لا تعود

السبت 11 سبتمبر 2021 - الساعة 07:19 مساءً

لا تعود هذه كلمة قلتها لابني بعين دامعة وقلب حزين وانا احتضنه  واودعه في مطار عدن قبل شهر  محبة له وحرصا عليه ، لا يوجد أب  يقول لابنه لا تعود ولكن وصل الحال بالكثير منا لهذه المرحلة من اليأس والاحباط..

 

هذه البلد مقبرة موحشة لاصوت يعلو فيها الا اصوات القتلة والسفلة ، لا أمل في صلاحها الا بزلزال او بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ تاخذ من عليها، طول رحلتي من صنعاء الى عدن برفقة عائلتي وامعاء بطني تعصرني من الخوف والقلق من المتهبشين والمفصعين في نقاط التهباش والمرجلة الناقصة..

 

بكل بساطة يمكن ان يقول لك احدهم ارجع من حيث اتيت، رحلة مثل هذه تشعرك وكأنك عابر في ادغال افريقيا لا في وطنك الذي مزقته وبرقعته حروب التطييف والمناطقية والعنصرية وجيران السوء ، اليوم الطريقة البشعة التى قُتل فيها الشهيد الشاب عبد الملك السنباني في احدى النقاط الامنية بطور الباحة ،تعني ان كل واحد منٌا معرض للموت وبهذه الطريقة.

 

عبد الملك السنباني شاب يمني حالم لا تفارق البسمة فاه ، قضى عشرة سنوات من عمره في الولايات المتحدة بعيدا عن مقبرة اسمها اليمن وعندما قرر العودة الى هذه المقبرة لم يكن يهمه صعوبة الرحلة ، ولاتعاسة الحياة وبؤسها في هذه المقبرة، كان شوقه لاحضان امه وضحكات اخواته هي عنوان التحدي.. 

 

بالتأكيد كان عبد الملك يشعر بطول المسافات وبطء الوقت، تلك حالة انسانية نعيشها في لحظات الشوق والحنين لملاقاة من نحب، تخيلوا حجم الشوق وكم الحنين في اعماق عبد الملك بعد سنوات عشر من الغياب وهو  يتوق لملاقاة امه واحتضانها ، لسماع ضحكات اخواته اللاتي تركهن صغيرات ، لازقة مدينته ، لرفاقه واصحابه ، لاهله و اقاربه ، لم يكن عبد الملك يدرك انها رحلة  النهاية، لم يكن يدرك ان في الطريق قتلة سفلة قرروا قتل ابتسامة وجهه وحنين اعماقه، قبل ان يصل الى  احضان امه واخواته ورفاقه  ودفء بيته.

 رحيل عبد الملك بتلك الطريقة البشعة ابكت كل اليمنيين ، ملامح وجهه الباسم يقينا ستبقى مرسومة في اذهان اليمنيين ، وستبقى شاهدة على نذالة وسفالة القتلة ومن يقف خلفهم. 

 

بالتاكيد كان شوق عبد الملك لأمه عظيم ولسان حاله يقول كما قال الشاعر الفلسطني محمود درويش:   

أحنّ إلى خبز أمي 

و قهوة أمي 

و لمسة أمي 

و تكبر في الطفولة 

يوما على صدر يوم 

و أعشق عمري لأني 

إذا متّ، 

أخجل من دمع أمي! 

خذيني ،إذا عدت يوما 

وشاحا لهدبك 

و غطّي عظامي بعشب 

تعمّد من طهر كعبك 

و شدّي وثاقي.. 

بخصلة شعر 

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك.. 

عساي أصير إلها 

إلها أصير.. 

إذا ما لمست قرارة قلبك! 

ضعيني، إذا ما رجعت 

وقودا بتنور نارك.. 

وحبل غسيل على سطح دارك 

لأني فقدت الوقوف 

بدون صلاة نهارك 

هرمت ،فردّي نجوم الطفولة 

حتى أشارك 

صغار العصافير 

درب الرجوع.. 

لعشّ انتظارك


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس