عض الأصابع بين هاشميي "الطيرمانات" و"الكهوف"

الخميس 24 يونيو 2021 - الساعة 01:04 صباحاً

كيف قضى الجناح الخميني على الجناح الزيدي في حركة الحوثي؟!

 

يتذكر البعض، ويتناسى الأكثرية، ربما بسبب الصدمة، كيف توقفت "شاصات" الحركة الحوثية لأسابيع عن التقدم خارج صنعاء، عقب إسقاطها في 21 سبتمبر 2014م، في فترة كانت مشحونة بالهواجس والمخاوف، تخللتها وأعقبتها تفجيرات دامية وعمليات اغتيال مروعة..

 

تلك الأحداث كانت تشير لصراع داخلي مرير في صفوف الحركة بين جناحيها الرئيسيين: الجناح الزيدي بقيادة اللواء يحيى الشامي رئيس مجلس حكماء آل البيت، والجناح الخميني برئاسة عبد الملك الحوثي، وهو ما يعرف محلياً بصراع هاشميي صنعاء وهاشميي صعدة.

 

هذا التصنيف السلالي، لم يبتدعه العبد لله، بل آخرون من داخل الحركة لعل أشهرهم الزميل الراحل عبد الكريم الخيواني، والكاتب محمد المقالح، اللذين شنا هجوماً شرساً على من أسمياهم بـ"هاشميي الطيرمانات"، المدللون والنافذون في الدولة، من ورثة الأسر الهاشمية "الزيدية" العريقة التي تعاقبت على حكم شمال اليمن فترات متقطعة خلال الألفية الماضية، والذين ائتلفوا في التنظيم السري للهاشمية السياسية (مجلس حكماء آل البيت).

 

وبحسب الباحث د. رياض الغيلي، فإن المجلس الذي تأسس عقب المصالحة الملكية الجمهورية عام 1970م بغرض التغلغل الناعم داخل أجهزة النظام الجمهوري والدولة اليمنية لإعادة الحكم الملكي (الإمامي) لليمن، قد ضم في صفوفه بدر الدين الحوثي (الزعيم الروحي لجماعة الحوثي ووالد مؤسسها حسين وقائدها الحالي عبد الملك) والذي قرر الانسحاب من مجلس الحكماء، عام 1994م احتجاجاً على رفض المجلس توسيع علاقته بإيران خارج إطار الدعم المادي والسياسي، لتشمل الارتباط العقائدي (الخميني) بالثورة الإسلامية الإيرانية.

 

عرف بدر الدين الحوثي بعلاقته القوية بإيران والتي تمتد منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي العلاقة التي نسجها بدر الدين الحوثي نتيجة شعوره بالتهميش من قبل الأسر الهاشمية الأعلى رتبة في السلم الطبقي داخل السلالة الهاشمية، فهم ورثة (بيوت الحكم) الأكثر تعليماً وثقافةً ونفوذاً ومالاً وعراقة، وهو ما ولد لديه عقدة نقص وأحقاداً عميقة، بالنظر إلى هوسه بحكم اليمن أو شماله على الأقل تحت صفة الإمام، وهي الأحقاد والرغبات العميقة التي أورثها لأولاده.

 

هذه العلاقة هي التي مكنت الحركة الحوثية، من التحول من رغبة مهووسة بالسلطة لدى (شخص) بدر الدين الحوثي، الذي كان يستقطب لدعوته ورغبته طلبة العلم الديني الزيدي، في صعدة وصنعاء (الجراف تحديداً)، إلى مليشيا دينية عقائدية مسلحة، قوامها طلاب المراكز الصيفية التي أنشأها محمد عزان، وتسلمها بعد إقصائه نجل بدر الدين الحوثي، حسين الحوثي بدعم مادي ولوجستي، من إيران، والأسر الهاشمية المتعصبة في اليمن ودول الخليج العربي والمهجر عموماً.

 

وبالعودة إلى تصاعد القوة العسكرية للحركة، والإسناد السياسي واللوجستي من قبل قادة التنظيم السري للهاشمية السياسية، وتحديداً اللواء يحيى الشامي، الذي عمل على إسناد الحوثيين لوجستياً وسياسياً، فقد شكل سقوط صنعاء عام 2014 ذروة التحالف بين الطرفين، ليبدأ هذا التحالف بالانحدار، عقب مخاوف مجلس حكماء آل البيت من انفراد هاشميي صعدة (الخمينيين) بالسلطة، بسبب تفوقهم العسكري، خصوصاً مع تمكن الحوثيين من بسط سيطرتهم على مؤسسات الدولة وأجهزتها بمساعدة من الجناح (الزيدي) الذي يهيمن منتسبوه على الكثير من المناصب الحساسة في مؤسسات الدولة وكذلك في مؤسسات الجيش اليمني.

 

خلال تلك الفترة نشطت الاغتيالات السياسية وتفجيرات المساجد الزيدية، والتي قتل فيها رموز قيادية وسياسية من هاشميي صعدة وصنعاء على حد سواء، ورغم رضوخ جناح عبد الملك الحوثي، لاشتراطات مجلس الحكماء بتعيين نجل رئيسه العقيد زكريا الشامي، رئيساً لأركان الجيش، ومعه العشرات من أسرة آل الشامي، وهي القرارات التي وقعها الرئيس هادي آنذاك بطلب من الحوثيين، فإن الصراع المكتوم بين الطرفين ظلّ مستمراً بعد ذلك. 

 

إذ لا أستبعد أن يكون اغتيال الصحفي عبد الكريم الخيواني، المحسوب على جناح صعدة، والدكتور محمد عبد الملك المتوكل، المحسوب على هاشميي صنعاء، وتفجير مسجدي بدر والحشوش، الذي أسفر عن مقتل طه المداني القيادي في جماعة الحوثي، والمرتضى المحطوري، المنافس القوي المحتمل لعبد الملك الحوثي والقريب من هاشميي صنعاء، ومثلهم كثير، بعضاً من تجليات هذا الصراع المرير بين الطرفين..

 

وقد أدت "عاصفة الحزم" في 26 مارس 2015م إلى التئام الخلاف بين الطرفين، لصالح الصراع الرئيسي، مع التحالف العربي والمقاومة الشعبية، وخلال هذه المرحلة تحول التناقض الثانوي في الجبهة الداخلية، إلى محاولة، اتفق عليها الطرفان، للتخلص من حليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، والذي يُعزى إلى يحيى الشامي، أنه من استطاع إقناعه بقبول التحالف مع الحوثيين في وقت سابق، وربما كان ذلك بضمان من الشامي الذي كان قريباً من صالح، بأنه المتحكم في حركة وعمل المليشيات الحوثية.

 

وقد مثلت تصفية الرئيس السابق علي عبد الله صالح في 4 ديسمبر عام 2017، مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، بين الجناح الزيدي بقيادة يحيى الشامي ومجلس الحكماء الذي كان يسيطر على أهم المناصب القيادية في أجهزة الدولة وبين الجناح الخميني بقيادة عبد الملك الحوثي ومليشياته التي كانت تسيطر على معظم الإمكانيات العسكرية، بالإضافة إلى المشرفين على الوزارات، والذين تطورت مهاراتهم وخبراتهم في العمل الحكومي، بسبب احتكاكهم بموظفي الدولة والبيروقراطية الحكومية.

 

ومع تسرب المعلومات عام 2018 حول الاتصالات المنسوبة للواء يحيى الشامي بعدد من مسؤولي الاستخبارات في بعض الدول المؤثرة في الملف اليمني، والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، بغرض تقديم نفسه ومجلسه كممثل وريث ومحتمل للحركة الحوثية، فقد تصاعدت أيضاً رغبة التخلص من الشامي والقيادات المؤثرة من هاشميي صنعاء، وهو ما تم لاحقاً بالتدريج، من خلال تصفية عدد من قيادات المجلس، وأرباب الأسر الهاشمية الصنعانية، لعل أبرزهم، وزير الشباب السابق ورئيس حزب الحق حسن زيد، والعميد زكريا الشامي وزير النقل في حكومة الحوثي، والذي شغل سابقاً منصب رئيس أركان الجيش، ووالده يحيى الشامي الذي توفي قبل بضعة أشهر فقط، وبعد شهرين من اغتيال نجله زكريا.

 

ولعل اللافت في تلك الاغتيالات أنها جاءت عقب قدوم الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، حسن إيرلو، سفيراً لإيران لدى المليشيات الحوثية، ولعل مهمة تطهير كل المنافسين في الجناح الزيدي "الصنعاني" كانت المهمة الرئيسية لإيرلو، حيث ساهم بفاعلية في تثبيت سلطة الجناح (الخميني) الموالي لإيران بقيادة عبد الملك الحوثي وأبناء عمومته ومقربيه من هاشميي صعدة، وفي نفس الوقت فرض حضوره كمندوب سامٍ للحكومة الإيرانية في شمال اليمن، وهو ما تعبر عنه تحركاته الفجة في مناطق سيطرة المليشيات.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس