سبتمبر واستعادة القدرة على الدولة..
الاثنين 28 سبتمبر 2026 - الساعة 10:27 مساءً
للثورات حياة ثانية تبدأ حين يصبح الوعد الذي حملته ضرورةً راهنة، وفي اليمن يعود السادس والعشرون من سبتمبر كلما وجد اليمنيون أنفسهم أمام محاولة انتزاع حقهم في تقرير مصيرهم، أو تحويل الدولة إلى امتياز مغلق، أو إخضاع مستقبلهم لإرادة جماعة تعلو على المجتمع، ولهذا يكتسب خطاب الرئيس رشاد العليمي، الذي ألقاه هذه الليلة في الذكرى الرابعة والستون لثورة 26 سبتمبر، دلالة تتجاوز المناسبة؛ خصوصاً حين نقرأه إلى جوار اجتماع القيادات العسكرية للسعودية وباكستان وتركيا، وبيان المفتي السعودي صالح الفوزان، ومؤشرات أخرى، إننا أمام مواقف تتقارب في الزمن والاتجاه، وتتيح قراءة احتمال انتقال المواجهة مع المشروع الحوثي إلى مستوى أشمل، تتصل فيه إرادة استعادة الدولة اليمنية بمصالح الأمن الإقليمي وبخطاب ديني يؤيد الدفاع عنها.
يحتاج تقدير هذه اللحظة إلى وعي بالفرصة وحدودها معاً، فتقارب المواقف يمنحها وزناً سياسياً، وإن كان لا يثبت وجود خطة مشتركة مكتملة أو قرار معلن بحرب شاملة، وما يمكن استخلاصه هو توافر عناصر يمكن البناء عليها كالدعوة اليمنية إلى التعبئة، والالتزام الإقليمي بتفعيل التعاون الدفاعي، والموقف الديني الذي يربط أمن المملكة باستقرار اليمن تحت قيادته الشرعية، وتبدأ السياسة الجادة من تحويل هذا التقارب إلى قدرة منظمة، ذات غاية واضحة ومسؤولية عن النتائج.
يحمل سبتمبر المعيار الذي ينبغي أن تقاس به هذه الغاية، فقد جمعت أهداف الثورة بين إقامة الحكم الجمهوري العادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات، وبناء الجيش الوطني، وفي هذا الجمع تصور مبكر للعلاقة بين الحرية والقوة، ففي مقابل مجتمع يسترد حقه في الحكم، هناك مؤسسات تحمي هذا الحق، وعدالة تمنح الجمهورية معناها في حياة الناس، لقد فتح قيام الجمهورية أفقاً تاريخياً، وظل تحقيق مضمونها مهمة تتجاوز إسقاط النظام الذي سبقها، ومن هنا تأتي مسؤوليتنا عن التمييز بين الدفاع عن اسم الجمهورية والعمل على استكمال شروطها.
وعلى هذا المستوى يقع التناقض الجوهري مع المشروع الحوثي، فحين تربط أهلية القيادة السياسية بالاصطفاء والنسب، يصبح التفاوت بين المواطنين جزءًا من تبرير السلطة نفسها، وبالنسبة للجماعة الحوثية فإن حضور ادعاء الحق الإلهي جزء أساسي في تصورها للحكم، والمبدأ الجمهوري يواجه هذا الادعاء من جذره لأنه يرى أن السلطة تفويض بشري، وأصحابها مسؤولون أمام المجتمع، ولا يمنح النسب أحداً حقاً سياسياً زائداً، ولهذا فإن نقد الامتياز الموروث يقتضي، بالقدر نفسه، رفض تحميل أي إنسان مسؤولية نسبه أو مذهبه، فالمواطنة التي نطالب بها لا تستقيم إذا استثنينا منها من نختلف معهم.
تكتسب الدعوة إلى التعبئة، حين تصدر في ذكرى سبتمبر، معنى استدعاء هذا الأصل التأسيسي، إنها تعيد وصل الدفاع عن الدولة بتاريخ تحرر المجتمع من احتكار الحكم، وتضع المواجهة أمام سؤالها العملي، الذي ينبغي حسمه بوضوح، حيث الغاية هي إخضاع القوة لسلطة عامة تستمد مشروعيتها من اليمنيين، وتضمن حقوقهم بالتساوي، بهذا المعنى يصبح سبتمبر التزاماً على القوى التي ترفع رايته، وتصبح استعادة صنعاء مسؤولية عن شكل الحكم الذي سيعود إليها وعن حياة الناس الذين يسكنونها.
وفي المستوى الإقليمي، يلفت اجتماع الرياض الانتباه إلى الانتقال المعلن نحو تفعيل الالتزامات الدفاعية، فقد تناول البيان التعاون الاستخباراتي، والتنسيق العسكري، وتكامل القدرات، وأكد العزم على البدء الفوري بتحويل اتفاقية مكة إلى تعاون عسكري فعال، مع تحديد الدفاع عن أمن السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها غايةً مباشرة، ولهذه اللغة دلالة مؤسسية؛ فهي تنقل الاهتمام إلى كيفية تنظيم القدرة المشتركة، وإلى جعل التهديد الذي تواجهه دولة طرف موضع استجابة جماعية.
ومع ذلك يجب الحفاظ على الفارق بين الدفاع الجماعي عن المملكة، وهو الالتزام الواضح في البيان، وبين المشاركة في عملية عسكرية داخل اليمن، وهي مسألة لا يحسمها النص المنشور، وتكمن الفرصة اليمنية في إمكان وصل المصلحتين سياسياً، فبناء دولة يمنية قادرة على ضبط أراضيها وقرارها العسكري يمكن أن يقدم أساساً أكثر استدامة لأمن الجوار، وهذه حجة ينبغي أن تحملها الدبلوماسية اليمنية بوضوح؛ فاستعادة الدولة تمنح الإقليم شريكاً مسؤولاً يمكن الاتفاق معه ومساءلته، وتمنح اليمنيين قدرة على حماية مصالحهم بأنفسهم.
كما أن إدانة الهجمات التي استهدفت مكة، وفق البيان، تضيف إلى البعد السيادي حساسيةً دينية واسعة، غير أن ترجمة هذه الحساسية إلى سياسة نافعة لليمن تقتضي إبقاء الغاية محددة، حماية السكان، وصون سيادة الدول، وإنهاء قدرة الجماعات المسلحة على فرض قرارات الحرب على مجتمعاتها وجيرانها، وتتطلب الشراكة الناضجة إدراك أن الأطراف قد تلتقي على مواجهة تهديد محدد مع احتفاظها باختلاف مصالحها وأولوياتها، ومن واجب القيادة اليمنية أن تجعل هذا الالتقاء داعماً لاستقلال القرار الوطني وبناء المؤسسات.
ويتصل بيان المفتي صالح الفوزان بهذه المساحة من زاوية أخرى، أي الاقتران بين حماية المملكة ومقدسات المسلمين، وبين إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن في ظل قيادته الشرعية، مع التشديد على وحدة الصف والانضباط للقيادة، ويمكن قراءة ذلك بوصفه إسناداً دينياً وأخلاقياً لموقف الدولة والتحالف، ومنازعةً لمحاولة تقديم المشروع الحوثي باعتباره صاحب التفويض الديني الحصري في الصراع.
وتظل القيمة السياسية لهذا الإسناد محددة بطريقة استثماره، فالمعركة الجمهورية غايتها إقامة نظام يستطيع الناس العيش فيه على اختلاف معتقداتهم، وتظل مسؤولية الأفراد مرتبطة بأفعالهم، ومن ثم فإن مواجهة توظيف الدين في إخضاع المجتمع تحتاج إلى خطاب يعيد وصل الدين بحرمة الدم والعدل وصيانة الكرامة، وكل انزلاق إلى تعبئة مذهبية عامة يمنح الاستبداد مادة جديدة للاستمرار، ويضعف المعنى الوطني الجامع الذي يحتاجه اليمنيون لاستعادة دولتهم.
وفي قلب كلمة العليمي تبرز الصلة بين التعبئة وفتح باب العودة، فقد دعا إلى الالتحاق بالمؤسسات العسكرية عبر القنوات الرسمية، وأعلن أن من يتركون الجماعة ويتوقفون عن القتال أو العمل لصالحها، اعتباراً من عشية سبتمبر، سيشملهم عفو يصدر لاحقاً وفق الإجراءات الدستورية والقانونية، مع تسوية أوضاع العسكريين المستحقين، أي أننا هنا أمام تعهد سياسي يخلق فرصة العودة والانضمام للصف الجمهوري لكل من تأخر في ذلك حتى هذه اللحظة.
يحمل الجمع بين التعبئة والعودة منطقاً أعمق من مجرد زيادة العدد في معسكر وتقليله في آخر، فهو يميز بين المشروع الذي ينبغي إنهاء قدرته على احتكار الدولة، وبين اليمنيين الذين يمكن استردادهم إلى المجال الوطني المشترك، إن فتح طريق آمن للخروج من الجماعة يضعف اعتماد استمرارها على خوف المنتسبين إليها من المستقبل، وكلما اكتسب هذا الطريق صدقية أكبر، كلما اتسعت إمكانات تفكيك الصراع وتقليل كلفته البشرية، وتكتمل هذه الصدقية بضمان حقوق الضحايا، وإتاحة العدالة، ومنع تحول العفو إلى غموض جديد يترك الناس بين الخوف والوعود.
وللتوقيت هنا دلالة خاصة، فربط العودة بذكرى الثورة يمنح سبتمبر وظيفة المصالحة على أساس الجمهورية، ويصبح التاريخ الذي أسس حق اليمنيين في حكم أنفسهم مدخلاً لاستعادة مواطنين إلى دولة يفترض أنها تتسع لهم، وفي ذلك معنى سياسي بالغ القوة وهو الاستناد لاستطاعة المرء أن يغادر موقعاً في الصراع من دون أن يطرد من الوطن، وأن يغير موقفه من دون أن تلاحقه هوية أبدية يصنعها خصومه.
ومن هذه الزاوية تتقدم أهمية تأكيد حماية المدنيين والممتلكات ومنع الانتقام، فهذه الالتزامات تحدد مضمون القوة التي يجري الحشد لها، أي قدرة الدولة على ضبط جنودها، وإنصاف الناس من تجاوزاتهم، وحماية من يعيشون تحت سيطرة خصومها، وهو دليل على أهليتها للحكم، أما المواطنون في مناطق الحوثيين فهم أصحاب حقوق كاملة، وتحريرهم من الخوف يقتضي أن يعرفوا بوضوح ما الذي ينتظرهم، ويمكن للطمأنينة أن تكون مورداً سياسياً حاسماً حين تسندها ممارسة مؤسسية يمكن اختبارها.
ويمتد هذا المنطق إلى مخاطبة القبائل وإلى الالتزام بمعالجة القضية الجنوبية، فاستنهاض القوة الاجتماعية يحتاج إلى إطار يحول التضامن إلى دعم للمؤسسات، ويمنع الثارات من إنتاج نزاعات جديدة، كما أن الاعتراف بالقضية الجنوبية، وتجديد الالتزام بمخرجات الحوار بشأنها، يضعان أمام معسكر استعادة الدولة مسؤولية بناء شراكة تتعامل بجدية مع المظالم والتطلعات المتعددة، إن وجود خصم مشترك لا يكفي وحده لبناء مشروع حكم مشترك؛ يحتاج ذلك إلى قواعد وضمانات وثقة تتجدد بالفعل.
ويستحق موقف الخطاب من التنازلات والسلام قراءة بالمستوى نفسه من الجدية، فقد قدم الرئيس تقييماً مفاده أن التنازلات أتاحت للجماعة إعادة تنظيم صفوفها والتصعيد مجدداً، ويمكن استخلاص حجة سياسية من هذا التقييم، موجزه (أن التسوية تحتاج إلى ضمانات وقدرة على حماية الالتزامات ومحاسبة من ينقضها، وحين تنفصل المفاوضات عن هذه الشروط، يصبح الزمن نفسه مورداً يستفيد منه الطرف الأقدر على إعادة إنتاج القوة)، لذلك فإن بناء الردع وتماسك الدولة يمكن أن يخدما سلاماً أكثر قابلية للاستمرار، وتظل قيمة أي مواجهة مرهونة بقدرتها على الوصول إلى هذا الأفق.
من هنا أؤيد المواجهة الشاملة مع المشروع الحوثي؛ مواجهة تجمع القدرة العسكرية المنضبطة بالقانون، والتماسك السياسي، والعمل الدبلوماسي، وحماية الاقتصاد، وتفكيك خطاب الامتياز، وتقديم نموذج حكم يستحق ثقة الناس، فشمول المواجهة يتعلق بتعدد أسباب القوة التي ينبغي بناؤها، وبقدرتها على معالجة الشروط التي تتيح للاستبداد أن يستمر، وتدخل فيها نزاهة الإدارة، وانتظام الخدمات والرواتب، واستقلال القضاء، وصيانة المجال المدني، لأن الناس يحتاجون إلى رؤية الدولة في حياتهم اليومية كي يثقوا بوعد استعادتها.
اللحظة الراهنة تفرض على القوى المناهضة للحوثي مسؤولية تتجاوز تأييد الخطاب، فعليها أن توحد قرارها العام، وتضبط تنافسها، وتربط الموارد بالأولويات الوطنية، وتضع تصوراً مسؤولاً لإدارة المناطق وحماية السكان واستمرار الخدمات، فكل حديث عن استعادة الدولة يتضمن حكماً على أداء أصحاب هذا الحديث، والجمهورية مطالبة بأن تثبت قدرتها على تصحيح أخطائها، وأن تجعل الاعتراض والمساءلة جزءًا من قوتها، إن الفارق الذي يلمسه المواطن بين مشروعين يبدأ من مقدار الأمان والعدل الذي يجدُه تحت سلطة كل منهما.
إن اجتماع القدرة الإقليمية، والإسناد الديني، والدعوة الوطنية في الأيام المحيطة بسبتمبر يفتح إمكاناً يستحق العمل الجاد، لكنه يحمل القيادة اليمنية واجب تحويل التأييد إلى مؤسسات، والتعبئة إلى انضباط، والعفو إلى ضمانات، والتحالف إلى شراكة تحمي استقلال اليمن، ولن يكتمل معنى هذه اللحظة إلا حين تتصل استعادة السيادة باستعادة المجتمع لقدرته على الحياة، من خلال مدرسة تعمل، ومحكمة تنصف، وأسرة تطمئن، وشاب يستطيع أن يتخيل مستقبلاً خارج الجبهة.
ذلك هو الأفق الذي يمنح المواجهة مشروعيتها ومعناها، أن يستعيد اليمنيون حقهم في دولة يكونون فيها متساوين، وأن تنتهي قدرة أي جماعة على احتجاز مصيرهم باسم النسب أو السلاح أو التفويض المقدس، وحين نضع هذا الأفق أمامنا، يصبح سبتمبر عهداً عملياً للمستقبل، أن تعود صنعاء إلى جميع اليمنيين، وأن يعود اليمني، أينما كان، إلى وطن لا يحتاج فيه إلى امتياز كي يعيش بكرامة.














