حين تسرق تضحيات الشعوب ويعاد إنتاج الاستبداد

السبت 24 أكتوبر 2026 - الساعة 11:06 مساءً

 

م تكن المأساة الكبرى للانتفاضات والثورات العربية في عجز الشعوب عن مواجهة الظلم، بل في إخفاقها في تحويل تضحياتها إلى مؤسسات ديمقراطية راسخة تؤسس لدولة القانون والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية. فقد نجحت الشعوب في كسر حاجز الخوف وإسقاط أنظمة مستبدة، لكنها أخفقت مرارًا في منع إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال ووجوه جديدة.

تكمن المفارقة في أن الثورات التي انطلقت من أجل الحرية والكرامة انتهت، في حالات عديدة، إلى تمكين قوى انتهازية استثمرت تضحيات الجماهير للوصول إلى السلطة، ثم حولت الدولة إلى أداة لخدمة مصالحها وبناء مراكز نفوذها. وهكذا استبدل مستبد بآخر، وتحولت شعارات الثورة إلى غطاء لاستبداد جديد، جمع أحيانًا بين القمع السياسي والوصاية الدينية.

لقد كشفت تجارب الربيع العربي أن إسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط منظومة الفساد و الاستبداد ،  فغياب المؤسسات الديمقراطية والتنظيمات المدنية الراسخة أتاح للقوى الأكثر تنظيمًا، لا الأكثر إيمانًا بالديمقراطية، اختطاف مسار التغيير وإقصاء المطالب الشعبية. وأسهمت كذلك حسابات بعض القوى الدولية والإقليمية، التي قدمت مصالحها على إرادة الشعوب، في إضعاف المسارات المدنية وقوى الحداثة  ودعم قوى سلطوية وتقليدية، الأمر الذي ساعد على إطالة أمد الصراع وإعادة إنتاج التبعية والاستبداد.

ومع كل دورة من العنف، تتسع رقعة الفقر، وتهدر كرامة المواطن، وتتراجع فرص التنمية والحداثة، بينما تتعزز مصالح القوى المستفيدة من الفوضى، وتستعيد العصبيات الطائفية والقبلية نفوذها على حساب المواطنة والدولة الحديثة.

إن جوهر الأزمة العربية ، والأزمة اليمنية على وجه الخصوص  ليس غياب الرغبة في الحرية، بل غياب الضمانات المؤسسية التي تحميها. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو استبدال نخبة بأخرى، وإنما نظام يقوم على استقلال القضاء، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، والمساءلة، والعدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق والحريات.

إن التضحيات لا تحمي نفسها، والثورة التي لا تتحول إلى مؤسسات ديمقراطية تظل عرضة للاختطاف. ولن تنكسر دائرة الاستبداد إلا حين تصبح الدولة ملكًا للمواطنين لا غنيمة للمنتصرين، وحين تتحول إرادة الشعب من شعارات عابرة إلى حقوق مضمونةومؤسسات مستقلة.

 في الختام  نستطيع القول ، بان معركتنا الحقيفية لا تتوقف عند اسقاط منظومة الفساد والاستبداد فحسب، بل في منع إعادة اتتاجهما بقالب جديد.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس