التوجيه المعنوي لمحور تعز.. منهج فكري في سبيل تفخيخ العقول (الحلقة الثالثة)

الاثنين 27 يناير 2020 - الساعة 04:02 مساءً [ 242 زيارة]
المصدر : متابعات


يستمر الكتاب الصَّادر عن شعبة التوجيه المعنوي بمحور تعز والمعنون بـ”الإعداد الفكري للمقاتلين للعام التدريبي 2018”، باستعراض موضوع النصر والهزيمة، فيجسِّد مفهوم ”الجهاد” مُتحدِّثاً عن ”الأمة” و“تمكينها”، فعلى الرغم من أنَّ الكتاب مخصَّص للتوجيه المعنوي في المؤسسة العسكرية، إلاّ أنه يستند على خطاب ديني تكفيري، يتحدَّث عن معركة ”الأمة المؤمنة” لا معركة الدولة، وعن ”الجند” لا الجنود، فيغيب الوطن والشعب، ويجد الجندي نفسه ضحيَّة قيادات إرهابية وتكفيرية، قامت بحشو عقله وتفخيخه بالأفكار المتطرفة.

 

حيث يتطرق الكتاب في صفحة 29 لما يقول إنها ”عوامل النصر وأسباب الهزيمة” يتحدَّث الكتاب عن ”إن احترام قانون السببية محل اتفاق بين المسلمين عامتهم وخاصتهم وتربت عليه الأجيال”، مضيفاً إنه ”من احترام قانون السببة التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب”، مستشهداً بقول الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}، حيث يؤكد الكتاب ”هنا يقول الله للمجاهدين المقاومين للظلم والباطل، تحملوا.. اصبروا..“.

 

يواصل الكتاب في صفحة 30 حديثه عن قانون السببية باعتباره من عوامل النصر، ليؤكد ”إن قانون السببية وحقائقه مستنبط من منهاج الله، وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطولات الصحابة الكرام”.

 

ويضيف الكتاب في سياق حديثه عن عوامل النصر فيقول: ”وفي الجهاد ضمن الله معنى إنسانياً نبيلاً وفريداً، وحدد مقاصده العليا منزهة عن الهوى والأغراض العاجلة والمطامع الشخصية من العلو أو التوسع، فهو السند الوحيد لدعوة الله في أرضه”، ليصل الكتاب إلى نتيجة هامة من وجهة نظر من قاموا بإعداده فيؤكد هذه النتيجة بالقول: ”ونستطيع أن نميز أسباب النصر والهزيمة من خلال شرط البيع الأول الذي تم بين العبد وربه، فإذا استوفى شروطه استوفى نتائجه”، ويستدل على ذلك بالآية الكريمة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

 

يواصل الكتاب في صفحة 30 سرده لمفهوم النصر وينوه أن ”ما يجعل النصر محققاً يوم يرى البائع أن أمامه طريقاً واحداً وهو المضي إلى الأمام فلا يلتفت أو يتفلت، ولا يتخير أو يناقش ويحاول، بل الطاعة والعمل والاستسلام والثمن المقبوض هو الجنة، وما يقوي هذا البيع هو السير في الجهاد والحرص على النصر بإحدى الحسنيين”.

 

وفي صفحة 32 وفي سياق الحديث عن أسباب النصر يقول الكتاب: ”إن الارتباط بالله هو الأساس، وإن استنزال النصر يكون بالتوبة واللجوء إلى الله والاستفادة من الفرص”، ويستدل على ذلك بهذا النص ”سأل قتيبة بن مسلم عن محمد بن واسع، وكان في جنده، فوجده يصلي رافعاً إصبعه السبابة، فقال: لأصبع محمد بن واسع خير من ألف مقاتل”.

 

فمعدو الكتاب لا يزالون يؤكدون أنهم يتخاطبون مع ”المجاهد” الذي يقاتل في سبيل الله ودفاعاً عن شرعه، فالخطاب موجه ”للمجاهدين المقاومين” ومعايير النصر يتم مناقشتها من منطلق ديني، وهذا يقود أن ”المجاهد المؤمن” يتم إعداده من خلال هذا الكتاب بغرض الجهاد ضد غير المؤمنين أي ”الكفار”، وهذا المنطق هو منطق الجماعات التكفيرية التي تعيش -وفقاً لما أورده سيد قطب في كتابه معالم في الطريق- داخل مجتمعات جاهلية، وهو ما يستدعي إقامة المجتمع المسلم بقوة السيف.

 

كما أنّ منهج السلفية الجهادية التي أسسها سيد قطب القيادي في حركة الإخوان المسلمين تتجلى بوضوح في صفحات هذا الكتاب، فهو حين يتحدث عن عدم التخيير وعدم المناقشة، ويؤكد على الطاعة والاستسلام، فهو يتحدث من منطلق ”الطاعة العمياء” التي تعد من الثوابت الأساسية لحركة الإخوان المسلمين، ويتم تأسيس مبدأ الطاعة العمياء وفقاً لما ينتظر المجاهد الذي باع نفسه ”فالثمن هو الجنة”، كما يقول الكتاب.

 

بهذا الخطاب يتم غسل العقول وتفخيخها، ويتم صناعة الموت، وإنشاء الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية، فالخطاب الديني التكفيري يستهدف بالعادة صغار السن الذين يسهل السيطرة على تفكيرهم من خلال إغلاق عقولهم وتعطيل صفة التفكير فيها واستبدالها بصفة التكفير، فيظل العقل مجرد متلقٍ فقط.

 

كما أنَّ الكتاب يؤسّس لمبدأ التواكل، وتعطيل العقل والمنطق، ليتم نسب كل هزيمة إلى تقصير في الدين، وربط كل حقائق وبديهيات الكون بالدين، ولذا فإن من السهل على قيادات الجيش اليوم أن تبرر هزائمها وانتكاساتها، طالما والدولة الإسلامية لم تقم بعد.

 

فالكتاب يحدد منهجه بصراحة باعتباره منهجاً دينياً، يقوم على اقتفاء أثر السلف الذين كتب الله لهم ”التمكين”، ففي صفحة 32 يسرد الكتاب قصة حدثت بين عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، ثم يؤكد الكتاب منهجيته فيقول: ”لهذا نحن اليوم نقتفي أثر هؤلاء، لأنهم عرفوا الله فعرفهم ومكنهم، وكم من الكرامات اليوم تسطر في الواقع على أيدي مجاهدين جنود ومقاومين في المواقع لا يؤبه لهم، إلا أن الله يعرفهم حق المعرفة لاتصالهم الدائم به”.

 

ينتقل الكتاب لمناقشة ”حكمة تأخر النصر” وتتم هذه المناقشة وفقاُ لمفهوم ”الأمة” فهو -أي الكتاب- وحسب ما ورد في صفحة 34 يرى أنه ”قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها..“، كما يرى أنه ”قد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله” و“قد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، بل تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه”.

 

ويصل الكتاب إلى حقيقة تشكك الإنسان بنفسه وبقضيته، فهو يرى أنه ”قد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده، وضرورة زواله”.

 

إن منطق الكتاب يقودنا قبل كل شيء للبحث عن الفرد المؤمن، والفئة المؤمنة، والأمة المؤمنة، فالمعركة معركة إيمان وكفر، وتأخير النصر ابتلاء وتمحيص، والمؤمن مبتلى، ثم إن حسم المعركة يبدأ من غرس الإيمان في النفوس حتى يصبح المجتمع مؤمناً، ثم بعد ذلك سيأتي النصر.

 

فمعركة اليمنيين، من وجهة نظر شعبة التوجيه المعنوي التابعة لمحور تعز، هي معركة جهاد في سبيل الله، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه، ثم يأتي بعض الناس ليتحدث عن أسباب دنيوية في تأخير النصر تتعلق بالدولة المدنية وتتحدث عن معركة استعادة الدولة والقضاء على الانقلاب، وغيرها من المفاهيم التي توصف بأنها ”وطنية”!!

 

ما يسرده الكتاب من أفكار هو منهج قيادات تعز العسكرية، القيادات التي أصدر بها رئيس الجمهورية قرارات جمهورية، وحمَّلها المسؤولية في أصعب مراحل البلاد، وهي -أيضاً- القيادات التي تقود ما يقرب من خمسين ألف فرد هم قوام الجيش في تعز.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس