عندما اشتكى "البردُّوني" إلى "الزبيري" صلف الشيخ "الزنداني"!

الجمعه 05 مارس 2021 - الساعة 09:26 مساءً

ليست مجرد مصادفة أن يستهل الشاعر والأديب والمؤرخ اليمني الكبير الراحل "عبد الله البردّوني" مذكراته المهمة الصادرة مؤخراً* بالحديث عن مشكلة حدثت بينه وبين رجل الدين الشهير الشيخ "عبد المجيد الزنداني"، في أروقة وزارة "المعارف" في بداية العهد الجمهوري.

 

لم تكن مشكلة شخصية ولا شكلية ولا عابرة.. بقدر ما تنتمي جوهرياً إلى عمق الصراع الجدلي القديم/ الجديد الدائم بين التيار الوطني والتيار الديني، في اليمن، حول تحديد نوعية المرجعيات والتوجهات التي ينبغي أن يكون عليها النظام الجمهوري.

 

كان النظام الجمهوري حينها قد شرع للتو بوضع الملامح الأولى لشخصيته الخاصة المغايرة، وكان كلٌ من الطرفين يحاول تشكيلها حسب ملامحه الخاصة، ويراهن على "التعليم"، باعتباره مصنع الأجيال، والأداة الأكثر فاعلية للتأثير والتغيير، والطريق الأكثر ضمانة للسيطرة على المستقبل.

 

في خضم ذلك. قام الأستاذان: البردوني ومحمد الشرفي بتأسيس أول إدارة للمناهج التعليمية في وزارة المعارف "التربية والتعليم" إثر ثورة 26 سبتمبر، وفي المقابل تم استحداث "إدارة التربية الدينية" ليرأسها القيادي الإخواني المعروف "عبد المجيد الزنداني".

 

لم تكن الكتب والمقررات والمناهج التعليمية قد تبلورت بعد بشكل يمني خالص، في ظل النظام الجمهوري الوليد. وحتى يتم ذلك، وكإجراء مؤقت. قرر البردوني والشرفي اعتماد الكتب المدرسية المصرية للمدارس في اليمن.

 

تم هذا القرار بموجب رؤية مدنية وطنية تنحو باليمن باتجاه الدول العربية التقدمية، وتستفيد من رصيدها في التحديث، بما يتعارض بالضرورة مع رؤية وتوجه الزنداني الذي لم يعترض على هذا القرار فقط، بل قام بتوقيف البردوني والشرفي وإدارتها عن العمل.!

 

لا أدري كيف يمكن لرئيس إدارة أن يقوم بتوقيف رئيس إدارة أخرى عن العمل. لكن هذا ما حدث يومها، وكان من الطبيعي أن تتصعد المشكلة التي وصلت في النهاية إلى وزير المعارف الأستاذ الكبير "محمد محمود الزبيري".

 

الزبيري، كما هو واقع الحال، كان أنبل الإسلاميين في اليمن، وأوسعهم أفقاً وأكثرهم حكمة، زاره البردوني في منزله، وقدم إليه شكواه، وسرعان ما تفهم دوافعه ووافق على قراره، ربما لأنه لا يوجد حل آخر غير قيام الزنداني وأمثاله بوضع الكتب المدرسية بدون تخصص ولا علم ولا خبرة.

 

لكن القصة لم تنتهِ عند هذه النقطة، إذ إن الزبيري انتهز حضور البردوني لاستشارته بشأن مشكلة استقطاع بعضهم لأراضٍ من مقبرة خزيمة، كما انتهز مشكلة مقبرة خزيمة للوصول إلى أغراض أخرى غير ذات صلة.!

 

من وجهة نظر الزبيري كان الحل هو افتتاح مجلس باسم "أعيان صنعاء"، والمطلوب من هذا المجلس كما قال للبردوني: "تحقيق ثلاثة أمور:

 

- تأكيد حرمة المقابر.

 

- الثاني: عدم توظيف المرأة.!

 

- الثالث: منع المذيعتين، ومقابلة الوافدات من مغنيات كوكبان وعدن وتعز".!

 

كما يمكن أن نتوقع. اعترض البردوني بهدوء على البند الثاني بحجة أن المستشفيات بحاجة إلى طبيبات من النساء لمعالجة النساء، ويفترض أنه -وإن لم يذكر ذلك- اعترض على البند الثالث كونه يهمه مباشرة باعتباره يعمل أيضاً في إذاعة صنعاء، وله علاقة بسياستها الإعلامية!

 

في كل حال كان الزبيري، رغم كل شيء، إسلاموياً، ينتمي إلى جبهة رجعية موحدة رغم تباين مكوناتها من الإخوان والعسكر والقبائل، في مقابل الجبهة الوطنية التي كانت وما تزال مشتتة متناحرة رغم توحدها نظريا في الخطوط العريضة والتوجهات العامة.!

 

لم يتطرق البردوني في مذكراته كثيرا للإخوان في اليمن، وعلى العكس يمكن اعتبارها بمجملها حكاية عن التيار الوطني، كخليط عجيب من الأفراد والفصائل والقوى المتباينة المتشاحنة المتصارعة غالباً فيما بينها من جهة، على حساب صراعها مع القوى الدينية المحسوبة على الصف الجمهوري من جهة أخرى، والقوى الإمامية المتربصة من جهة ثالثة.

 

 

* نشر البردوني هذه المذكرات خلال حياته على شكل مقالات في صحيفة 26 سبتمبر، ولم تطبع في كتاب مستقل إلى أن قام الشاعر عبد المجيد التركي.. مؤخراً بجمعها ونشرها في كتاب كبير بعنوان "تبرج الخفايا ولفيف من الذكريات" صادر عن دار "وسم. للنشر والتوزيع 2021م.

 

 

*نقلًا عن نيوز يمن


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس