السعودية والرّقص مع "ثعابين" الإخوان

الجمعه 27 ديسمبر 2019 - الساعة 01:47 صباحاً [ 266 زيارة]


حكا الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، في مذكراته، عن زيارته للمملكة أثناء حرب صيف 1994، ولقائه العاهل السعودي الراحل فهد بن عبدالعزيز، وكيف أنّه سمع منه ما لم يكن يتوقعه بالنظر للموقف السعودي الذي أُشيع دعمه للانفصال.. فقد طلب منه الملك الراحل، وهو يهم بالانصراف، توصيل رسالة شفوية للزعيم "صالح" نصحه فيها بتسريع دخول جيش الشرعية إلى عدن، قبل حلول موعد اجتماع الأمم المتحدة، الذي كان متوقعاً أن يعلن إيقاف الحرب ومنع دخول عدن، كما فعل اتفاق ستوكهولم في الحديدة العام الماضي. ليتضح فيما بعد بأنّ تجاذبات تلك المرحلة سارت وفق سيناريو مرسوم غرضه النهائي تجفيف ما تبقى من آثار المعسكر السوفيياتي في الجنوب.

 

كان إخوان اليمن هم الأداة التي استخدمتها الولايات المتحدة للقضاء على مخلفات المعسكر الشيوعي المُتبقية في جنوب الجزيرة، تحت لافتة محاربة الشيوعيين المُلحدين، بعد هزيمة الشيوعية في عُقر دارها؛ فتلقى النظام الحاكم في صنعاء إشارات أمريكية داعمة، قادت للاستعانة بإخوان وأفغان السعودية ومصر والجزائر لخوض ما أُطلق عليها حرب الردة والانفصال في صيف 1994.. والهدف: إنهاء ما تبقى من نفوذ الحزب الاشتراكي على أرض الجنوب، والقضاء على مخلفات الحرب الباردة.. وكان الثمن بعد الانتصار، سيطرة الإخوان على مساحات شاسعة من أرض الجنوب، معظمها صادرتها دولة الحزب الاشتراكي من مالكيها، فضلاً عن الأراضي التابعة للدولة.

 

لعبت السعودية دوراً كبيراً في تلك الفترة سمح بتمدد الإخوان، وتوريط الحزب الاشتراكي في مواجهة شاملة مع أعدائه من الجنوبيين المتضررين من فترة حُكمه وكان مُعظمهم قد لجأوا للعيش في المملكة.. بالإضافة للشماليين الذين خاضوا حروباً دينية قادتها الجبهة الإسلامية ضد الجنوب قُرابة عقد من الزمن.

 

بعد الوحدة، وبسبب الخلاف الذي نشأ بين دولتي صالح والسعودية ومع الأخيرة معظم دول الخليج على خلفية احتلال الكويت، ظن الرئيس الجنوبي الأسبق "علي سالم البيض" أنّ الفرصة قد أزفت لتدعم السعودية عودة الجنوب لدولته المُستقلة. وتسربت معلومات حول حصوله على دعم جعله يُسارع لإعلان الانفصال بعد أربع سنوات من هرولته نحو الوحدة.. غير أنّ ما أسفرت عنه نتائج الحرب من هزيمة مشروع الانفصال.. والأحداث والوقائع التي لحقتها ونجم عنها تمكين جماعة الإخوان وبقية القوى المتطرفة على الشمال والجنوب كشفت المخطط الفعلي الذي استهدف القضاء على ما تبقى من آثار المعسكر الاشتراكي في جنوب الخليج والجزيرة.

 

لم ينته دور إخوان اليمن، بانتهاء حرب صيف 1994.. لأنّ جذورهم كانت قد تصلبت في الشمال بسبب حروبهم التي اعتبروها مُقدسة ضد الاشتراكيين، فضلاً عن تمدد "المعاهد العلمية" التابعة لهم في الجنوب، وكانت مناهجها مُلقحة بجهاديات "حسن البنّا"، وإرهاب "سيد قطب". فكان لزاماً على الحكومة إعادة النظر في بقاء تلك المعاهد.. والقضاء عليها، لكن العكس هو ما حصل.. فقد قبل الإخوان قرار إلغاء تلك المعاهد عام 1997 مقابل بقاء سيطرتهم على وزارة التربية والتعليم، فضلاً عن قيامهم بتأسيس مدارس وجامعات خاصة، أثبتت الأيام أنّها لا تقل خطورة عن تلك المعاهد التي تم إلغاؤها.

 

اليوم، وتحت ظلال التحالف، نسي الإخوان من يُفترض أنه عدوهم المُسيطر على صنعاء، فولوا للمناطق التي يسيطر عليها في مأرب والجوف أدبارهم، مولين وجوههم تجاه مُحافظة شبوة تمهيداً للسيطرة على أبين وعدن لمحاربة المجلس الانتقالي رُغم توقيع اتفاق الرياض بين الشرعية التي يتبعونها والانتقالي الذي صار، وفقاً لتلك الاتفاقية التي لم تُنفذ، ممثلاً لقوى الجنوب.

 

في سياق آخر يحشد إخوان تعز مجاميعهم من معسكر يفرس التابع للشيخ حمود المخلافي بعد تدريبهم لأكثر من عام بتمويل قطري للقبض على مفاصل الحُجرية، ومنها إلى تخوم لحج والضالع لمواجهة قوات "عيدروس" عميل الإمارات كما يزعمون، وبالتزامن يرسلون تهديدات لقوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي مضمونها "المخا حقنا".

 

والمتابع لتغريدات مدير مكتب الجزيرة سعيد ثابت وتابعيه من الإخوان، علاوة على منشورات القيادية الإخوانية "رشيدة القيلي" الداعمة لتنظيم القاعدة، ستتضح لديه الصورة أكثر.

 

نشرت القيلي، قبل أيام، أن حمود المخلافي تلقى إشارة خضراء من الشرعية للقيام بهذا الدور.. وذلك تأكيداً لما سبق أن نشره "شوقي" شقيق المخلافي أوائل مارس الماضي بأنّ أخاه يعمل وفقاً لتوجيهات التحالف.

 

على ذلك، ينبغي الإشارة إلى أنّ الأشقاء في السعودية صاروا اليوم يتحكمون بكافة خيوط الأطراف اليمنية في الشمال وفي الجنوب. وما سبق إشارات ستكشف الأيام تفاصيلها.

 

والأكيد أنّ السعودية لم تعد تقبل باستخدام الإخوان وأشباههم الذين عفى عليهم الزمن من ذوي المشاريع المأزومة، وعلى الأرجح فإنّ ما يعتمل على الواقع "فرمتة" لهم، حتى لا يظلوا من معوقات دولة المستقبل التي يُراد لها أنّ تتشكل على أنقاض ما أنجزته هذه الحرب.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس