خلف متاريس مالنا دخل.. حين يغدو صمت النخب صك غفران للانقلاب

الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 - الساعة 02:54 صباحاً

 

 

إن أشد الفواجع التي تبتلى بها المجتمعات في منعطفاتها الوجودية الحرجة، لا تكمن في ضراوة العدو المتربص بها في الداخل، بل في خذلان النخب وعزلة المتعلمين خلف حدود المنافي الشاسعة.

ويتجلى هذا التيه السلوكي اليوم في ركون بعض الأكاديميين والموظفين في السفارات والجاليات والكيانات الطلابية في المهجر إلى دفء الصمت، متدثرين بلافتة "النأي عن السياسة" في لقاءاتهم ومنصاتهم الرقمية، كلما ناداهم الواجب لفضح آلة الدمار.

إنهم يلوذون بفرجة باردة، ظناً منهم أن النيران البعيدة لن تصل إلى عتبات مغترباتهم، بينما هم في الحقيقة يصنعون بأيديهم أولى حلقات حبل المشنقة الذي يلتف ببطء حول عنق الوطن.

وإن الطامة الكبرى تكمن في الفهم المغلوط والسقيم الذي يردده البعض، إذ يظنون واهمين أن الجرائم التي ترتكبها المليشيات الحوثية منذ انقلابها واختطافها للدولة، ليست سوى خلاف سياسي أو صراع حزبي عابر على كراسي السلطة يمكن النأي بالنفس عنه.

إن هذا المسلك التبريري لا يقلل من حجم الكارثة فحسب، بل يصرف الأنظار عن طمس الذات اليمنية، في حين تشير الحقيقة الصادمة إلى أن المشروع الحوثي ليس حزبا سياسيا نختلف معه في الرؤى، بل هو مليشيا سلالية وعصابة انقلابية تصادمت جذريا ووجدانيا مع الثوابت الوطنية، وانقلبت كليا على النظام الجمهوري، لقد جاءت لتهدم الوعي، وتدمر سلك التعليم من جذوره لتصنع أجيالا مفخخة بالجهل والطائفية.

بالتوازي مع حروبها الضروس وقصفها المستمر للمدنيين  وحصارها المطبق لتعز الأبية وسائر الحواضر اليمنية ، لذا فإن مواجهة هذا الموت ليس سياسة، بل هو ذروة الموقف الأخلاقي والإنساني.

ومما يبعث على الأسف والتحسر، أن هذا التخاذل يصدر عن فئة نالت تعليمها العالي على حساب الجمهورية اليمنية ، بل إن من بينهم من يتقاضى حتى اليوم مخصصات ومرتبات بالعملة الصعبة من خزينة الحكومة الشرعية.

ومع ذلك، تجد هؤلاء المأزومين يمارسون النفاق الفكري في لقاءاتهم، إذ يستمرئون توجيه سياط السخرية نحو الدولة مستعرضين اختلالاتها الإدارية بانتشاء غريب، في حين يعمدون إلى عقد مقارنات مجحفة مع سلطة الانقلابيين  في صنعاء، فهم بذلك يتغافلون عن حقيقة كبرى : وهي أن المعاناة الإنسانية الشاملة، وتشريد الملايين، وقتل مئات الآلاف من الأبرياء، ما هي إلا تداعيات مباشرة للتمرد الحوثي على مؤسسات الدولة.

والأنكى من ذلك، أن جعل الشرعية مادة للتندر يمثل تزييفا خطيرا للوعي، فهو ينقل اللوم من الجماعة التي فجرت الصراع، إلى المؤسسة التي تحاول لملمة شتاته، مما يخدم الانقلاب مجانا ويخفف عنه العبء الأخلاقي والتاريخي.

وإن فداحة هذا المشهد والمفارقة المبكية فيه لا تنبع من قوة الخصم، بل من العمى الفكري العجيب الذي يمارسه من يفترض بهم أن يكونوا قادة الرأي وجبهة الوعي بالخارج، لقد تحولت ظاهرة الانتهازية النفعية لدى هذه الشخصيات والكيانات الخاذلة إلى داء ينخر في جسد النضال الوطني، حيث يلتقي القصور في قراءة الواقع، والعجز الفاضح عن الفهم، والتحليل المشوه المنطلق من حسابات المكاسب الشخصية وتأمين خطوط الرجعة المواربة.

إن هؤلاء المتخاذلين باتوا بسلبيتهم العقبة الأساسية أمام صناعة رأي عام دولي يساند صمود الداخل ويفك حصار تعز، لأنهم ببرودهم العجيب وسخريتهم المستمرة يمنحون القائمين على حرائق المدن صك غفران مجاني، ويقزمون قضية بحجم مسخ الوعي وتدمير المناهج، مختزلين دماء شعب كامل في مجرد نزاع عابر.

هذا الواقع المأزوم يفرض حتما الانتقال الفوري من سكونية التفرج إلى حركية الفعل المنظم في المهجر، فالضمير الوطني يقتضي اليوم تسخير المنابر العلمية والمنصات الجامعية المتاحة والفعاليات الثقافية في المناسبات المختلفة لتوثيق فظائع تزييف المناهج وتسميم الوعي وتدويلها كجرائم حرب تستهدف الكيان الإنساني، مع صناعة جبهة موحدة تدمج التعبئة الإعلامية بالجهد الإغاثي، لكسر الطوق الخانق على تعز المنكوبة، وفضح القتل اليومي والممنهج أمام الرأي العام الدولي، وتوجيه الدعم المادي بشكل مؤسسي يسند القطاع الطبي والخدمي المتهاوي.

 وفي النهاية، تسقط كل الذرائع وتنكشف حقيقة اللامبالاة، فالأوطان التي تنهشها الحروب لا يقتلها رصاص المعتدي بقدر ما يطحنها صمت الذين يتربعون على منابر التنوير في المغترب.

إن الذين يوظفون شعار النأي بالنفس لحماية مصالحهم وحساباتهم الخاصة، يرتكبون جناية مضاعفة بحق تاريخهم، فالمهجر كان دوما خط الدفاع الأول عن الثوابت الوطنية الجامعة، في حين غدا تأمين خطوط الرجعة لدي هؤلاء النفعيين  مقايضة رخيصة لكرامة وطن بحفنة من المصالح الشخصية الضيقة، لن يعفى التاريخ أحدا امتلك منبر الحرية وقوة الكلمة ثم آثر الانكفاء النفعي في مساحات الأمان الزائف.

فالإرث التنويري لأحرار الحركة الوطنية اليمنية هو الانحياز المطلق لصوت المظلومين وكشف سوءات الكهنوت، ومن يبع موقفه اليوم لن يجد في الغد أرضاً يستند إليها ولا كرامة تحميه من لعنة الخذلان.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس