قراءة نقدية في قرار السلطة المحلية بتعز بشأن تعليق التعليم النظامي وإقرار التعليم عن بُعد
الاحد 08 نوفمبر 2026 - الساعة 09:45 مساءً
يفترض أن تكون القرارات المتعلقة بتعليق العملية التعليمية مرتبطة بتقدير المخاطر الأمنية في المناطق المتضررة، لا أن تتحول المخاوف الأمنية في بعض الجبهات المشتعلة والمناطق غير الآمنة إلى مبرر لتعطيل التعليم في عموم مديريات محافظة تعز، المدينة والريف.
فإذا كانت هناك ضرورة أمنية تستدعي تعليق الدراسة في مناطق المواجهات المشتعلة، مثل المطار القديم والضباب والنجادة والشقب وكحلان صبر وبعض عزل مديرية جبل حبشي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إغلاق المدارس في بقية المديريات والمناطق التي لم تعد تشهد تهديدات أمنية مباشرة.
وتزداد الحاجة إلى إعادة النظر في القرار، خصوصاً بعد توقف القصف على المدينة خلال الأيام الأخيرة، وعودة مظاهر الحياة الطبيعية نسبياً، رغم استمرار الحصار وما يرافقه من ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتفاقم الأعباء المعيشية. وهي ظروف صعبة لا يمكن التقليل من آثارها، لكنها لا تشكل في حد ذاتها مبرراً كافياً لتعطيل حق آلاف الطلاب في التعليم.
أما اعتماد التعليم عن بُعد بديلاً عن التعليم النظامي، فيثير تساؤلات جدية حول مدى واقعيته وملاءمته للبيئة اليمنية؛ فهذه التجربة تفترض توافر الإنترنت والكهرباء والأجهزة الذكية، إلى جانب امتلاك المعلمين والطلاب المهارات التقنية اللازمة. وهي متطلبات لا تتوافر بصورة متكافئة في مجتمع يعاني الفقر وضعف الخدمات واتساع الفجوة الرقمية.
كما أن نسبة كبيرة من المعلمين والطلاب لا تمتلك الخبرة الكافية في استخدام المنصات التعليمية وإعداد الدروس وتقديمها إلكترونياً. وتشير التقديرات المتداولة إلى أن أكثر من 90% من معلمي المحافظة لا يجيدون تقديم الدروس عبر التقنيات الحديثة، وهو رقم يحتاج إلى مسح ميداني للتحقق منه، لكنه يعكس حجم التحدي الذي ينبغي أخذه في الاعتبار قبل اتخاذ قرار بهذا الحجم.
والأخطر أن التعليم عن بُعد، في ظل هذه الظروف، قد لا يستفيد منه سوى أقلية محدودة من الطلاب، بما يعني حرمان الغالبية من فرص التعليم، وتعميق الفجوة التعليمية والاجتماعية بين الأسر القادرة على توفير متطلبات التعليم الإلكتروني وتلك التي لا تستطيع ذلك.
إن مسؤولية السلطة المحلية لا تقتصر على اتخاذ إجراءات احترازية، بل تشمل ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم، والبحث عن حلول تراعي الاختلاف بين المناطق والظروف المعيشية للأسر.
كان بالإمكان اعتماد سياسة تعليمية مرنة تقوم على تعليق الدراسة مؤقتاً في المناطق المهددة أمنياً، واستئناف التعليم النظامي في المديريات الآمنة، مع وضع ترتيبات بديلة للمناطق المتضررة، وتوفير الدعم التقني والتعليمي لمن يمكنهم الاستفادة من التعليم الإلكتروني.
فليس من المنطقي أن تتحول المخاطر الأمنية في بعض المناطق إلى عقوبة جماعية تحرم بقية الطلاب من حقهم في التعليم. فالتعليم ليس خدمة ثانوية يمكن تعليقها كلما اشتدت الأزمات، بل هو حق أساسي ومسؤولية عامة، وحمايته تقتضي إدارة المخاطر لا تعميم آثارها على الجميع.

















