الشمساني .. الجندي المخلص لـ"المقر" برتبة عميد

الاحد 12 يوليو 2020 - الساعة 11:52 مساءً
المصدر : المحرر السياسي


ثمة سيرة أخرى للعميد عبد الرحمن الشمساني، قائد اللواء 17 مشاه سابقاً، والمعين حديثاً بقرار إخواني كقائد للواء 35 مدرع، وشهادات لم يوقعها جنرالات وأكاديميات الكليات العسكرية والحربية.

 

بل وقعها ضمائر البسطاء وأصحاب القضية وأنصار الدولة والمشروع الوطني، وثمة خبراتٌ تقديراتها التفصيلية والتراكمية بالسالب والراسب، ودمغت بالختم الأحمر ، نهاية محصلة كل سنة، مضت من سنوات الحرب الخمس، كان أمام الشمساني عشرات الاختبارات التجريبية، والفرص التحفيزية ،لكنه فشل.

 

وكي لا نسلب الرجال إيجابياته ككل إنسان لديه إيجابيات وسلبيات، فلن نقول أن الشمساني فشل في جميع اختبارات الواجب والمسؤولية والالتزام وقوة الشخصية وهيبة القيادة وحنكة القائد والدهاء ومعيار الأمانة التاريخية والولاء الوطني والشرف العسكري.

 

بل الحقيقة في أنه فشل في بعضها فشلاً ذريعاً، وكان "الصفر" هو محصلة ما بذله وحققه في بعض تلك المواد الصعبة، واختباراتها القاسية أحكامها ونتائجها على من لا يجد في نفسه الشجاعة والشكيمة لإجابة تساؤلات اللحظة الوطنية الراهنة، والمنعطف التاريخي الخطير الذي تمر به البلاد.

 

بعيداً عن تاريخ ومحل الميلاد، ودراسته الابتدائية والثانوية والعسكرية، بعيداً عن حياته الاجتماعية، وشهاداته المهنية وخبراته الميدانية والتدريبية، وبعيداً عن الإكليشيهات الخادعة، نجدنا مرغمين بكل أسف، لاستعراض السيرة المهنية، والسمعة الشخصية، التي كونها قائد اللواء 17 مشاه، وسط رفض واسع النطاق، مدنياً وعسكرياً، في وحدات اللواء، وفي مسرح عملياته الجغرافي، وفي حاضنته الشعبية العريضة.

 

عام 2015م، عين العميد عبد الرحمن الشمساني قائداً للواء 17 مشاه، وهو الضابط المهني، كما يفترض، خريج الكلية الحربية، ليتولى قيادة لواء، من ثلاثة الوية رئيسية، كانت مناطة بالدفاع عن تعز.

 

لم يكن اللواء 17 مشاه موجوداً في الحقيقة حين عين الشمساني قائداً له، تماماً كما ظل اللواء 22 ميكا، عبارة عن بضعة أطقم عسكرية لحراسة قائده صادق سرحان.

 

بخلاف اللواء الثالث 35 مدرع، الذي كان يتخلق كالعنقاء من تحت الرماد مجدداً، ويخوض معارك البطولة والبسالة التي تسابق على التحدث باسمها والتقاط الصور التذكارية بالنيابة عنها، الأسماء المذكورة، وطابور طويل من رموز المقاومة المزيفة.

 

الشمساني الذي يصفه زملاؤه من الضباط، بالعسكري الشجاع، والمقدام في ساحة الوغى، وقائد الإغارات في ميادين المعارك، اتفق منذ البداية، كما نقل عنه رفاقه، مع قيادة الإصلاح، على أن يعين كقائد للواء 17 مشاه، وأن يلحق بهذا اللواء المجاميع المسلحة الوحيدة التي تأسست وخضعت مباشرة لحزب الإصلاح، بقيادة عبده حمود الصغير.

 

كان ذلك قبل أن يتمكن الإصلاح من السيطرة على مفاصل وقادة الفصائل المقاومة الأخرى الأكثر عدداً والأكبر تمثيلاً، والتي لم تكن تدين لحزب الإصلاح بدين، وكان اتفاق الحزب مع الشمساني بأن يشكل اللواء 17 مشاه من مجموعات عبده حمود الصغير، ولواء الطلاب "الإصلاحي"، ولواء الصعاليك الذي سيطر عليه نجل "سالم" المسؤول العسكري لجماعة الإخوان، عزام عبده فرحان، وحفيد القيادي الإصلاحي داود الحدابي، المدعو الحسين بن علي.

 

وكان الشرط الرئيس الذي يحكم علاقة الشمساني بالإصلاح، هو أن يعين قائداً للواء، مقابل عدم تدخله في أي شأن من شؤون اللواء 17 مشاه، أو بصورة أوضح، التخلي عن كامل صلاحياته، لمدرس اللغة العربية الإصلاحي، التربوي عبده حمود الصغير، والذي صدر قرار له هو الآخر بمنصب أركان حرب اللواء 17 مشاه.

 

وافق الشمساني على الفور، وشجع ذلك الإصلاح لفرض اللواء 17 مشاه واقعاً على الأرض، رغم أنه غير موجود في هيكل الجيش، الذي لا يوجد فيه سوى اللواء 17 دفاع ساحلي، لكن، نفوذ الإصلاح داخل الشرعية يصنع السحر، ويزين الكُفر.

 

خلال سنوات الحرب، انتقل لواء الصعاليك، من أدوار البطولة والشرف التي سجلها شبابه المتمردون في مختلف الجبهات، ليختطف بقوة المال والسلاح والعصبية ومطرقة الإخوان، ويسحب ليهيمن على الشرطة العسكرية، وإدارة أمن شرطة تعز، وليكن بمثابة حرس المعبد الإخواني.

 

إذ كثيراً ما كان هذا اللواء العصا الغليظة التي يضرب بها كل قائدٍ عسكري يريد بناء وحداته على أسس نظامية وقانونية، وما حدث لقائد الشرطة العسكرية السابق جمال الشميري حين منعته قواته من دخول مقر الشرطة العسكرية وتمردت على قائدها الشميري وأطلقت النيران عليه.

 

وأمثال الشميري من القادة الذين شهدوا الفوضى في هاتين المؤسستين الشرطة العسكرية وشرطة أمن تعز، إلا واحدة من عشرات الضغطات الفوضوية التأديبية التي يضغط عليها المستشار "سالم" كلما أراد تأديب قائدٍ عسكري يظن أن شهادته وخبرته وشجاعته العسكرية تؤهله لاتخاذ القرار.

 

وفيما كان لواء الصعاليك، المنضوِي إسمياً تحت قيادة اللواء 17 مشاه، يخوض عشرات الاشتباكات الفوضوية الطفولية، مخلفاً وراءه الضحايا من عسكريين ومدنيين الذين يتساقطون نتيجة نزق وبلطجة وغرور بعض الشباب المارقين، كان عبده حمود الصغير، بقواته المخلخلة، يستولي على الشق الغربي من المدينة.

 

وفي ظل الإهمال والقصور والفشل القيادي العسكري، كانت الجبهات التي ترابط فيها قوات الصغير بأفضل الأحوال بضعة أشخاص لا يزيدون على أصابع اليدين أو اليد الواحدة، يخسرون حياتهم كشهداء أو مواقعهم القتالية كهاربين، مع كل هجوم حوثي، ما لم تنجدهم تعزيزات عسكرية فذة لإنقاذ الجبهات والمواقع من السقوط أو لاستردادها بعد استيلاء العدو الحوثي عليها، وغالبية هذه التعزيزات كانت من اللواء 35 مدرع!

 

عبد الرحمن الشمساني الذي كان صريحاً منذ البداية مع زملائه، وهو يخبرهم بأنه قبل التخلي عن صلاحياته ومسؤولياته كقائد مقابل المنصب المتواضع وامتيازاته التي كبرت وتضاعفت بفضل الاحتيال، كان يجيب ببساطة، يغلفها ببراءة استنكارية، مبدياً ذهوله وجهله، إزاء كل خطأ أو جريمة يرتكبها أفراد من اللواء الذي يفترض أنه قائده.

 

أو حتى إزاء القرارات الكارثية التي تتخذ – غالباً دون علمه، أو دون فهمه كما يدعي عند كل مكاشفة – ومن ذلك على سبيل المثال ليس إلا: تدريب مليشيات الحشد الشعبي الإخوانية، في معسكرات اللواء 17 مشاه واللواء 22 ميكا.

 

فقد كان مسرح عمليات اللواء 17 مشاه، ومعسكراته القتالية، مواقع تدريبية لمليشيات الحشد الشعبي التي تم إعدادها آيديولوجياً، بتعبئة متطرفة عقائدياً وحزبياً، وتدريبها عسكرياً، ولكن على مناهج أمنية.

 

أي أن هذه القوات أشبه بأجهزة الأمن الوقائي أو قوات مكافحة الإرهاب، التي برغم أهمية تدريباتها، إلا أنها تستهدف في عملها معارضي جماعة الإخوان من المدنيين بالدرجة الأولى.

 

كشف السر على حين غرة، بعد أن تسربت صور التقطت لاحتفالات تخرج دفعات من "الحشد الشعبي" دون خجل من دلالات الإسم الطائفية وسمعة مليشيات الحشد الشعبي العراقية السيئة عالمياً، حينها ظهر الشمساني على أحد المواقع الإخبارية ليؤكد حقيقة هذه التشكيلات والتدريبات، ويبرر ذلك بأنها تشكيلات مساندة للجيش!!!

 

هل كان يسوق الهبل على الشيطنة أم أنه بالفعل، معنى أن يتولى ضباط وأفراد الجيش تدريب مليشيات حزبية غير نظامية، وأين؟! في معسكرات الجيش وفي مسرح عملياته القتالية، وبإمكانياته العينية واللوجستية.

 

لكن الأنكى في هذا السياق، هو فتح الشمساني، سواءً بقرار منه أو بالنيابة عنه من أركان حرب لوائه، عبده حمود الصغير، معسكر يفرس في نطاق مسرح عمليات اللواء 17 مشاه، لتدريب مليشيات حمود سعيد المخلافي، أو ما أطلق عليه إعلامياً باسم معسكرات العائدون من الحد الجنوبي، فيما العائدون اليوم قابعون في بيوتهم.

 

وتلك كذبة غير شرعية حتى ككذبة، للتغطية على نشاط التخليق المليشاوي الذي يقوده الإصلاح لبناء أذرعه الفتاكة، وهي تلك المعسكرات التي صورت يوماً بالكاميرات الطائرة، ونشرتها قناة الجزيرة القطرية بفخر، لتكيد بذلك خصيمتها السعودية، وتقول لها علناً، أننا نملك الآن 15 ألف مقاتل تحت أمرنا، وأن تعز باتت بأيدينا ونحن من يتحكم بالأوضاع فيها؟!

 

برر الشمساني يومها لبعض منتقديه أن هذا يأتي في سياق حشد الشباب وتجهيزهم للمساندة في معركة تحرير تعز، وكأن ما ينقص تحرير تعز التي ما زال في ذمتها 40 ألف مقاتل، نثرهم القادة في العراء، ولا يعلم أحد إلى الآن إلى أين تذهب مستحقات ومخصصات الكثيرين منهم.

 

وكأن تعز تحتاج للمزيد من الأرواح والأنفس التي ستهيم وتتبخر تحت طائلة الإهمال والظلم واختلاس حقوقها ورواتبها وتركها ترعى بلا قيادة ولا خطة ولا وجهة، إلا إذا كانت مهمة هذه الدفعات الجديدة من المقاتلين، هو الزج بهم في محارق جديدة، ومشاريع صغيرة ممولة بسخاء، ليس للوطن فيها أي مصلحة، وهنا تماماً يجد النخاسين مصالحهم وفرصهم الثمينة، حين تغتال أمل الوطن، وحقوق وكرامة مواطنيه.

 

أما في العلاقة مع تحالف دعم الشرعية، فالشمساني، فتى المزادات البطولية، وكمثال فقط، كانت آخر مزاداته البطولية، حين ذهب لمقابلة مندوبي التحالف في العاصمة المؤقتة عدن، مبدياً استعداده للتقدم لوائه باتجاه مدينة البرح التي تخضع للحوثيين غرباً، بموازاة تقدم القوات المشتركة التي ستتجه شرقاً لعمل "كماشة" على المليشيات الحوثية بهدف القضاء عليها والتحام القوتين في معركة فتح الطريق الغربي لتعز.

 

قبض الشمساني الدعم المقدم من التحالف 10 ملايين ريال سعودي، إضافة إلى 20 طقماً عسكرياً، ثم عاد أدراجه إلى تعز، فهو أمين في إيصال المبالغ إلى أولياء الأمر، وأخذ حصته الشخصية كفرد من الغنيمة، واتكأ في منزله، وحين سئل عن سر تنصله من تعهداته والتزامه بالتقدم، قال: "القيادة أمرتني بعدم التحرك" وطبعاً، طاعة ولي الأمر واجبة كما يقول السلفيون.

 

غير أن أكثر ما هيج مشاعر منتقدي الشمساني، وآلم الكثيرين من زملائه ومن تربطهم به علاقة صداقة أو زمالة مهنية ورفاقية سلاح، وعلى رأسهم الشهيد العميد عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، هو المشاركة الفعالة، لوحدات وأفراد وعربات ومدرعات اللواء 17 مشاه الذي يقوده الشمساني في محاصرة وتطويق اللواء 35 مدرع، بل وفي الغزوات والاقتحامات المتكررة لمسرح عمليات اللواء 35 مدرع، في مديريات المسراخ والمعافر والشمايتين.

 

وهي الهبات والغارات التي نفثت نسختها من الفوضى والعبث والفتن في مديريات الحجرية الآمنة، وأثارت الشحناء والبغضاء والمناوشات وشرارات الاقتتال الأهلي، التي لطالما أطفأها الشهيد الراحل عدنان الحمادي، ورفض أسبابها ونتائجها، ودفع ثمنها حياته وحسرةٌ حارقة في عينيه، يومض شررها في سماءِ من خانوه وباعوه وتآمروا عليه، بقناع النية الحسنة، والجهل بالعواقب، وأكتالوا بدمه ومشروعه وتضحياته ورفاقه وأنصاره، كيل بعير من المال الحرام!


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس