التوجيه المعنوي لمحور تعز.. منهج فكري في سبيل تفخيخ العقول (الحلقة الخامسة)

الاحد 02 فبراير 2020 - الساعة 06:18 مساءً [ 160 زيارة]
المصدر : متابعات


استعراض الكتاب الصَّادر عن شعبة التوجيه المعنوي بمحور تعز والمعنون بـ”الإعداد الفكري للمقاتلين للعام التدريبي 2018” يكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن حالة الخطر التي تتهدَّد المؤسسة العسكرية اليمنية بعد اختراقها من قِبل التنظيمات التكفيرية التي وصلت إلى أعلى المراتب القيادية في الجيش، وباتت هي المسيطرة على القرار فيه، لكن الأخطر هو أن هذه الجماعات التكفيرية باتت هي من تحدِّد المنهج الفكري للجيش من خلال سيطرتها على شعبة التوجيه المعنوي، وأفرغت الجيش من المعاني والقيم الوطنية لصالح الأفكار الدينية المتطرفة، فقضت على ”الجمهورية اليمنية” في قلوب الأفراد لصالح ”الدولة الإسلامية”.

 

في صفحة 46 يتناول الكتاب مبحثاً بعنوان ”قرون الشيطان”، ويعني بها ”رد مظاهر الانقلاب إلى جذورها التاريخية والفكرية”، حيث يتناول المبحث خمسة محاور هي: ”قرن العنصرية، قرن اليهودة، قرن النهب، قرن سفك الدماء، قرن التبعية”.

 

وقد تم وضع مقدمة صغيرة للمبحث استهلها الكتاب ببيت شعري للزبيري، ثم تتحدث المقدمة بعد ذلك أن ”أبا الطغاة في اليمن هو يحيى بن الحسين الرسي الملقب بالهادي، والرس من نجد -وإن سكن أحفاده الحجاز- فلا يزال أحفاد الهادي من أكابر عائلات نجد حتى اليوم، والعجيب أنهم يذكروننا دائماً بحديث رسول الله عن قرن الشيطان الذي يطلع من نجد، ونسوا أن جدهم طلع علينا من هناك..“.

 

ثم يتحدث الكتاب في صفحتي 46 و47 وفي سياق الحديث عن جماعة الحوثي باعتبارها حفيدة الرسيين يتحدث الكتاب عن ”قرن العنصرية” ليصل إلى أنّ الحوثيين ”ولمزيد من إذلال الشعب فقد جعلوا طبقة العبيد التي تباع وتشترى أمراء على اليمنيين وقادة لجيوشهم، فلا تستغربوا إن جعلوا مقوتياً رئيساً، أو جعلوا سارق ساعات قائداً”.

 

الغريب هنا أنّ الكتاب الذي يتهم الحوثيين بالعنصرية يمارس العنصرية المقيتة بأبشع صورتها حين يتحدث عما يقول إنها ”طبقة العبيد” وكيف تم تعيينها في قيادة الجيش، كما يستحقر مهنة ”بائع القات” وهو في حديثه هذا يستند إلى روايات شعبية متداولة أن محمد علي الحوثي كان يعمل في بيع القات وأن قادياً آخر من قيادات الجماعة قام بسرقة إحدى الساعات التي تعود لأحد المسؤولين في الدولة بعد اقتحام منزله، وبغض النظر عن صحة هذه الروايات من عدمها إلا أنّ ممارسة العنصرية بهذا الشكل مردود على معدي الكتاب قبل غيرهم.

 

بعد الحديث عن ”قرن العنصرية” ينتقل الكتاب في صفحتي 47 و48 للحديث عما أسماه ”قرن اليهودة” ومجمل الحديث أنّ هذه الجماعة تتهم خصومها العسكريين والفكريين بأنهم يهود، ويستند الكتاب بقصص شعبية، وليتحدث الكتاب أيضاً عن ”الموحدين” في الفقرة التالية التي تتحدث عن الحوثيين ”ولذلك فحين تسمعونهم يصرخون باللعنة على اليهود، والموت لإسرائيل، فاعلموا أنهم لا يقصدون باليهود إلا خصومهم السياسيين والعسكريين والفكريين من المسلمين الموحدين”.

 

ويستمر الكتاب في الحديث عن قرن اليهودة في صفحة 48 مستنداً في حديثه على بعض القصص والحكايات الشعبية وبعضها منسوب للقاضي العمراني، ليصل إلى الحديث عن دولة الخلافة العثمانية وسلطانها في الفقرة الآتية ”ويكفي أن تعرفوا محورية الدور الذي قام به يحيى حميد الدين وابنه أحمد في خدمة الوكالة اليهودية أولاً من خلال الحرب التي شنها بالوكالة عن اليهود ضد السلطان عبدالحميد الثاني آخر حماة بيت المقدس ورعاتها، واستمرت ثلاثة عقود مما ساعد على إضعاف السلطان ودولة الخلافة العثمانية يومذاك”.

 

إن الخطر الفكري في هذا الكتاب يكمن في إفراغ الصراع القومي العربي الصهيوني من مضامينه الحقيقية باعتبار أن فلسطين هي قضية العرب الأولى في مواجهة حركة الصهيونية العالمية التي زرعت هذا الكيان الغاصب في قلب الأمة العربية، ليتم تناول الصراع بأنه استهداف لدولة الخلافة العثمانية التي يمجدها الإخوان المسلمون وينادون بإعادتها، ولا أدل من ذلك من مدح وإشادة الملحق العسكري في السفارة اليمنية بتركيا الإخواني عسكر زعيل للاحتلال العثماني لليمن، لندرك أننا أمام جماعة مرتهنة للخارج وتمجده ولا تعرف من قيم الوطنية شيئاً، طالما أن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الوطن.

 

ويستمر الكتاب بالإشادة بالعثمانيين في محور ما أسماه ”قرن النهب” فيذكر في سياق حديثه عن الرسيين في صفحة 49 الفقرة الآتية ”ومن العجيب أن الأدعياء الرسيين كانوا في قتالهم للعثمانيين في اليمن إذا دخلوا مدينة يمنية نهبوها، فإذا دخلها العثمانيون لم يطرقوا على أحد باباً، وحين علم الوالي العثماني أحمد فيضي أن أحد جنوده طرق باب أحد المواطنين، وطلب شربة ماء عنَّفه وعاقبه وقال: إن للجندي كرامته وشرفه ولا ينبغي أن يتنازل لأحد، كما أن للمواطن المدني حرمته”.

 

ويسترسل الكتاب بعد هذه الفقرة في مدح العثمانيين ليضيف الفقرة الآتية ”في الوقت الذي يرسل فيه يحيى حميد الدين عسكره على المواطن ويحمِّله مصاريفهم ومأكلهم ومشربهم وتخزينتهم، فإن الوالي العثماني حسين حلمي باشا -قبل ذلك- كان قد أصدر فرماناً يقضي على كل جندي عثماني يبعث إلى مواطن أن يأخذ قشر البن معه حتى لا يتكلف له المواطن إلا الماء المغلي فقط كضيافة”.

 

كيف لنا ونحن نتصفح هذه الكلمات أن نستوعب أن هناك شعباً يمدح محتليه، وأن مدح المحتل يأتي في سياق دروس توجيهية لأفراد الجيش، وهل يظن معدو الكتاب أنهم قاموا بذم الرسيين حين قالوا إنهم كانوا يقاتلون العثمانيين!!

 

ينتقل الكتاب للحديث عما أسماه ”قرن سفك الدماء والإبادة الجماعية” وكذا ”قرن التبعية” مشيراً في صفحة 50 أنهم، أي الرسيين، أجداد الحوثيين ”كانوا خارجين على دولة الخلافة حين كان اليمن جزءاً منها ماضياً، وصاروا خارجين على الجمهورية اليمنية بعد تشكلها حاضراً، وهم في كل مراحل التاريخ جزء من التمدد الفارسي ومدعومون بقتلة الفرس ومجرميهم منذ أرسل كسرى مساجينه مع سيف بن ذي يزن إلى اليمن وألحقوها بفارس”.

 

المضحك المبكي في هذا الفقرة أنها تنتقد التبعية للفرس عن طريق تمجيد احتلال آخر تصفه الفقرة بأنها ”دولة الخلافة” في إشارة إلى الدولة العثمانية التي احتلت اليمن ومعها الكثير من الدول العربية، وهذا التوجه هو توجه جماعة الإخوان المسلمين في تبعيتها لتركيا ونظامها، وتخليد دورها في احتلال الشعوب باسم الخلافة الإسلامية، وقد تجلت تبعية الإخوان المسلمين للمشروع التركي في المنطقة بوضوح تام بعد أن صار مقر التنظيم الدولي للإخوان في تركيا بدلاً عن مصر.

 

هذا كتاب تم إعداده من قبل مجموعة من التكفيريين الذين يعدون بمثابة سرطان خبيث في جسد المؤسسة العسكرية، مجموعة تهدف إلى شرعنة العمالة وتمجيد المحتل وإضفاء صبغة إسلامية عليه، بل والأشنع من ذلك أنها تطلق على هذا الاحتلال لفظ ”الخلافة” لتقول إنّ منهج المحتل هو امتداد لمنهج الخلافة الراشدة في الإسلام، وهكذا يستخدمون الخطاب الديني والعقائدي لتلميع القبح وتقبيح الحق، وبالخطاب الديني الديماجوجي يفرغون عقيدة الجندي في المؤسسة العسكرية من وطنيته وولائه لله والوطن والثورة.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس