تحرير الحجرية.. من جغرافيا البندقية إلى هندسة المعركة الشاملة

الاثنين 09 نوفمبر 2026 - الساعة 02:20 صباحاً

 

حين يُطرح ملف "تحرير الحجرية"، تذهب الأذهان سريعاً إلى حسابات البارود، وعديد الأفراد، وتدفق السلاح. لكن الحقيقة المرة التي تتجاهلها الحسابات التقليدية هي أن أكثر ما تعانيه المعركة هناك، فقراً في إدارة تحشد كل طاقات المجتمع وقواه الحية في خندق واحد.

المشكلة الجوهرية تكمن في تآكل تعريفنا للحرب؛ إذ جرى اختزال "المحارب" في صورة "المقاتل". ومع أن كل مقاتل محارب، فإن العكس هو الأوسع والأعمق: ليس كل محارب مقاتلاً.

 

المقاتل هو من يقف على خط النار ممسكاً بالزناد، أما المحارب فهو كل من يترك أثراً حاسماً في ميزان المعركة؛ سياسياً كان، أو عسكرياً، أو إعلامياً، أو قانونياً، أو اقتصادياً، أو مجتمعياً وإنسانياً.

 

التاريخ ليس شحّاً في الشواهد:

• في معركة بريطانيا" الكبرى ضد الن.ازية، لم يصنع طوق النجاة طيارو السلاح الجو وحدهم؛ بل كان خلفهم جيش خفي من مشغلي الرادار، وعباقرة فك الشفرات في "بلتشلي بارك"، ومهندسو المصانع، وأطقم الدفاع المدني. لم يحمل هؤلاء سلاحاً، لكنهم كانوا عصب المعركة ودرعها.

 

 •  وفي المقاومة الفرنسية، تكاملت بنادق الغابة مع شبكات تهريب المعلومات، وخلايا إخفاء الملاحقين، ومطابع المنشورات السرية، والموثقين الذين فضحوا جرائم الاحتلال. أدوار متباينة، لكنها صبت في مجرى واحد.

 

•  وعلى الجبهة الأوكرانية المعاصرة، تتشابك خطوط التماس مع شبكات الدعم التقني، والمتطوعين، والفرق الطبية، والإغاثة اللوجستية، في منظومة تكاملية لا تستقيم جبهة بدونها.

 

هذه النماذج تضعنا أمام قاعدة صارمة: كفاءة المعركة لا تقاس بعدد البنادق في الميدان، بل بقدرة الإدارة على هندسة الموارد وتوجيهها نحو هدف مشترك.

 

وإذا ما نظرنا إلى مدينة تعز وصمودها الأسطوري اليوم  في وجه الهجمات الحوثية الغاشمة والحصار  الخانق ، سنجد أن من يقاوم الحوثيين ليسوا أولئك المرابطين في #جبل_صبر والمدينة فحسب؛ بل يقف إلى جانبهم مسؤولون شجعان، وناشطون، وأقلام حرة، ومحامون يدافعون عن الحقوق، وأطباء يداوون الجراح، ومهندسون، وشخصيات اجتماعية، ونساء ورجال أبدعوا في حراسة الحياة اليومية ومنع السقوط.

 

من هنا بالضبط يبدأ التفكير الحقيقي في تحرير الحجرية.

وزارة الدفاع والتشكيلات العسكرية مطالبة بلا شك بالاضطلاع بدورها الميداني، لكن طحين المعركة أثقل من أن تطحنه رحى العسكر وحدها. نحن بحاجة ماسة إلى إدارة وطنية جامعة؛ مظلة تعرف كيف تضم المحاربين بشتى صفاتهم، وتحدد أدوارهم بدقة، وتربط الجهد العسكري والسياسي والإعلامي والقانوني والمجتمعي ببعضه ربط العروة الوثقى.

 

الهدف ليس استنساخ تشكيلات جديدة، ولا خلق قيادات متشاكسة، بل بناء منظومة ذكية تستثمر فائض القوة الكامن في مجتمعنا، وتقطع دابر تناقض الأدوار وتبديد الطاقات.

 

خلاصة القول: تحرير الحجرية يبدأ أولاً من تحرير مفهومنا للمعركة نفسها؛ ألا نبحث فقط عمن يحمل السلاح، بل عمن يستطيع صنع الفارق في طريق الانتصار، وكيف نصهر الجميع في بوتقة هدف وطني لا يقبل القسمة.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس