أمريكا في مرحلة «النقد الذاتي» حول الصين.. التعايش أم الحرب؟

الجمعه 24 يوليو 2020 - الساعة 11:10 مساءً
المصدر : متابعات خاصة


بمزيج من المراجعة والنقد الذاتي وإثارة الهمم، ألقى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، خطاباً يعد ذروة الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والصين، حتى الآن. فقد استخدم الوزير الأمريكي عبارات مثل «الطغيان الصيني» و«الوحش» و«الاستبداد» و«صراع الحق والباطل» في تقييمه للسياسات الصينية.

 

ولا تقل رمزية المكان عن مضمون الخطاب. فقد اختار بومبيو مكتبة نيكسون في مسقط رأس ريتشارد نيكسون في كاليفورنيا، وهو الرئيس الأسبق الذي دشن عصر الانفتاح الأمريكي مع الصين في العام 1972 مع وزير خارجيته في ذلك الوقت، هنري كيسنجر.

 

مبدأ نيكسون

 

أجرى بومبيو تقييماً سريعاً وحاسماً للسنوات التي تلت الانفتاح الأمريكي في عهد نيكسون، ثم توج في عهد الرئيس جيمي كارتر عام 1979، مضمناً نقداً ذاتياً للسياسة الخارجية الأمريكية في تلك المرحلة. وقال إن مخاوف نيكسون من تبعات ما فعله عندما مهد الطريق أمام الحزب الشيوعي الصيني لإقامة صلات مع العالم في السبعينيات «كانت في محلها. فالرئيس نيكسون قال ذات مرة إنه يخشى أن يكون قد خلق وحشاً بفتح العالم أمام الحزب الشيوعي الصيني، وها قد وصلنا إلى هذه المرحلة»، ودعا إلى إنهاء «التواصل الأعمى» مع الصين وكرر الاتهامات الأمريكية لها بأن ممارساتها التجارية غير عادلة وبانتهاك حقوق الإنسان والسعي للتغلغل في المجتمع الأمريكي. ومن ضمن المراجعة الشاملة، خلص بومبيو إلى أن «سياساتنا وسياسات الدول الحرة الأخرى أعادت إحياء اقتصاد الصين المنهار، لنرى بكين بعدها تعض الأيدي الدولية التي امتدت لها»، في إشارة إلى السياسات الغربية التي سعت في تلك الفترة إلى تطبيق استراتيجية لم تثبت نجاحها استراتيجياً، وهي تفكيك المعسكر الشيوعي عبر إبعاد الصين عن الاتحاد السوفييتي، فقرر معسكر حلف الناتو الانفتاح على الصين بشكل جماعي.

 

أطلق كيسنجر على هذا النهج السياسي - أي ما بات يعرف بمبدأ نيكسون- اسم «المشاركة في القيادة»، ويقوم على احتفاظ أمريكا بمركز قيادي في العالم، من خلال الانتقال من وضع الهيمنة، إلى وضع المشاركة في القيادة مع آخرين، باعتبار أن الولايات المتحدة لن تستطيع حل كل الأزمات العالمية.

 

كان مناصرو هذه السياسة يأملون في أن تدفع هذه السياسات الجديدة الصين إلى الانزياح نحو العالم الليبرالي، استناداً إلى فرضية غير مثبتة في علم الاجتماع السياسي، بأن الانفتاح الصيني مع العالم الليبرالي على القواعد الاقتصادية الغربية، ستؤدي إلى حدوث تغيير عميق في الصين نحو الليبرالية. ما حدث لاحقاً، ويتجسد هذه الأيام، كان تفكيك العالم الليبرالي عبر التهافت على السوق الاستهلاكية الصينية، المورد الربحي الأكبر لكبرى الشركات في العالم.

 

الانفتاح على الحرب

 

اتّسم خطاب بومبيو بنبرة تذكّر بتلك التي طبعت لغة التخاطب بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي السابق إبان الحرب الباردة بينهما، فالصين هي اليوم دولة «استبدادية أكثر فأكثر في الداخل، وأكثر عدوانية في عدائها للحريّة في كلّ مكان آخر». كما اتّهم الرئيس الصيني شي جينبينغ بأنّه «تابع مخلص لإيديولوجية شمولية مفلسة». ودعا «العالم الحرّ» إلى الانتصار على «الطغيان الجديد»، و«حماية حرياتنا من الحزب الشيوعي الصيني هي مهمة عصرنا هذا»، و«إذا انحنينا الآن، فقد يصبح أطفالنا تحت رحمة الحزب الشيوعي الصيني».

 

ورغم أن بومبيو لم يدعُ إلى تغيير النظام الحاكم في الصين، فقد أشار إلى أنه يجب على الولايات المتحدة «التدخل، وتمكين الشعب الصيني».

 

لا يوجد ما يرجح فرضية أن هذه الكلمات جزء من معركة دبلوماسية فقط. فالانفتاح على الحرب العسكرية ضد الصين لا يقل عن الحماس للانفتاح السياسي الذي كان أيام نيكسون حين ظهر مصطلح جديد في عالم الدبلوماسية كعنوان للمرحلة، أطلق عليه «فتح الصين».


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس