تعز لا تحتكم لترسانة عسكرية ولا تدار بمنطق الساطور والبندقية
الخميس 08 أكتوبر 2026 - الساعة 11:44 مساءً
كان بإمكان تعز أن تقدم النموذج الأمثل الذي تبنى عليه الدولة، وتسقط أمامها جميع المشاريع الانقلابية والضيقة. لكن القادة المتلاحقين، من الرئاسة السابقة إلى مجلس القيادة الرئاسي الحالي، تسببوا في كسر نموذج تعز حتى قبل أن تصل إليها ترسانة الانقلابيين ومدرعاتهم.
كان بإمكان قادة المجلس الرئاسي أن يدركوا مبكرًا أن حماية تعز تبدأ من بناء مؤسسات دولة قوية، واختيار قيادات تليق بتعز وبسطور تاريخها، ودورها، وحجمها الحضاري والمدني والثقافي.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
فمن وجهة نظري، لم يبدأ سقوط تعز يوم دخلت الأسلحة والمدرعات الانقلابية إلى ريفها، وإنما بدأ قبل ذلك بكثير ، يوم أُهملت مؤسساتها، وتعطلت عملية الإصلاح في المؤسستين العسكرية والمدنية، وأُقصيت الكفاءات الوطنية من أبناء المحافظة عن مواقع التأثير وصناعة القرار.
لقد تعاملت الرئاسة والحكومات المتعاقبة مع تعز، كأنها حصة وغنمية لجماعة بعينها ، لا مجتمعًا يمتلك من الكفاءات والطاقات والخبرات ما يؤهله للمشاركة الحقيقية في إدارة مؤسسات الدولة، وهنا تكمن المأساة.
تعز لم تكن تفتقر إلى الكوادر الشريفة والكفؤة، بل كانت تفتقر إلى قرار سياسي يعترف بهذه الكوادر ويشركها في صناعة القرار. إن إصرار المجلس الرئاسي والحكومة، في مراحل متعاقبة، على إعادة إنتاج سياسة التهميش والإقصاء، وحرمان الكوادر الوطنية من أبناء تعز من المشاركة الفاعلة في إدارة مؤسسات الدولة، هو ما راكم مأساة تعز وأوصلها إلى الفشل.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا:
من أضعف مؤسسات الدولة في تعز؟ومن أقصى الكفاءات القادرة على إدارتها؟ ومن ترك المحافظة تدفع ثمن صراعات المركز وحساباته؟
قد تستطيع دبابة أن تسيطر على شارع، وقد تستطيع بندقية أن تفرض أمرًا واقعًا، لكن لا تستطيع الدبابة أن تصنع شرعية، ولا تستطيع البندقية أن تبني مؤسسة، ولا يستطيع الساطور أن يصنع مستقبلًا.
تعز لا تُدار بالبندقية ولا بالساطور، ولا تختزل في قائد، ولا تُختصر في جماعة، ولا يمكن إخضاعها بمنطق القوة.
تعز أكبر من كل المشاريع التي تحاول مصادرة قرارها، وأعمق من كل الحسابات التي تريد تحويلها إلى ساحة نفوذ. إنها مدينة الثقافة، والمدرسة، والصحافة، والسياسة، والمجتمع المدني، ومن العبث التعامل معها باعتبارها مجرد رقعة عسكرية.
ولهذا فإن أي مشروع يريد إدارة تعز من خارج مؤسسات الدولة، أو عبر القوة والإقصاء، سيصطدم عاجلًا أم آجلًا بحقيقة واحدة بأن تعز تدار بقوة القانون لا بقوة السلاح ..
وإذا كان ثمة درس ينبغي أن نتعلمه من سنوات الحرب، فهو أن إسقاط المدن لا يبدأ دائمًا من الجبهات؛ بل يبدأ أحيانًا من مكاتب القرار، عندما تقصى الكفاءة، ويكافأ الولاء، ويهمل الإصلاح الإداري ، وتدار بمنطق النفوذ بدلًا من منطق المؤسسة والقانون.
لذلك، فإن استعادة تعز لا تعني فقط استعادة ما فقدته عسكريًا، بل تعني قبل ذلك استعادة مؤسساتها، وإعادة الاعتبار لكفاءاتها، وفتح المجال أمام كوادرها الوطنية للمشاركة في صناعة القرار وإدارة شؤونها ضمن مؤسسات الدولة.
أما الذين يعتقدون أن بإمكانهم صناعة مستقبل تعز بالبندقية، أو إدارة مجتمعها بالساطور، أو إقصاء أبنائها من مواقع القرار، فعليهم أن يدركوا أن المدن لا تهزم إلى الأبد، وأن المجتمعات التي تمتلك هذا الرصيد من الوعي والثقافة لا يمكن اختزال مستقبلها في قوة السلاح.
تعز قد تتعثر، وقد تحاصر، وقد ترهقها الحرب، لكنها لن تصبح مشروعًا لأحد.
فهي ليست غنيمة سياسية، ولا مزرعة نفوذ، ولا ساحة لتصفية الحسابات
تعز وطن داخل الوطن، ومشروع دولة لا مشروع بندقية.
.














