هل تضع المظاهرات حدا لمعاناة العراقيين؟

العراق : مظاهرات غاضبة تهز الرئاسات الثلاث

الثلاثاء 05 نوفمبر 2019 - الساعة 07:43 مساءً [ 183 زيارة]
المصدر : الرصيف برس - وضاح الصوفي


يشهد العراق منذ مطلع اكتوبر الجاري مظاهرات شعبية غاضبة، تصاعدت حدتها تباعا بعد سقوط عشرات القتلى، وآلاف الجرحى، نتيجة الإستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الأمن العراقية ضد المتظاهرين.

 

المظاهرات الدامية التي لم يعرفها العراق من قبل على هذا النحو، أجبرت الرئاسات الثلاث في بغداد بعد يومين فقط من اندلاعها على عقد اجتماع عاجل لبحث آلية الإستجابة لمطالب المحتجين، كما أجبرت حكومة عبد المهدي على اتخاذ حزمة من القرارات الهادفة لوقف الإحتجاجات.

 

غضب الشارع العراقي على حكومته ليس الأول من نوعه، فخلال الأعوام الخمسة عشر الماضية خرجت مظاهرات عدة، كانت أبرزها تلك التي جرت في العام ٢٠١٦،و شملت ست محافظات و استمرت لأكثر من عام احتجاجا على تهميش الحكومة العراقية للمواطن العراقي. أيضا شهد العام ٢٠١٨ خروج آلاف العراقيين في محافظة البصرة بسبب مياه الشرب الملوثة، لتمتد حينها المظاهرات إلى سبع محافظات اخرى قبل أن تتمكن قوات الأمن العراقية من قمعها، مثلها مثل كل المظاهرات التي جرت في أعوام سابقة.

 

ما يلفت النظر في المظاهرات الحالية هو حجم الغضب الذي ابداه المتظاهرون، ما جعلها المظاهرات الأكثر دموية، و قمعا، إذ بلغ عدد القتلى بين المتظاهرين خلال الأسبوع الأول أكثر من مائة قتيل، أما الجرحى فقد تجاوزوا الخمسة آلاف جريح بحسب المفوضية العراقية لحقوق الانسان.

و أمام موجة الغضب العالية هذه، هرولت الرئاسات العراقية الثلاث(رئاسة الجمهورية، و رئاسة الوزراء، و رئاسة البرلمان)إلى عقد اجتماع مشترك لتدارس الوضع، و بحث كيفية تلبية مطالب المتظاهرين، في تحرك هو الأول من نوعه على هذا المستوى. فأقرت تلك الرئاسات بمشروعية ما ذهب إليه المتظاهرون في مطالباتهم بتحسين الخدمات العامة، و توفير فرص العمل، و الحد من الفساد.

التحرك الرئاسي العراقي بأطيافه الثلاثة كان أميا لافتا ،أعطى مؤشراً واضحاً على جسامة و خطورة الحدث هذه المرة. ردود الأفعال الرئاسية تواصلت، فأعلن الرئيس العراقي برهم صالح عن تشكيل لجنة لبحث مخرجات، و حلول للأزمة، و دعا إلى إجراء تعديل وزاري يمهد لإصلاحات شاملة للنظام السياسي، بالإضافة إلى تنظيم حوار وطني واسع بين جميع المكونات السياسية.

الحكومة العراقية من جانبها أعلنت عن حزمة من القرارات بشأن أزمتي السكن و البطالة، فأقرت تبنيها برنامج وطني للإسكان بشمل بناء مائة ألف وحدة سكنية، و توزيع أراضي سكنية لذوي الدخل المحدود.

كما أعلنت عن تخصيص منحة شهرية لنحو ١٥٠ ألف من العاطلين عن العمل،و فتحت الباب لمنح القروض لتمويل المشاريع الصغيرة، والمتوسطة، كما أعلنت عن تقديمها عدد من المسؤولين الفاسدين للمحاكمة، و أفصحت عن نيتها إجراء تعديل وزاري بعيدا عن المحاصصة السياسية، و غيرها من القرارات المتعلقة بمطالب المتظاهرين.

 

    إحراق العلم الإيراني

 

الأمر الآخر اللافت للانتباه في الحدث العراقي أن نصيب النظام الايراني من غضب العراقيين كان وافرا، فقد ردد المتظاهرون شعارات مناوئة لإيران، و أحرقوا العلم الإيراني، و مقرات أحزاب الدعوة، و الفضيلة، و عصائب أهل الحق. ما يعني أن مزاجا شعبيا جديدا بدأ بالتشكل بعيدا عن الحالة الطائفية، و المذهبية التي ميزت المشهد العراقي في السنوات الماضية.

ليس مستغربا أن يذهب مشهد الأحداث في العراق نحو هذا التأزم، لأن غضب العراقيين في واقع الأمر له ما يبرره.و ما اعتراف الرئاسات الثلاث بمشروعية مطالب المحتجين إلا إقرار منها على وصول معاناة العراقيين إلى مستويات متقدمة من السوء، في الوقت الذي يحتل فيه العراق المرتبة الرابعة كأكبر احتياطي للنفط في العالم.

 

    مديونية ثقيلة و عجز في الموازنة

 

من جانب آخر، يعاني الإقتصاد العراقي من تحديات كبيرة تتمثل في ارتفاع حجم المديونية التي بلغت حتى هذا العام ٢٢مليار دولار نتيجة زيادة الإقتراض في السنوات العشر الأخيرة. و  ثقل المديونية و تراجع مؤشر النمو، و الإعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل القومي، بات العراق يستنزف قدراته المالية، و احتياطاته بنظام الإستدانة وسط زيادة سكانية سنوية تصل إلى مليون ولادة سنويا. أيضا تراجعت حصة الفرد العراقي من الناتج المحلي إلى أقل من مستوياتها المتوقعة قياسا إلى الثروة الهائلة، والامكانات الإقتصادية غير المستثمرة، فبلغت هذه الحصة نحو ٤٩٩٠ دولار في العام ٢٠١٧،فيما كانت ٧٠٠٠ دولار في العام ١٩٩٠. و تكمن مشكلة الإقتصاد العراقي في أن الجزء الأكبر من من موازنة الدولة يستهلك في تمويل الأنشطة التشغيلية و هي في الغالب رواتب شهرية للموظفين الذين تقدر بعض المصادر العراقية ان عددهم يتجاوز ستة ملايين موظف، هذه الكتلة البشرية الضخمة مع عدد المتقاعدين البالغ  ثلاثة ملايين متقاعد امتصت ٥٢ مليار دولار من إجمالي موازنة هذا العام التي بلغت ١٧٠ مليار دولار. أما الجزء الآخر من الموازنة يذهب لتسديد الديون، و كموازنة لوزارتي الدفاع و الداخلية اللتان تعادل موازنتهما موازنة بقية الوزارات الأخرى في ظل سياسة الإنفاق على شراء الأسلحة، فيما يتبقى جزء بسيط يخصص للاستثمارات، و لعملية إعادة الإعمار. أيضا هناك عجز في الموازنة بلغ هذا العام ٢٢مليار دولا بعد أن كان في العام الماضي ١١مليار دولار.

و أمام حالة التأزم التي يعيشها الإقتصاد العراقي، قدرت الحكومة العراقية، و البنك الدولي حاجة العراق إلى ٨٨مليار دولار من أجل تحقيق انفراجه اقتصادية بشرط توفر عدد من العوامل أهمها الإستقرار السياسي.

 

الصراع و المحاصصة السياسية

 

و كما هو معلوم فإن العملية السياسية في العراق بعد الغزو الأمريكي في العام٢٠٠٣ قد أدت إلى قيام نظام سياسي يرتكز على المحاصصة الطائفية السياسية، "تلك المحاصصة التي شكلت دافعا كبيرا للمظاهرات بسبب ما تولده من فساد"، وفقا لما قاله الدكتور إحسان الشمري رئيس منتدى التفكير السياسي العراقي. من جهة أخرى يرى الييد سامان نوح المدير التنفيذي لشركة نيريج للصحافة الإستقصائية" أن الصراع الشيعي- الشيعي يمثل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في وصول الأحداث إلى ما هي عليه اليوم لأن سيطرة المتشددين في البناء و الفتح و عصائب أهل الحق على المشهد السياسي في الآونة الأخيرة أدى إلى قيام بعض التيارات الشيعية الأخرى بمحاولات لإستعادة مكانتها، فكان ذلك انعكاسا سلبيا على العملية السياسية". و ضمن هذا الصراع يبرز جليا دور طهران السلبي ومدى مساهمة هذا الدور في سلب العراق استقراره السياسي.

 

باتت المظاهرات في العراق شيئا مألوفا خلال الأعوام الأخيرة، و غالبا ما تذهب محاولات العراقيين في إحداث و لو ثقب صغير في جدار الإهمال و التقصير الذي شيدته الحكومات المتعاقبة أدراج الرياح، في ظل تنصل المسؤولين العراقيين الدائم عن وعودهم بعد كل موجة مظاهرات تظهر على سطح الأحداث.

صحيح أن المظاهرات الحالية نجحت في انتزاع قرارات هامة، و حركت المياه الراكدة على نحو غير مسبوق، لكن مساحة الأمل في إحداث تغيير كبير على مستوى الأداء الحكومي تبدو صغيرة بدون زحزحة الواقع السياسي العصي على التغيير فيما يبدو.

 


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس