لن نغادر صنعاء

الثلاثاء 02 مارس 2021 - الساعة 08:27 مساءً

 

عندما بدأت الحرب في اليمن طلبت من عائلتي ان نغادر صنعاء الى ريف تعز ، بداية الامر رفض ابني وابنتي المغادرة ، قالا لي نحن وُلدنا في صنعاء وتعلمنا بها كيف نغادر صنعاء ونترك اصدقائنا في هذا الظرف ، وعندما بدأ الطيران بقصف مدينة صنعاء  كانت البيوت ترتج وتهتز من هول القصف والشظايا تتطاير في ارجاء المدينة ، قلت لهما الان يجب ان نغادر ، كانا  اكثر اصرارا على البقاء، لن نترك صنعاء ولن نغادر ، لكن امام اصراري وخوفي من المآل.

 

غادرنا صنعاء الى ريف تعز  بقينا شهرين ولم يطيب لنا البقاء ، قررنا العودة الى صنعاء مهما كانت الظروف ، وانا في طريق العودة تجاه صنعاء تذكرت يوم  كانت ساحة التغير بصنعاء تكتض بكل ابناء اليمن لم نجد احد ينتقم، وبعدها وانا ارى جثث القتلى والجرحى بفعل الاقتتال تطلع من تعز لم نشعر بالخوف ، ولم نجد احدا ينتقم من احد، هي هذه طبائع صنعاء وناسها ، تحضرني هنا قصة زميل لي كانت ابنة اخيه في سنوات الاخيرة من كلية الطب وعندما اغلقت جامعة تعز بفعل الحرب ذهبت للتقديم في جامعة عدن وتم رفضها بالتاكيد لاسباب مناطقية، قلت له جامعة صنعاء تقبل كل الطلاب القادمين من اي مدينة بلا اي تعقيد، كانت جامعة صنعاء تستضيف كل الطلاب القادمين من كل مدن اليمن بسبب الحرب وبلا تميز..

 

وكانت صنعاء حاوية محتوية للجميع سوا كان الحاكم صالح او عبد الملك، تلك هي عبقرية صنعاء التي فهمها ووعاها ابني وابنتي ، صنعاء مهما كان جرحها غائر وعميق فهي المدينة الوحيدة القادرة على ضمنا واحتضاننا ، صنعاء لاتهتم للكنية واللكنة والزي ، هذا هو قدر المدن العظيمة والضاربة عميقا في التاريخ ، صنعاء تختزل كل مدن اليمن في حاراتها وازقتها ، لاتقلقوا على صنعاء ستبقى هي مدينتنا ان كنا من الجنوب او الشمال او الشرق او الغرب او الوسط، الام لا تفرق بين ابنائها وتلك هي صنعاء  ، الجميع معجون بتراب هذه المدينة ، ماتت امي ودفنت في صنعاء مات اخي ودفن في صنعاء ، حتى مقابر صنعاء توحدنا تلك هي روح صنعاء الساكنة فينا عميقا.

 

مهما تلونت صنعاء ومهما تعددت الشعارات على الجدران في الازقة والشوارع ، فتلك لحظة وجع ، سيبقى اللون الاحمر والابيض والاسود هو رمزنا وعلمنا ، وسيبقي نشيد ايوب والفضول هو نشيدنا الوطني،ستبقى صنعاء بكل التنوع فيها هي الحارس الامين لجمهورية السلال والمغني والتي هي جمهورية كل يمني. 

 

 لن نغادر صنعاء هذا من اهم الدروس التي تعلمتها من ابني وابنتي..

اليوم بعد ست سنوات حرب صارت  ابنتي طبيبة تخرجت من جامعة صنعاء وابني انهى الثانوية العامة والاثنان مصران على الاستمرار لمواصلة مشوار الحياة في هذه المدينة التي تحتضن تضم تحوي كل قادم اليها، علينا ان نكون اوفياء لهذه المدينة المُحبة  الموحدة الجامعة لنا. 

حقا صنعاء اليمن ثانية..

صنعاء يا احلى واغلى المدن 

ظلي مروءتنا فالحقد بعثرنا

ولملمينا فان الكون اجزاء

وعرفينا على الماضي فحاضرنا

بؤس ونهش وترهيب واغراء

فاننا معشر اليمانيون 

عن هذا  الزمن المهزوم غرباء


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس