مكاشفة لا بد منها عن تعز

السبت 14 مايو 2022 - الساعة 07:29 مساءً

في حاجة لي سنوات مش حاب أقولها، لكن يبدو أنه لا بد من مكاشفة: تعز، تحتوي على خليط بشري من مختلف مناطق اليمن، أصول وأعراق وأنساب مختلفة من أقصى الشمال للجنوب، وفي منطقة صغيرة كالمعافر ستجد ألقاب متنوعة من عديد قبل ومحافظات حتى في أصغر القرى. هذه واحدة.

 

الثانية أن معظم أبناء هذه الأصول قدموا إلى تعز إما مع الغزاة ضمن جيوش الصليحيين والأيوبيين والأتراك والأئمة الزيديين واستقروا فيها وإما كانوا ضحايا لهؤلاء وهربوا من مناطقهم إلى تعز للنجاة بأنفسهم، أما النوع الثالث فهم أشخاص هربوا من ثارات أو مشاكل أو بسبب العنصرية القبلية.

 

الثالثة: هذا الخليط المتنوع وغير المنسجم من حيث خلفياته العرقية والثقافية قد انصهر ضمن بيئة تعز وطبيعتها التي تقوم على قيمة مقدسة "العمل" وكانت قيمة العمل مرتبطة بقيمة العلم وهي القيمتان اللتان أعطتا لهذه المدينة زخمها وقيمتها.

 

ولأن العمل والعلم لم يكونا متاحين بصورة حقيقية "باستثناء الزراعة والرعي" لسكان تعز وبسبب الفقر والجبايات فقد هاجر الكثير من أبناء تعز "المختلطة هذه" إلى دول عدة من أجل التجارة وكسب العيش وعلى مدى جيل وجيلين وثلاثة أجيال.

 

هؤلاء المغتربين تركوا نساءهم وأطفالهم في قراهم، بعضهم عاد بعد سنين طويلة وبعضهم لم يعد إلى اليوم، وكان طبيعيا جدا أن يرى بعض الأباء آبناءهم لأول مرة وقد صاروا شباباً أو كهولاً، وكثيرون لم يروا آباءهم نهائياً رغم انهم على قيد الحياة، وبعضهم قد يتشاجر مع والده في اللقاء الأول وكأنهم أعداء، وربما تستمر الخصومة حتى موت الاثنين.

 

الخلاصة أن كثير من هؤلاء كانوا تربية أمهاتهم وقد تقمصت معظم نساء تعز دور الأب والأم معاً، ولعل هذا ما يفسر السلوك الصارم لمعظم الأمهات التعزيات.

 

المهم أن هؤلاء الأبناء تربوا في كنف أمهات مكافحات، وهذا أفقدهم الكثير من الأشياء التي لم يكونوا ليتعلموها إلا من آبائهم الغائبين.

 

إضافة لذلك، فإن بعض الأسر المسحوقة من حيث المنشأ، والتي تعرضت لإذلال بشع بسبب الغزوات والحروب في مناطقها، قد نقلت معها وعي الهزيمة والانكسار، وما تطبعت به من سلوك مكايد وشيء من رداءة الطبع وشح المروءة وقلة الوفاء وأحياناً الخسة.

 

هذه السمات البغيضة تضاءلت في العقود الماضية لحساب الوعي وازدهار التعليم وظهور جيل جديد تنافسي بناء قائم على العلم والعمل والسعي للأفضل، حتى جاءت الثورة، ومن ثم الحرب لتخرج أقبح ما في الناس.

 

اليوم يحتاج الناس لإرث عرفي جامع يستندون عليه، شيء من التقاليد التي توحد الوعي، فلا يجدون، فهذا مجتمع بلا آباء ولا وجهاء ولا حكماء ولا رعاة.

 

مجتمع قتل مشائخه ووجهاؤه، وتشرد آباؤه، وترك فريسة لأمهات كثيرات الشكوى، عانى كثير منهن من الإحباط ونكد العيش وآلام المفاصل.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس