أحداث تعز الأخيرة بين إنهاك المواطن وخيبة الأمل في الحلفاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - الساعة 10:52 مساءً
ليس كل تراجع عن مشروع التغيير خيانة، وليس كل من فقد حماسه للمواجهة قد تخلى عن مبادئه وقناعاته. فهناك فرق كبير بين خيانة المبادئ وبين الوصول إلى مرحلة من الإنهاك وفقدان الثقة، بعد سنوات طويلة من التضحيات التي لم تحقق للمواطن الحد الأدنى من تطلعاته.
لقد أنهكت عشر سنوات من الحرب والجوع والفقر والحصار الاقتصادي المواطن اليمني، وأضعفت ثقته بجدوى الاستمرار في تحمل كلفة الصراع، خاصة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع رواتب الموظفين، وانتشار الجبايات، وعجز الحكومة عن فك الحصار وتوفير الخدمات الأساسية وحماية المواطنين من الأعباء الاقتصادية المتزايدة.
وجاءت أحداث تعز الأخيرة لتكشف حجم التحولات في المزاج الشعبي، وتراجع حماسة المواطن تجاه مشروع التغيير، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل هذا التراجع يمثل خيانة، أم أنه نتيجة طبيعية لتراكم الخيبات والمعاناة؟
إن ما شهدته تعز مؤخراً يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على تغير أولويات المواطن وتراجع استعداده لتحمل المزيد من التضحيات. فالمواطن الذي كان مستعداً بالأمس للدفاع عن مشروع التغيير، أصبح اليوم أكثر انشغالاً بتأمين قوت أطفاله، والحفاظ على أمن أسرته، والبحث عن حياة كريمة بعيداً عن الصراعات التي لا تنتهي.
وتبرز هنا مسؤولية الحكومة والحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي علق عليها كثير من اليمنيين آمالاً كبيرة في دعم الشرعية، وفك الحصار، وتحقيق الأمن والاستقرار. غير أن استمرار المعاناة الاقتصادية والإنسانية، وتدهور الخدمات، وغياب الحلول المستدامة، جعل قطاعات من المواطنين تشعر بالخذلان، وتتساءل عن جدوى سنوات من التحالفات والتضحيات التي لم تنعكس بصورة ملموسة على حياتهم اليومية.
فالمواطن لا يقيس نجاح التحالفات بحجم التصريحات السياسية أو الوعود المتكررة، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من أمن واستقرار ورواتب منتظمة وخدمات أساسية وحياة كريمة. ومن هذا المنطلق، فإن الشعور بالخذلان لا يقتصر على الدور السعودي، بل يمتد إلى الحكومة اليمنية ومختلف الأطراف التي تتحمل مسؤوليات سياسية واقتصادية وأخلاقية تجاه المواطن.
إن عام 2026 ليس كعام 2015، والكل يدرك ذلك. فالظروف تغيرت، وأولويات الناس تبدلت، ومستوى الصبر الشعبي لم يعد كما كان في بداية الحرب. ولم يعد من المنطقي مطالبة المواطن بمزيد من التضحيات، بينما تستمر الأطراف المختلفة في العبث بمصيره، والمتاجرة بمعاناته وأمنه ومستقبله.
إن تراجع الحماس لا يعني التخلي عن المبادئ، وإنما يعكس حالة من الإنهاك وفقدان الثقة في قدرة القوى السياسية والعسكرية على تحقيق الأهداف التي رفعتها طوال سنوات الحرب. ومن يريد استعادة ثقة المواطن بمشروع التغيير، فعليه أن يقدم له أملاً حقيقياً لا شعارات جديدة، وأن يثبت أن هذا المشروع يسعى إلى حماية الإنسان وتوفير حياة كريمة له، لا إلى تحميله المزيد من كلفة الصراعات.
فالمواطن اليمني لم يعد مستعداً لأن يكون وقوداً لحروب تستفيد منها أطراف داخلية وخارجية، بينما يظل هو الخاسر الأكبر، يدفع الثمن من أمنه وكرامته وقوت أطفاله.
إن أحداث تعز الأخيرة تستدعي قراءة سياسية واجتماعية عميقة، بعيداً عن التخوين وتوزيع الاتهامات. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى من يشكك في وطنيته، بل إلى من يفهم معاناته ويعيد إليه ثقته بالمستقبل.
والخلاصة أن استعادة ثقة المواطن لا تكون باتهامه بالخيانة، بل بمعالجة أسباب إحباطه، والوفاء بالالتزامات تجاهه، وإعادة الاعتبار لحياته وكرامته. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا يمكن مطالبة الإنسان بالدفاع عن المستقبل بينما يُحرم من أبسط مقومات الحياة في الحاضر.
فليس كل من تراجع عن المواجهة خائناً، فقد يكون أكثر الناس إخلاصاً لوطنه، لكنه أدرك بعد عشر سنوات من المعاناة أن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الضحايا، بل إلى حياة تستحق أن تُعاش.














