"فراغات الوحشة" للشاعر فخر العزب

الاربعاء 19 أكتوبر 2022 - الساعة 04:36 مساءً
المصدر : الرصيف برس - تعز

أحمد شوقي أحمد

 

في ما مضى إذا صادفت فخر وهو يسير باتجاهي، قد يتراءى لي وكأنه متقوس للخلف..

 

 يبدو وكأنه بلا أحشاء ولا صدر. كمن يتلقى بقبضة ضخمة ضربةً في جذعه..

 

هذه الصورة الخيالية، تجسيد للانطباع الذي حملته عن فخر قبل 12 عاماً،  حين كان يمطرنا كل يوم بقصيدة أو اثنتين، وربما ثلاثاً بعض الأحيان.

 

لم يكن فخر يكتب قصائده بروحه فقط، بل كان يغذيها من نسيج قلبه وأحشائه ويسقيها من دمه.

 

لم يكن تقوَّسه المُتخيُّلُ ذاك، مجرد أثر خلفته قضمةٍ متوحِّشة وجهتها قصائده التي تشكلت في صورة فكّ ضخم لمسخٍ مفترس.. بل كان يمثل أيضاً دعوةً دائمةً للاحتضان الحار، وأحياناً يبدو وكأنه نداء استغاثةٍ عاجل لانتشاله من سياط الشجن العميق الذي يطارده في كلّ وقت.

 

إنه لا يكابد، ولا يتذمر، بل يهرع.. هرباً من الحتف إلى الحتف,,، من النار إلى الجحيم، وذلك النشيج الهادر الذي تراه، لا تسمعه.. لأن صاحبه يصرخ بلا صوت، ولن تسمع سوى خشخشة العظام المطحونة وزقزقة بهيجة من يرقات رطبة - نسميها قصائد - تتخلق أجنحتها من جسد شاعرها وروحه ودمه.

 

إن الشاعر يحتاج إلى أم، وإلى حبيبة، وإلى وطن وأصدقاء، يغذي بدفئهم أحلامه وشاعريته وطاقته المتجددة للحياة والجمال، وما لم يكن ذلك؛ وفي غياب هؤلاء يقع الشاعر فريسةً لقصائده التي تنهشه طعاماً أو تمتصه سماداً لتحلق بأجنحتها الملونة في عمرها القصير.

 

في حالة فخر، القصيدة كالموقف، ثمنها باهض، وتكلُّفُ عمراً وطمأنينةً وجذلاً يتناقص نحو الهمّ..

 

 يدفع فخر ثمن القصيدة والموقف من غريزة الحياة لديه، ومن طاقته النفسية والجسدية، ومن صحته، ومن حماسه، ومن حُب الناس الشغوفين بمعذبيهم، ومن الطموح والأمل.

 

يقايض تضحياته تلك كلُّها، بلمسة أبدية حانيَة، من نساء محبات رحلن إلى دار البقاء، وعزاء عزوة متقوسةٍ مثله، تتقلبُ من أوجاعها في نار الشقاء.

 

إنني وبهذا البوح القاتم والأليم، أردتُ أن أعبر عن سعادتي بصدور ديوان فخر الأول "فراغات الوحشة" وأن أحيي بطلنا، على تجاوز كل تلك الغموم، مظفراً.. وأهنئه بسلامة الوصول.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس