التوجيه المعنوي لمحور تعز.. منهج فكري في سبيل تفخيخ العقول (الحلقة الثامنة)

الاحد 09 فبراير 2020 - الساعة 11:47 مساءً [ 175 زيارة]
المصدر : الرصيف برس - متابعات


تستمر مهمَّة استعراض الكتاب الصَّادر عن شعبة التوجيه المعنوي بمحور تعز والمعنون بـ”الإعداد الفكري للمقاتلين للعام التدريبي 2018”، في فضح محتويات الكتاب، التي تعد بمثابة غسيل لعقول أفراد الجيش وتفخيخها بالأفكار المتطرِّفة التي تغلغلت إلى المؤسّسة العسكريّة بعد أن سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة العقائدية التي تتلمذ أفرادها على كتابات سيد قطب وأيمن الظواهري وغيرهما.

 

يناقش الكتاب في صفحة 69 مبحثاً بعنوان ”الغلو.. مفهومه وتطوره التاريخي”، ويعرِّفه أنه ”تجاوز الحدود الشرعية بالزيادة اعتقادا أو عملا، وتجاوز الحدود الشرعية بالزيادة على ما جاء به الشرع الحنيف، وتعني كذلك تحمل الإنسان وتكلفه ما فوق طاقته”، ويرى الكتاب أنَّ ظاهرة الغلو ”تعبر بطبيعة الحال عن جهل الإنسان وقصوره وإخفاقه في فهم النصوص الشرعية وتنزيلها على واقع الحياة”.

 

فالكتاب يريد أن يربط الغلو والتطرُّف بقلة التفقُّه بالدِّين وعدم فهم النصوص الشرعيّة، وهذا يقود -من وجهة نظر من قام بإعداد الكتاب- إلى ضرورة التحاق أفراد الجيش بمدارس دينية تعلمهم الفقه وآلية فهم النصوص الشرعية، وعدم تجاوز الحدود الشرعية، بعد أن كانت المؤسسة العسكرية في السابق تعلمهم عدم تجاوز النظام والقانون. ويهرب الكتاب لمناقشة الظاهرة من جانب ديني وتاريخي، فيقول بنفس الصفحة إنَّ ”الغلو عند بعض الفئات اليهودية أصبح سمة بارزة في الماضي كما في الحاضر، فلم يتورع اليهود عن إيذاء أنبياء الله ورسله وقتلهم، وكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وبعد أن انغمس اليهود في ماديتهم وعدوانيتهم وفسادهم، أرسل الله نبيه عيسى عليه السلام ليخفف من عدوانيتهم وغلوهم..“.

 

في صفحة 72 يبدأ الكتاب بسرد ما يقول إنها ”العوامل الرئيسية للغلو” ويذكر في بدايتها ”العوامل الدينية والمذهبية” ويذهب إلى أنَّ ”ضحالة الفقه الديني لدى جماعات الغلو والتطرف كان من أسباب اتساع دائرة العنف، فجماعات الغلو يغلب عليها الاهتمام بالحديث، بالتوازي مع قلة بضاعتهم الفقهية، وقلة رصيدهم وتجاربهم الواقعية”، فالمشكلة وفقاً لهذه الفقرة تكمن في ضحالة الفكر الديني، ولذا لا بدَّ أن يتم بناء الجيش على أساس ديني بعيداً عن الكلام الساذج الذي يتحدث به البعض عن ضرورة بناء الجيش على أسس وطنية.

 

ثم يذكر الكتاب ”العوامل التربوية للغلو” و“العوامل السياسية” و“الدوافع الاقتصادية والاجتماعية” و“العوامل الجغرافية” و“العوامل الإعلامية والدعائية” والعوامل الشخصية والنفسية” مسهباً في شرح كل منها. في إطار الحديث عن ”العوامل السياسية للغلو” يتحدث الكتاب نهاية صفحة 73 وبداية صفحة 74 بالقول ”ولا شك أن الأنظمة الاستبدادية التي همشت الدين أحيانا وحاربته في أحيان أخرى لعبت دورا كبيرا في نشأة حركة الغلو والتطرف، فجماعة التكفير والهجرة ولدت من رحم السجون المصرية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ثم ما لبثت أن نفثت أفكارها في أوساط العديد من شباب المجتمعات الإسلامية”.

 

فالفقرة السابقة هي امتداد لحملة التكفير التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين ضد الرئيس عبدالناصر الذي كان يفترض أن يتم الحديث عن دوره في دعم ثورة 26 سبتمبر، لكن ما استوعبه الكتاب لا يثير الاستغراب طالما من قام بإعداد الكتاب هو تلميذ في مدرسة الشيخ عبدالله أحمد علي الذي أكد أنَّ حركة الإخوان المسلمين قامت في اليمن ضد ثورة 26 سبتمبر.

 

يستمر الكتاب في صفحة 74 في الحديث عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية للغلو ليبالغ الكتاب في مغالطاته حين يقول ”إن جماعات الغلو الحالية تلقى الكثير من الاحتفاء لدى التيارات العلمانية والجهات التي لا تخفي عداءها للإسلام والمسلمين، وتقوم هذه الجهات بتقديم دعم مباشر وغير مباشر، علني وسري، إعلامي ومالي، نكاية بالتيارات الإسلامية السياسية والجهادية التي تنتهج التوازن والوسطية” وهل يبقى توازن في تيار ديني جهادي أصلاً كي نصدق محتوى هذه الفقرة!!يتحدث الكتاب في صفحة 76 عن ”الآثار العسكرية للغلو” بالقول إنَّ ”الغلو أسهم إلى جانب عوامل أخرى في انزلاق بعض البلدان الإسلامية إلى مستنقع الحرب الأهلية، فجماعات الغلو في العراق وسوريا وليبيا واليمن شغلت المجاهدين عن مهامهم الأساسية وأدخلتهم في صراعات جانبية بسبب غياب فقه الأولويات”.

 

وهذه الفقرة تقود إلى أن نسأل قائد الجيش اليمني: مَنْ هُم المجاهدون في اليمن؟ وما هي مهمتهم الأساسية التي انشغلوا عنها؟ وما هو فقه الأولويات الذي يحدد أولويات المجاهدين؟ وهل أولويات المجاهدين هي أولوية أفراد الجيش؟ غير أنَّ الطامة الكبرى تلوح جلية في الصفحة 77 من خلال لهجة الكتاب الطائفية النتنة التي تتحدَّث عن اصطفاف سني، حيث يقول الكتاب ”لعبت جماعات الغلو دورا كبيرا إلى جانب الدور السلطوي المشبوه لبعض الحكومات الاقليمية في تهشيم أي مشروع للاصطفاف السني لمواجهة المشروع الفارسي الطائفي المتعطش لالتهام البلدان السنية المؤثرة في العالم الإسلامي..“.

 

والتساؤل الأهم هل نحن بحاجة لاصطفاف سُني أم اصطفاف وطني؟ وهل باتت المواطنة المتساوية تقوم وفقاً للمذهب؟ وإذا كنا ندّعي أننا نواجه المشروع الفارسي الطائفي، فهل مواجهة المشروع الطائفي تتم باصطفاف طائفي؟لا أدري بالحقيقة هل وصلت محتويات الكتاب إلى قائد في الجيش ما زال يحترم شرفه العسكري، وهل كان له موقف من هذا الخطاب الذي يدمِّر عقول أفراد الجيش ويحوِّله من جيش نظامي إلى جماعة دينية تكفيرية مفخّخة لإعلان إمارة داعش في اليمن في أية لحظة..!!كما أني لا أخفيكم أني أشعر برجفة وأنا أقرأ محتويات الكتاب، الذي يكفي لإقالة قيادة الجيش بأكملها وليس قيادة محور تعز فقط، لكن لو كنا في دولة تحترم نفسها وتحترم سيادتها ووطنيتها.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس