الجبال والصخور والوديان، ولم تكن الصحف موجودة ولا التصوير حاضرًا لتوثيق كل شيء. وللأسف، فإن التسجيلات الصوتية التي كانت تُسجل مع قيادات شعبية وجمهورية، وبعد تسلل الإماميين، تم حذف ذلك الأرشيف، ولم يتبقَّ من تلك الأصوات إلا صوت الرئيس السلال، ويقال إنه كان موثقًا عند إحدى الشخصيات الثورية وتم إخفاؤه هناك. وهنا نحن أمام مشكلة أكبر من مجرد فقدان تسجيلات أو وثائق؛ نحن أمام فقدان جزء من الذاكرة الوطنية التي كان يفترض أن تنتقل من جيل إلى جيل، حتى يعرف اليمنيون كيف قامت ثورتهم، ومن هم الرجال الذين دفعوا أرواحهم من أجلها.

وأتذكر هنا ما كانت أمي تقوله لي عن أيام حكم الإمامة، فقد كانت تقول إن عسكر الإمام إذا جاءوا إلى الناس ووجدوا القرص قد انكسر، يعيدونه إليهم ويفرضون عليهم أن يقدموا لهم وجبة جديدة. وقد تبدو هذه الحكاية في ظاهرها تفصيلًا صغيرًا، لكنها بالنسبة لجيل عاش تلك المرحلة كانت صورة من صور القهر والاستعلاء الذي كان يُمارس على الناس، وكيف كان المواطن البسيط يتحمل أعباء عسكر الإمام حتى في أبسط تفاصيل حياته اليومية. وهذه الحكايات التي تناقلها الآباء والأمهات جزء من الذاكرة التي يجب ألا تضيع؛ لأنها تشرح للأجيال أن ثورة سبتمبر لم تأتِ من فراغ، وأن وراءها واقعًا من الظلم والقهر والتخلف دفع اليمنيين إلى الثورة.

بعد سبتمبر حدثت إرهاصات كبيرة، وتم النيل من هذه الثورة، ولم نعرف حقيقتها إلا يوم الذكرى، حتى إن أكثر الأجيال الذين كانوا في الأرياف لم يعرفوا عن اللقية، ولا عن جزيلان، ولا القردعي، ولا عن ناجي الأسول، ولا عن صبرة، ولا عن الثلايا. بسبب أن المنهج الدراسي لم يعرف بهذه الشخصيات، ولم يجد فيه أبناء اليمن أسماء الضباط الأحرار ولا التعريف بهم، لكننا وجدنا الرسي وغيره من الإماميين. وهكذا ضاعت أسماء كثيرة من الذاكرة الوطنية، بينما بقيت أسماء أخرى حاضرة في المناهج والروايات، وأصبح جيل كامل يعرف أسماء من حكموا اليمن أكثر مما يعرف أسماء من ثاروا ضد حكمهم.

اليوم لا نريد أن نخفي هؤلاء الأبطال الذين قدموا أرواحهم، أمثال الشداد وشعلان وثابت جواس وأبو منير والوحيش، ومن الساحل الغربي إلى عدن ومأرب والجوف، وكثير من قياداتنا العسكرية، ضباطًا وصفًا وجنودًا وقيادات مقاومة وأحرارًا تصدروا الجبهات وحافظوا على جمهوريتنا بعد أن كادت أن تسقط في وحل الإمامة. هؤلاء أيضًا جزء من تاريخ سبتمبر، لأن الدفاع عن الجمهورية لم يتوقف عند لحظة تفجير الثورة، وإنما استمر في كل مرحلة حاولت فيها الإمامة العودة إلى اليمن.

نريد أن نتذكر عبدالغني شعلان الذي وقف في مأرب في مقدمة المواجهة، ونستعيد اسم ثابت جواس الذي ارتبط اسمه بمواجهة الحوثيين في صعدة وبالمعركة التي انتهت بمقتل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، ثم واصل جواس معركته حتى استشهد في عدن. ونريد أن نتذكر يحيى الوحيش، الذي واجه الحوثيين منذ وقت مبكر، وشارك في معارك الساحل الغربي وباب المندب والحديدة، ثم استشهد وهو في ميدان المواجهة. هؤلاء وغيرهم ليسوا خارج قصة سبتمبر، بل هم امتداد لمعنى الجمهورية والدفاع عنها عندما حاولت الإمامة أن تعود بثوب جديد.

وهناك أسماء كثيرة أخرى لا تزال بحاجة إلى أن تُجمع وتوثق وتُعرّف بها الأجيال؛ أسماء ضباط وجنود ومقاومين ومشايخ ومواطنين وقفوا في وجه الإمامة الجديدة، بعضهم قضى في الجبهات، وبعضهم في الاغتيالات، وبعضهم في السجون، وبعضهم عاش سنوات المواجهة بعيدًا عن الأضواء دون أن يبحث عن شهرة أو منصب. هؤلاء جميعًا جزء من الذاكرة الجمهورية التي لا يجوز أن تختزل في مجموعة من الأسماء أو في مناسبة سنوية.

اليوم نحن بحاجة إلى إعادة صياغة مفاهيم تواكب ما نحن فيه، وأن نكون صادقين مع الله، ومسؤولية وأمانة وطنية، لا لأجل الشهرة وحب الذات. لابد علينا أن نعلم أجيالنا مفاهيم سبتمبر، حاضرًا وماضيًا، وأن نربط الماضي بالحاضر، ونحاول تفتيت المفاهيم غير الواضحة حتى يفهم اليمنيون الدرس، ويعرفون عن كل الأبطال، ويعرفون أن سبتمبر لم تكن حدثًا عابرًا.

والأهم من ذلك أننا أمام مرحلة جديدة وحساسة. نحن سنعود إلى صنعاء، لكن الجيل الذي سنعود إليه ليس هو الجيل الذي عرفناه من قبل، وهذا يعني أن معركة استعادة الدولة لا تنتهي عند استعادة العاصمة، بل تبدأ بعدها معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة استعادة الوعي. لابد أن نكون قد أعددنا خطة حقيقية لتغيير المفاهيم التي ترسخت في عقول أجيال كاملة خلال سنوات طويلة من التعبئة والخطاب الإمامي، وأن ندخل صنعاء ونحن ندرك أن أمامنا أطفالًا وشبابًا تشكل وعيهم في مدارس وإعلام ومنابر خاضعة لفكر واحد.

لا نريد أن نكرر ما صنعه الإماميون أيام حكمهم، ولا نريد أن نستبدل إقصاءً بإقصاء، أو رواية أحادية برواية أحادية، أو نعيد إنتاج الأخطاء نفسها التي ساهمت في ضياع ذاكرة سبتمبر. نريد دولة تعيد بناء الإنسان قبل الحجر، وتعيد للمدرسة دورها، وللمناهج دورها، وللتاريخ مكانه الصحيح، وتقدم للأجيال اليمنية تاريخها بكل شخصياته وأحداثه، وتعلمهم معنى الجمهورية والمواطنة والمساواة، بعيدًا عن السلالة والمناطقية والكراهية والتمييز.

المرحلة القادمة تحتاج إلى عقل مختلف، لأننا إذا استعدنا صنعاء ولم نستعد عقول أبنائها، فإن المشكلة ستظل قائمة بأشكال أخرى. وإذا عدنا إلى صنعاء ولم نعد معها الوعي الجمهوري، فقد نكون قد استعدنا المكان ولم نستعد الإنسان. ولهذا يجب أن تكون هناك خطة وطنية واضحة لإعادة بناء المفاهيم، تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة والمسجد، وتعيد تعريف الأجيال بتاريخ اليمن، وتكشف لهم حقيقة ما جرى، وتربط بين سبتمبر ومفهوم الدولة والجمهورية والحقوق والواجبات.

سبتمبر لم تكن شعارات وإسقاط واجب، سبتمبر شهداء ودماء وجراح وسجون وقتل واغتيالات، رجال تقدموا الصفوف، ورجال دفعوا حياتهم ثمنًا للجمهورية، ورجال ظلوا يقاومون حتى تفجرت الثورة وانتزعت اليمن من قبضة الإمامة، ثم جاءت أجيال أخرى تحمل الراية نفسها عندما حاولت الإمامة العودة من جديد.

هكذا كانت سبتمبر، وهكذا يجب أن نرويها للأجيال؛ لا نريد سبتمبر منزوعة من دماء شهدائها، ولا ثورة بلا أسماء أبطالها، ولا تاريخًا يختزل في خطب المناسبات. نريد أن يعرف اليمنيون أن سبتمبر كانت ثورة شعب، وتضحيات رجال، ومعركة وطن، وفكرة جمهورية ما زالت تستحق أن تُروى بكل صدق وأمانة. ونريد أن تكون عودتنا إلى صنعاء عودة دولة لا عودة انتقام، وعودة مؤسسات لا عودة فوضى، وعودة جمهورية لا عودة إلى إنتاج الماضي بأدوات جديدة.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس