من يحاصر تعز لا ينصر غزة!
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - الساعة 10:33 مساءً
هذه حقيقة بسيطة كاشفة لا تحتاج إلى التدليل أو البرهنة؛ فقد كشفت مدينة تعز الصامدة حقيقة الميليشيا الحوثية الإرهابية التي تتاجر بمأساة الفلسطينيين كذباً وزوراً، بينما تذيق اليمنيين القتل والتجويع؛ فمن يمنع شركاءه في الوطن الغذاء والدواء، ويهدد مصادر مياههم وحياة مرضاهم، يفضح بسلوكه الإجرامي زيفَ شعاراته.
لقد حوّل الحوثيون فلسطينَ إلى غطاء لجرائمهم، وغزةَ إلى ذريعة لتوسيع نفوذهم وتبرير سلاحهم، لكن الارتزاق بدماء الفلسطينيين لن يغسل الجرائم بحق أهل اليمن أبداً، ولا ينبغي أن يكون ذريعة للصمت عنها.
تسقط هذه الدعاية أمام واقع تعز المحاصرة، حيث تتعطَّل مقومات الحياة. وقد حذّرت الأمم المتحدة في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من اقتراب النظام الصحي من الانهيار، ومن تهديد نقص الوقود لإمدادات الأكسجين الطبي، مطالبة الحوثيين بفتح ممر آمن للإغاثة.
ومع ذلك، لم تستدعِ الكارثة ردّة فعل تتناسب مع فداحتها. ومردّ ذلك إلى عطل بنيوي في ذهنية الجماهير المسيّسة، له جذور في ثقافتنا السياسية العربية، يتمثل فيما يمكن وصفه بـ«ذهنية الاصطفاف»؛ حيث يُستدعى الضمير حين يكون المعتدي عدواً خارجياً، ويُستعاض عنه بالصمت، وربما التبرير، حين ترتكب الجريمةَ ميليشيا أو تنظيم يرفع شعارات مؤدلجة تداعب مشاعر الحشود.
والحال أن استهداف تعز يتجاوز الانتقام من مدينة عصية على الخضوع؛ فهو يستهدف ركيزة ثقافية ورمزية في تكوين اليمن السياسي، حتى تكاد تكون العاصمة الهويّاتية لليمن الحديث.
كانت تعز عاصمة الدولة الرسولية، ثم اتخذها الإمام أحمد مقراً للحكم بعد أحداث 1948، حتى قيام الجمهورية عام 1962. ويكشف انتقال مركز الحكم إليها قيمتها في موازنة مراكز النفوذ اليمنية. وعبر اتصالها بعدن، ترسخت مكانتها مركزاً للتجارة والتعليم والعمل السياسي الحديث، وبرز أحمد محمد نعمان أحد أهم رموز الحركة الوطنية؛ ثم حمل أبناؤها على عاتقهم فكرة الدولة ومشروع الجمهورية، قبل أن تكشف تصفية عبد الرقيب عبد الوهاب، في أعقاب صراع الجمهوريين عام 1968، حدودَ قبول مراكز القوة التقليدية بمشاركة النخبة المقبلة من هذه المدينة.
وفي عهد علي عبد الله صالح، ظلت تعز تتأرجح بين مركزيتها في الإدارة والاقتصاد، وضعف وزنها داخل مراكز القرار السياسي والعسكري. وبعد الوحدة، انطلقت منها احتجاجات المعيشة عام 1992، قبل أن تصبح أحدَ أبرز مراكز احتجاجات عام 2011، ضمن موجة ما سُمّي «الربيع العربي».
ومنحت الجغرافيا، التي كثيراً ما تُغفل عند تفسير التاريخ وتحولاته، تعز قوة إضافية؛ إذ تصل مرتفعاتها الداخل اليمني بساحل البحر الأحمر، وتمتد طرقها جنوباً نحو عدن، وغرباً نحو المخا، لتشكّل ظهيراً برياً لباب المندب.
ومن منظور الجغرافيا السياسية، يمكن وصفها بـ«المدينة العقدة»، لقدرتها على وصل الجبهات أو فصلها والتأثير في موازين القوى؛ فتثبيت السيطرة على الساحل يرتبط بتأمين المرتفعات والطرق المؤدية إليه، كما أنَّ التقدم نحو الجنوب يصطدم بهذه العقدة الجغرافية والعسكرية.
تضع هذه المعطيات تعز في موقع حاسم بموازين الحرب اليمنية، ويمنح استمرار حصارها الميليشيا مكاسبَ تتجاوز تطويق المدينة؛ إذ يُلزم القوات التابعة للشرعية تخصيصَ مواردها للدفاع عن المنافذ وحماية المواقع، ويحدّ من قدرتها على المبادرة.
وهكذا يوظّف الحوثيون الضغط على تعز لتخفيف الضغط عن مواقعهم في جبهات أخرى، ويحوّلون الحصار إلى أداة لإدارة الحرب، بثمن إنساني باهظ يدفعه سكان المدينة، وتمتد تداعياته إلى محافظة يزيد عدد سكانها على أربعة ملايين نسمة.
وتمثل تعز اختباراً لقدرة اليمنيين على توحيد القرار العسكري والسياسي؛ فالقوى المناهضة للميليشيا تملك مواردَ بشرية وعسكرية واسعة، لكن أثرها يظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز التشتت وتحويل هذه الموارد إلى فعل منظم.
ومن شأن فكّ الحصار وتأمين اتصال المدينة بعدن والساحل أن يوسّعا خيارات الشرعية، ويحدّا من قدرة الحوثيين على عزل الجبهات واستنزافها تباعاً.
وبهذا يصبح فكُّ حصار تعز مدخلاً لكسر قبضة الميليشيا واستعادة الدولة؛ إذ يصعب تصور استقرار يمني مستدام مع بقاء هذه العقدة الوطنية تحت الحصار والابتزاز.
حصارُ تعز جريمةٌ بحق اليمن واليمنيين؛ فكيف وقد أضافت إليها الميليشيا استهدافَ بلادِ الحرمين والعدوان عليها، واستفزاز أكثر من مليار ونصف مليار مسلم يتوجهون إلى مكة المكرمة -شرفها الله- خمس مرات في صلاتهم، مما كشف كذبَ ادعاء الحوثيين نصرةَ غزة، وفضح، على مرأى ومسمع من العالم، ابتزازَها ومحاولتها فرض النفوذ بالقوة.
دماء اليمنيين لا تمحوها «الصرخة»، وجرائم الميليشيا لا تغسلها الشعارات، ولو رفعت اسم فلسطين ألف مرة.
▪️باحث سعودي ومستشار فكري














