من وثيقة الشرف القبلي لمدونة السلوك الوظيفي.. كيف حوّل الحوثي القبيلة والمؤسسات إلى محرقة لتعز والمخا؟

الاحد 11 أكتوبر 2026 - الساعة 02:28 صباحاً

 

ظل سؤالٌ يؤرقني ويتردد في أروقة الفكر والإعلام كلما شاهدت مشاهد التعبئة العسكرية والاستعراضات التي تنظمها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها: كيف استطاعت هذه الجماعة السلالية أن تدفع مشايخ قبائل وموظفين في أجهزة الدولة إلى الانخراط في مشروعها القتالي، بينما كان كثير من المواطنين يعتقدون جازمين أن هؤلاء سيكونون في مقدمة الصفوف الرافضة للانقلاب، والمدافعة عن الجمهورية ومؤسساتها، والواقفة في وجه الانتهاكات الفجة التي طالت الشعب اليمني؟ كيف انتقل شيوخ القبائل من موقع يُفترض أنه يحمي المجتمع ويصون توازنه ويمنع طغيان الميليشيا، إلى أدوات للتحشيد ورفد المحارق؟ وكيف تحولت الوظيفة العامة، التي قامت فلسفتها على خدمة المواطنين ورعاية مصالحهم، إلى ثكنة للتعبئة الفكرية والعسكرية ومفرخة للمقاتلين؟ ولماذا يتجدد هذا الارتباط العضوي المريب بين تطويع القبيلة والمؤسسة وبين استمرار شريان الحرب والقتال وحصار تعز واستهداف المخا والساحل الغربي؟

 

إن المتأمل في عمق تجربة السيطرة الحوثية منذ التمدد الغاشم واجتياح العاصمة صنعاء عقب سبتمبر 2014، يدرك أن الجماعة لم تترك مسألة تطويع المجتمع للصدفة أو للقناعات الأيديولوجية المجردة؛ فالحوثي لم يحتج إطلاقًا إلى إقناع الجميع بمشروعه الفكري والعقائدي حتى يستفيد منهم في معركته، بل تكفّل بتصميم استراتيجية هندسية مرعبة للسيطرة المزدوجة، اعتمدت على أداتين رئيسيتين: «وثيقة الشرف القبلي» و«مدونة السلوك الوظيفي». لقد كفت هذه المنظومة الجماعة عناء إقناع الجميع بمشروعها، إذ جعلت بعض القادة والشخصيات شركاء في المصلحة والنفوذ، وأخضعت آخرين لسوط الخوف والترهيب، فيما وجدت فئة ثالثة نفسها محكومة بضغط الحاجة الاقتصادية والابتزاز الوظيفي والاجتماعي، بينما يتولى الموالون والمؤدلجون إدارة هذه الشبكة وقيادة التعبئة والتحشيد الميداني.

 

شكّلت «وثيقة الشرف القبلي» الضربة القاضية والأخطر للعرف القبلي اليمني الأصيل؛ إذ نسخت، وفق هذا الطرح، التقاليد والأعراف الموروثة التي جعلت من القبيلة على مر التاريخ ملجأً وملاذًا للمظلومين وحصنًا ضد الاستبداد، وحولتها بموجب بنودها المكتوبة إلى هيكل تسلطي يُشرعن مأسسة التجنيد الإجباري. فرضت الوثيقة، بحسب ما ورد في هذا السياق، على كل قبيلة وعُزلة ومخلاف وقرية حصصًا بشرية ومالية منتظمة تُجبى قسرًا تحت مسمى «المجهود الحربي»، ومن يتخلف عن السداد أو رفد الجبهات يُعتبر خارجًا عن الإجماع القبلي. ولم تكتفِ الوثيقة بتجريد القبيلة من حيادها الأخلاقي، بل استحدثت بندًا بالغ الخطورة هو «العزل الاجتماعي والقبلي»؛ وهو بند يتيح، وفق ما يورده المقال، التبرؤ من المعارضين وإسقاط الحماية القبلية عنهم، وصولًا إلى استباحة أموالهم وتفجير منازلهم وتهجيرهم، باعتبارهم «خونة للعرف والوطن». وبالتوازي مع ذلك، أقدمت الجماعة على إزاحة كبار مشايخ الضمان التاريخيين الذين أبدوا أي قدر من الحياد أو الرفض، واستبدالهم بأدوات صنيعة تُسمى «مشايخ المجهود الحربي»، الخاضعين كليًا لإمرة «المشرف الاجتماعي» الحوثي، بهدف قمع التعددية السياسية وإلغاء أي صوت معارض داخل البيئة القبلية.

 

وعلى الضفة الأخرى، جاءت «مدونة السلوك الوظيفي» لتكمل طوق الإحكام والسلطة المطلقة على سكان المدن والقطاع المدني؛ حيث استغلت الجماعة جريمة قطع مرتبات الموظفين وسياستها في التجويع الممنهج لتحويل الموظف اليمني إلى سخير محاصر بين سيف الحاجة وسوط العقاب. ومن خلال هذه المدونة ونظام «المشرفين»، جُرّد المعلم والأكاديمي والمهندس والطبيب والإداري والفراش من استقلاليته المهنية، وأصبح البقاء على قيد الحياة وظيفيًا واجتماعيًا مرهونًا، وفق هذا التحليل، بمستوى الولاء الحوثي والمشاركة في أنشطة التعبئة. والمذهل والمروع هنا، وفق ما وثقته وتابعته في الإعلام الرسمي والمنابر التابعة للجماعة، أن الأمر لم يقف عند حدود التلقين الفكري والتأثير الثقافي، بل تعداه إلى إخضاع كوادر وموظفي أجهزة الدولة المدنية لتدريب عملي وميداني حقيقي على مختلف أنواع السلاح، في سياق التعبئة والتحشيد العسكري. لقد أصبح الموظف والشيخ والمواطن أمام معادلة قسرية ثلاثية لا مفر منها، بحسب ما يطرحه المقال: إما الذهاب بنفسه للقتال في الجبهات، أو الدفع بأحد أبنائه للتحشيد، أو دفع فدية مالية وإتاوات باهظة تصل إلى عشرة ملايين ريال سنويًا لتجهيز مقاتل بديل.

 

إن هذا التطويع الممنهج لم يقم على التنظير النظري، بل تجسّد عبر شبكة معقدة ودقيقة من «الدورات» التي استغلت فيها الجماعة موارد المجتمع والدولة لحشد الطاقة الحربية؛ حيث شكّلت الدورات الفكرية والعسكرية الأداة الأخطر التي اعتمدت عليها الميليشيا لإحكام قبضتها الميدانية. وبدأت هذه السلسلة أواخر عام 2014 بـ«دورات اللجان الشعبية» التي أُنشئت، وفق ما يرد في هذا السياق، معسكراتٍ تأهيلية سريعة لمسلحي الجماعة القادمين من صعدة، لإدماجهم وتوزيعهم كبدلاء عن الكوادر الأمنية والعسكرية الرسمية في المعسكرات وأقسام الشرطة والوزارات. ومع توسع رقعة المواجهات في عام 2015، انتقلت الجماعة إلى دورات الحشد القبلي المكثفة تحت مسمى «دورات رفد الجبهات والمجهود الحربي»، لتدريب أبناء القبائل سريعًا على السلاح الخفيف والمتوسط ثم دفعهم إلى المعارك، وترافق ذلك لاحقًا مع استغلال المناسبات الدينية لتنظيم «دورات الرسول الأعظم» بوصفها معسكرات نوعية لتطوير المهارات الميدانية وحرب الشوارع. ولم يتوقف الأمر عند العسكر، بل امتد إلى الفضاء المدني والمؤسسي عبر «الدورات الثقافية» المتدرجة، بدءًا من «الدورة التنشيطية» التمهيدية المحلية لكسر الحاجز النفسي لدى عامة المواطنين، مرورًا بـ«الدورة الأساسية الثقافية المغلقة» التي يُعزل فيها، بحسب المعلومات الواردة في المقال والتي تحتاج إلى إسناد موثق، الموظفون والأكاديميون ومديرو العموم لمدة 21 يومًا في أماكن سرية ومن دون هواتف، لتلقي ملازم الجماعة وتكريس الطاعة المطلقة، وصولًا إلى «دورة المشرفين العليا» المخصصة للعناصر السلالية والموثوقين لإعدادهم كحكام مطلقين للمؤسسات والمديريات، وتساندهم «دورات الزينبيات» الأمنية والمستورة لبناء جناح استخباري نسائي لقمع القطاع النسائي وحشده. أما النشء والطلاب، فقد صُممت لهم «دورات الهوية الإيمانية والثقافة القرآنية» في المراكز الصيفية بالمدارس والمساجد لغرس الملازم في عقولهم وتسهيل نقلهم لاحقًا إلى معسكرات التدريب، ليُتوَّج هذا الخنق المؤسسي مؤخرًا بـ«دورات طوفان الأقصى» ضمن معركة «الفتح الموعود والجهاد المقدس»، التي استُغلت فيها عواطف اليمنيين تجاه فلسطين لفرض تجنيد إجباري علني وشامل طال الموظفين والطلاب والقبائل، والعمل على إنشاء جيش شعبوي موازٍ.

 

لقد انعكست مخرجات هذه المنظومة المركبة بشكل مباشر وفادح على جبهات تعز والمخا والساحل الغربي، حيث يستمر الحوثي في خوض معاركه واستنزاف دماء اليمنيين وحصار المدن عبر هذه الخزانات البشرية المُكرهة والموجّهة. وإن استمرار القتال في هذه الجبهات بالذات يجعل من الضروري فتح ملف التعبئة والتجنيد على أساس المعلومات والوقائع الموثقة: فمن أين يأتي المقاتلون الجدد؟ وما دور المشايخ في حشدهم؟ وما الجهات التي تنظم التدريب؟ إن نظرة على المكاتب والمؤسسات الحكومية التي انخرطت، وفق الأخبار المنشورة التي ينبغي ربطها بأسماء الجهات وتواريخ الدورات، في دورات التدريب الميداني العسكري، تثير تساؤلات جدية بشأن تحويل الجهاز الإداري للدولة إلى ساحة للتعبئة والتحشيد. لقد شمل هذا الملف، بحسب ما يورده المقال، كوادر وموظفين من الأمانة العامة لمجلس النواب، ومكتب رئاسة الجمهورية، ووزارة المالية، ووزارة الخدمة المدنية، ووزارة الإدارة المحلية، ووزارة الأوقاف والإرشاد، ووزارة الصحة العامة والسكان، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة العدل والنيابة العامة، ووزارة النقل، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزارة الأشغال العامة والطرق، ووزارة الإعلام، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الزراعة والري، ووزارة المياه والبيئة، فضلًا عن السلطات المحلية ومكاتبها التنفيذية في المحافظات، والجامعات والمدارس، والمستشفيات والمرافق الصحية، والبلديات وصناديق النظافة والتحسين.

 

ولم يقف الحوثيون عند حدود عسكرة مؤسسات صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتهم، بل سعوا إلى إبقاء شريان القتال متدفقًا ونفوذهم متمددًا نحو حيس والخوخة والمخا وذوباب وباب المندب وتعز، عبر استغلال الفجوات والثغرات الناجمة عن الاختلالات الخدمية والإدارية وتراجع أداء المؤسسات الرسمية في المناطق المحررة. واعتمدت الجماعة في هذا الصدد على شبكة معقدة من الأدوات المتداخلة التي شملت الترغيب والترهيب، وتوظيف المصالح الشخصية، والضغوط الاقتصادية، وتقديم منافع مادية وامتيازات ونفوذ لبعض الوجاهات المحلية مقابل تسهيل التحشيد وإبقاء الاختراق قائمًا. وحين يعجز المواطن عن تأمين أدنى مقومات الحياة لأسرته في ظل تدهور المعيشة وانقطاع الدخل، تتحول المساعدات الشحيحة والوعود إلى أداة مساومة على الموقف والمصير، ناهيك عن استخدام التهديد الصريح والتشهير بالمعترضين، وتوجيه الرسائل المباشرة والشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي لاختراق النسيج الاجتماعي والعسكري وتفكيك خطوط المقاومة.

 

إن كشف هذه الآليات وتوثيقها بالحقائق والأرقام والأسماء المنشورة لا يأتي في باب الاتهام المرسل أو الافتراض السياسي، بل هو مدخل واجبي وأساسي لفك معضلة التمويل والتحشيد التي تذكي نار القتال في تعز والمخا وتطيل عمر الانقلاب. إنها معركة وعي وتوثيق تقتضي منا، كُتّابًا وصحفيين، التمييز الدقيق والشديد بين المنتفعين أصحاب المصالح الذين انخرطوا بحماس في مشروع السلالة لتوسيع نفوذهم ومكاسبهم الذاتية، وبين الغالبية المكرهة والمغلوبة على أمرها التي خضعت تحت سيف التهديد والابتزاز المباشر وتضييق الخناق على لقمة العيش، وبين من رفضوا الانصياع وتحملوا تبعات موقفهم الشجاع، والتي وصلت في حالات عديدة، بحسب الوقائع التي ينبغي توثيقها، إلى التصفية والملاحقة وتفجير المنازل.

 

إن استعادة الدولة والجمهورية لا تبدأ فقط من جبهات القتال، بل تبدأ من تفكيك هذه الوثائق والمدونات، وسد الفجوات الخدمية والإدارية والأمنية في المناطق المحررة، وتعميق الوعي بمدى التجريف الذي أحدثه الحوثي في الهوية الوطنية والوظيفة العامة والنسيج القبلي. يجب أن تكون هذه الحقائق والمشاهد مرجعًا تاريخيًا وقانونيًا موثقًا يستند إليه اليمنيون والباحثون في معركة التحرر الشامل، لضمان إنصاف الضحايا والمُكرهين، ومحاسبة المتورطين والجناة، وتطهير مؤسسات الدولة والقبيلة اليمنية من آثار هذا التدجين الممنهج، واستعادة كرامة الإنسان اليمني وحريته.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس