مفارقات الميليشيات: حين يطالب القتلة ضحاياهم بالأخلاق
الجمعه 23 أكتوبر 2026 - الساعة 01:22 صباحاً
يثير الاستغراب أن يتصدر بعض المحرّضين على العنف والقتل مشهد الوعظ الأخلاقي، فيغضبون من الشتائم والسباب، ويتحدثون عن ضرورة احترام الخصوم، بينما يتجاهلون التحريض على القتل وتبرير العنف وانتهاك كرامة النساء وأعراضهن، في مفارقة تكشف حجم التناقض بين الشعارات التي يرفعونها والممارسات التي يدافعون عنها. وفي مشهد سوريالي، يطالعنا أنصار الجماعات المسلحة الإرهابية بين الحين والآخر بحملات استنكار واستهجان، متخذين صفة «الضحية الأخلاقية»، ومبدين صدمتهم من حدة الانتقادات والتعبيرات الغاضبة الموجهة ضدهم، وكأنهم عابرو سبيل مسالمون، وليسوا أطرافاً في حرب استباحت الأرواح والأعراض.
نحن اليوم نواجه عقلية العصور الظلامية في زمن الدولة الحديثة. يا هؤلاء، أنتم في عام 2026، لا في القرنين السابع عشر أو التاسع عشر، حين كانت بعض القوى الاستعمارية تفرض إرادتها بقوة السلاح، وتتعامل مع الشعوب وكأنها ممتلكات تُنتزع بالقوة، وفق منطق أن من يمتلك البندقية والمدفع والصميل هو صاحب الحق والسيطرة. لقد تغيّر العالم، وأصبحت كرامة الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها من المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول والمجتمعات، ولم يعد حمل السلاح يمنح أحداً حق اقتحام حياة الآخرين أو فرض مشروعه عليهم بالقوة.
ومن المثير للدهشة أن يظن البعض أن منطق فرض السيطرة بقوة السلاح، وجلب المسلحين من أصقاع الأرض لفرض هيمنة قسرية بلا سند قانوني أو تفويض شعبي أو ميثاق وطني، ما زال صالحاً للتطبيق. فبأي حق يأتي مسلحون مدججون بالبنادق والمدافع والصواريخ من خارج مناطقهم لمهاجمة أناس لا تربطهم بهم بيعة، ولا اختاروهم عبر انتخابات، ولا تجمعهم بهم مواثيق أو اتفاقات؟ وبأي منطق تُفرض الوصاية على اليمنيين، وكأن البلاد ملكية خاصة لجماعة أو أسرة أو سلالة، وكأن إرادة الناس وحقهم في الدفاع عن أنفسهم لا قيمة لهما؟
الأخطر من ذلك أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، من منصات للتواصل وتبادل المعرفة إلى أدوات للتحريض على القتل والكراهية والتشهير بالخصوم واستهداف النساء بسبب مواقفهن أو مساندتهن للمقاومة. فلم تكتفِ هذه الجماعات بالعنف الميداني، بل امتد خطابها إلى الفضاء الرقمي، حيث يجري توظيف المنصات للتحريض على قتل الأنفس المعصومة ديناً وقانوناً، وتأجيج الكراهية، واستهداف كل من يرفض مشروعها أو يقف في مواجهته.
والأدهى من ذلك هو التمادي في الخوض في شرف النساء اليمنيات الحرائر وأعراضهن، ممن وقفن بصلابة مساندات للمجتمع والمقاومة. ومن مظاهر هذا الانحدار أن يعمد بعض المحسوبين على هذا الخطاب إلى السخرية والاستهزاء بنساء يمنيات أصيلات وشريفات وعفيفات، والنيل من سمعتهن والتشكيك في أعراضهن، لمجرد أنهن اتخذن موقفاً مؤيداً للمقاومة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين الدين الذي تتحدثون باسمه؟ وأين الأخلاق التي ترفعون شعاراتها، وأنتم تعرفون خطورة انتهاك الحرمات، ولديكم نساء وأخوات؟ وكيف يمكن لمن يدّعي الغيرة على القيم أن يسمح بتحويل صفحته إلى ساحة للسب والقذف والتشهير، وأن يفتح المجال لكل سافل ورخيص ومارق للإساءة إلى النساء والنيل من كرامتهن؟
إن الاختلاف السياسي لا يمنح أحداً الحق في انتهاك الأعراض، كما أن مساندة المقاومة لا تسقط عن المرأة حقها في الاحترام والحماية من حملات التشهير والتحريض. أنتم لا تقدمون مشروعاً سياسياً يؤسس لقبول شعبي قائم على التنافس والاختيار، بل تحملون السلاح والقتل والإرهاب، وترفضون السياسة والسلام بمختلف أشكالهما، وترفضون صناديق الاقتراع التي تأسس عليها النظام الجمهوري في اليمن. فحين يُستخدم الخطاب الإعلامي للتحريض على إيذاء أصحاب الرأي والموقف السياسي، أو لتبرير الاعتداء على الأنفس المعصومة، فإن القضية تتجاوز الخلاف في الرأي لتصبح مسألة أخلاقية وقانونية تستوجب المساءلة متى توافرت الأدلة على وقوع أفعال مجرّمة.
وحين تحاول جماعات مدججة بالسلاح، تخدم مشروعاً قائماً على العنف وتستند إلى تحالفات ومصالح خارجية، أن تستهدف امرأة يمنية أصيلة وعفيفة لمجرد موقفها الوطني، ثم تتباكى لاحقاً على «آداب الحوار» و«الأخلاق»، فإننا أمام قمة التناقض السياسي والأخلاقي. إن محاولة إسكات الأصوات الحرة بالسخرية والاستهزاء، بينما تُفتح الصفحات أمام كل من يريد توزيع التهم والشتائم والتشهير بالخصوم، تفضح زيف ادعاءات تلك الأطراف التي تتشدق بالدين والأخلاق، بينما تنتهك أبسط حرمات الإنسانية. ومن يدّعي الدفاع عن الدين والأخلاق، عليه أن يبدأ باحترام كرامة الإنسان، وألا يجعل النساء أهدافاً لحملات الإساءة، وألا يخلط بين الخصومة السياسية والتعدي على الحرمات.
أما المفارقة الأكثر وضوحاً، فهي أن نرى من يبررون العنف ويدافعون عن جماعات متهمة بارتكاب الانتهاكات، يتحدثون فجأة عن عيب الشتائم وخطورة اللعن، ثم يلوّحون للآخرين بمصير القتل أو الاستعباد إذا لم يخضعوا لإرادتهم. وكأن المطلوب من الضحية أن تحافظ على هدوئها وعباراتها المهذبة وهي تواجه القتل والاستعباد، بينما يُسمح للمعتدي بأن يحمل سلاحه ويهدد حياة الناس ويصادر حرياتهم.
نعم، نحن مع الكلمة المسؤولة، وضد الإساءة إلى الأعراض، وضد تحويل الخلافات إلى حملات سب وقذف. لكن الأخلاق لا تُجزّأ، ولا يجوز أن تتحول إلى سلاح انتقائي يُستخدم لإدانة ردود أفعال الناس، بينما يُمنح المحرّضون على العنف حصانة من النقد والمساءلة. ليس من المنطق أن تطالبوا الناس بتهذيب ألفاظهم وأنتم تتجاهلون حقهم في الحياة والحرية والكرامة، وليس من الأخلاق أن تستنكروا الشتيمة ثم تصمتوا عن التحريض على القتل، أو تبرروا الاعتداء على النساء، أو تدافعوا عن مشروع يريد إخضاع المجتمع بقوة السلاح.
إن هذا المقال هو ردي الصريح على كل من يطالب أبناء تعز بالأخلاق، بينما يبرر للقتلة والمجرمين ويدافع عن ممارساتهم. أتحدث هنا عن أطفال تعز وأبنائها الذين لا يملكون سوى التعبير والرفض في مواجهة جماعة إرهابية مارقة، انطلق مشروعها من خلفية أيديولوجية مرتبطة بقم والحوزات، وترسخ في معاقلها بمران، ثم تمدد بقوة السلاح حتى أصبحت الصواريخ والبنادق والمدافع أدوات لفرض إرادتها على اليمنيين، ومهاجمة بيوتهم وقراهم وأماكن لعب أطفالهم، محولة جمال تعز وطبيعتها وطمأنينة أهلها إلى مشاهد من الخراب والحريق والخوف.
هؤلاء الأطفال الذين يفترض أن ينشغلوا بألعابهم ومدارسهم وأحلامهم، يجدون أنفسهم أمام مشاهد الحرب وأصوات القذائف وتهديدات الموت، ثم يأتي ناشطو الميليشيات ومحرضوها ليطالبوهم بالأخلاق والاحترام! على ماذا تريدون من أبناء تعز أن يبثوا لكم مشاعر الود؟ هل تقصفون منازلهم وتروّعون أطفالهم، ثم تريدون منهم أن ينثروا لكم الورد والياسمين والمشاقر المرصعة بالفل، وأن يتركوا لكم منازلهم وأسرّتهم وغرف نومهم، وكأنهم ضيوف في أرضهم وأنتم أصحاب الحق فيها؟
عن ماذا تتحدثون يا ناشطي الميليشيات؟ وماذا أبقيتم لأبناء الأرض حتى تطالبوهم باحترام من يعتدي عليهم؟ ماذا أبقيتم للأخلاق والمنطق حين تنتصرون لجماعة جاهلة ومجموعة قتلة، وتدافعون عن مشروع يسعى إلى فرز الناس وإخضاعهم بقوة السلاح؟ هل أصبح المطلوب من أبناء تعز أن يعتذروا عن غضبهم، بينما لا يُطلب من المعتدي أن يتوقف عن قصف منازلهم؟ وهل بات التعبير عن الألم والجريمة التي يعيشونها أخطر في نظركم من الجريمة نفسها؟
إن أبناء تعز ليسوا مطالبين بتقديم الورود لمن يقصف بيوتهم، ولا بتوزيع المشاقر على من يرعب أطفالهم، ولا بالتزام الصمت حتى لا تتأذى مشاعر المحرضين. من حقهم أن يرفضوا الظلم، وأن يعبروا عن غضبهم، وأن يدافعوا عن أرضهم وكرامتهم وحريتهم، وأن يواجهوا خطاب الميليشيات بالنقد والكشف والمحاسبة. وفي الوقت نفسه، فإن رفض الاعتداء على الأعراض والإساءة إلى الأبرياء مبدأ يجب أن يسري على الجميع، لا أن يتحول إلى ذريعة لإسكات الضحايا وتبرئة المعتدين.
ويبقى المشهد الأكثر عبثية هو مطالبة من يمارسون القتل والتنكيل والتجريف لنسيج المجتمع اليمني بأن يظل ضحاياهم «مهذبين»، وهم يواجهون مصيرهم بين القتل أو الاستعباد. أول مرة أرى قتلة ومجرمين يقولون: «عيب تسب وعيب تلعن»، وفي الوقت نفسه يفرضون على الضحية أن تواجه القتل أو الاستعباد وهي محافظة على أقصى درجات الأدب والأخلاق! إنهم يريدون من الناس أن يحترموا مشاعرهم، بينما لا يحترمون حق الآخرين في الحياة، ويريدون ضبط كلمات الضحايا، بينما لا يضبطون سلاحهم ولا خطاب التحريض الذي يستهدف المجتمع.
إن المشكلة ليست في أن يختلف اليمنيون أو يتبادلوا الانتقادات، بل في أن يحاول البعض فرض الصمت على ضحايا العنف، بينما يمنحون أنفسهم حق التحريض والتهديد والتشهير. إن من أسقطوا معايير الأخلاق والمنطق في صراعاتهم لا يملكون ترف إعطاء الدروس في الآداب العامة لضحاياهم؛ فالأخلاق الحقيقية تُقاس بالمواقف حين تكون الحقوق والحريات وكرامة الإنسان على المحك، لا بالشعارات التي تُرفع لتغطية التناقضات والانتهاكات.
العدالة الأخلاقية المقلوبة
إنها العدالة الأخلاقية المقلوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ حين يطالب القتلة ضحاياهم بالأخلاق، والمعتدون باحترام مشاعرهم، والمحرضون على العنف بضبط الألفاظ، بينما يُترك أطفال تعز تحت تهديد الصواريخ والمدافع، وتُستباح المنازل، وتُروَّع النساء، ويُحرم الناس من أبسط حقوقهم في الأمن والكرامة والحياة. يريدون من الضحية أن تبتسم في وجه من يعتدي عليها، وأن تقدم الورود لمن يقصف منزلها، وأن تلتزم الصمت حتى لا تجرح مشاعر من يهددها بالقتل أو الاستعباد.
ماذا أبقيتم للأخلاق حتى تطالبوا بها؟ الأخلاق ليست انتقاءً للكلمات مع تجاهل الدماء، ولا موعظة تُوجَّه إلى الضحايا لتبرئة المعتدين؛ بل موقف يبدأ باحترام الإنسان وحقوقه، ومحاسبة من يعتدي عليه ويحرض على قتله. أما أن تقصفوا البيوت وتروّعوا الأطفال، ثم تحاكموا الضحايا على كلمات غضبهم، فذلك ليس دفاعاً عن الأخلاق، بل محاولة لقلب الحقائق وإسكات المظلوم وحماية المعتدي من استحقاق المساءلة.
فالعار ليس في أن يغضب طفل تعز على بيته الذي يتعرض للقصف، ولا في أن يصرخ أبٌ دفاعاً عن أسرته، ولا في أن ترفض امرأة يمنية الإذلال والتشهير؛ العار في أن يطالب المعتدي ضحاياه باحترامه، وأن يتباكى المحرّض على الأخلاق، بينما يتجاهل حقوق الإنسان وكرامته. ومن أراد أن يتحدث عن الأخلاق، فليبدأ بوقف الاعتداء على الناس، واحترام حرياتهم، وصون أعراضهم، والكف عن تهديد حياتهم. أما أن يطالب القتلة ضحاياهم بالأخلاق، فذلك ليس موعظة أخلاقية، بل محاولة فاضحة لقلب الحقائق وإسكات المظلوم وحماية المعتدي من غضب الناس ومساءلتهم.














