في صنعاء والحجرية.. كيف تم اغتيال عبدالرقيب عبدالوهاب للمرة الثانية بعد 40 سنة

الخميس 03 سبتمبر 2020 - الساعة 11:50 مساءً
المصدر : الرصيف برس - متابعات نيوزيمن


 

أواخر يناير من عام 1969م كانت صنعاء على موعد مع أشهر حادثة اغتيال سياسي بطريقة بشعة كان ضحيتها من صد عن المدينة جحافل الإمامة حين تركها نخبة القوم.

 

حادثة تركت جرحا غائرا في الذاكرة اليمنية وتحديدا في ذاكرة أبناء تعز وبالأخص أبناء الحجرية، خسرت فيه بطلا لم يتكرر لعقود.

 

إنه الشاب عبدالرقيب عبدالوهاب ابن الحجرية الذي تقلد منصب رئيس هيئة الأركان في الشطر الشمالي بعمر الـ 26 عاما، بقرار من ميدان المعركة في صنعاء التي كادت ان تسقط بيد الإمامة وتسقط معها الجمهورية بعد ان فرت منها رجالات الدولة والجيش وكان احدهم رئيس هيئة الأركان الشيخ/ علي سيف الخولاني.

 

تهاوت الجمهورية عقب اعلان مصر سحب قواتها من اليمن اثر نكسة 67م، وهو ما أدى بالنتيجة إلى انقلاب نوفمبر 67م برئاسة الارياني والاطاحة بالمشير السلال.

 

انقلاب قادته قوى كانت تصر على ان الوجود المصري هو أساس المشكلة وان الحل العسكري لم يعد مجديا وان لا حل الا بالسلام والتفاوض مع الاماميين، لكنها سرعان ما ولت هاربة بعد تساقط المناطق الجمهورية بيد الامامة إلى ان وصلت إلى تطويق عاصمة الجمهورية صنعاء.

 

تركت هذه القيادات صنعاء تواجه جحافل الامام البدر لمجموعة من الضباط الصغار "عمرا" ومنهم عبدالرقيب قائد قوات الصاعقة، التي لعبت دورا حاسما في صمود صنعاء في حصار الـ70 يوما من نوفمبر 1967 إلى فبراير 1968م.

 

اشتد الحصار وباتت فيه الجمهورية محصورة في اضيق مساحة بصنعاء لا تتجاوز "صنعاء القديمة" بعد ان سقطت اهم الجبال المحيطة بها بيد الامامة ومنها جبل عيبان وقطع خط الإمداد الوحيد الواصل إلى الحديدة، وانسحاب المجاميع القبلية التي كان يقودها الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.

 

سرعان ما تدخلت القوات الجمهورية والمقاومة الشعبية بقيادة الضباط الشباب وعلى رأسهم عبدالرقيب عبدالوهاب التي تمكنت من استعادة الجبل وكان ذلك مفتاح النصر وكسر حصار صنعاء، وتحول الجمهورية من الدفاع إلى الهجوم.

 

بمجرد ان كُسر الحصار بدأت القيادات الهاربة من قوى انقلاب نوفمبر بالعودة والبحث عن موقع لها في مشهد النصر الذي طغى عليه الضباط الشباب، فكان لا بد من التخلص منهم للتخلص من عار الهروب.

 

ولم يكن ذلك السبب الوحيد للتخلص منهم، فانكسار حصار صنعاء وتوازن القوى دفع بقوة بمفاوضات السلام بين الامامة وبين قوى انقلاب نوفمبر أو القوى الرجعية، كما يسميهم الجمهوريون.

 

 كانت هذه القوى تدرك ان السلام مع قوى الامامة سيواجه برفض من قوى الجمهورية وعلى رأسهم الضباط الشباب الذين دافعوا عنها، فكان ذلك دافعا آخر للتخلص منهم لتمرير السلام أو ما عرف بالمصالحة الوطنية التي تمت عام 1970م.

 

وهو ما تم فعلا قبل الوصول إلى هذه المصالحة بالتخلص من قوى الجمهورية ومن الضباط الشباب الذين تم نفيهم إلى الجزائر أواخر 68م بذريعة نزع الصراع داخل الجيش الذي تفجر في أحداث أغسطس من العام ذاته مع الضباط الكبار وعلى رأسهم الخولاني.

 

اكتشف الضباط الشباب ان الهدف كان التخلص منهم فقط، بعد ان عاد كل الضباط المحسوبين على القوى الرجعية، فعادوا إلى اليمن وإلى حتفهم وعلى رأسهم عبدالرقيب عبدالوهاب الذي عاد إلى صنعاء مطلع 69م، ليتم تصفيته بطريقة بشعة.

 

أغلب الروايات التاريخية تشير إلى انه تم اعتقاله بعد ان دعي إلى منزل رئيس الوزراء حينها حسين العمري، وفر من السجن الحربي بعد قصفه بالدبابات بغرض قتله، إلى منزل الخولاني الذي منحه الأمان لكنه سارع بإبلاغ العمري بوجوده في منزله.

 

قاوم عبدالرقيب عبدالوهاب القوة العسكرية التي حضرت إلى منزل الخولاني بسلاحه الشخصي وأصيب في قدمه، وتم اعتقاله مصابا ومن ثم تصفيته وسحل جثته في شوارع صنعاء ولا يعلم حتى اليوم مكان دفنها.

 

طيلة الـ 40 عاما اختفت قصة البطل عبدالرقيب، فكان من الصعب الحديث عنها بعد ان تحكمت القوى التي شاركت في هذه الجريمة في نظام الحكم وبخاصة في عهد صالح، لتعود صور البطل وتظهر في صنعاء ابان ثورة 2011م.

 

لكن الاحياء الحقيقي لبطل الجمهورية والسبعين كان في حرب 2015م وفي تعز وتحديدا في جبهة الضباب، حين ظهر اسمه على أول كتيبة عسكرية نظامية تشترك في القتال ضد مليشيات الامامة الجديدة.

 

كان ذلك على يد اللواء 35 مدرع وقائده الشهيد عدنان الحمادي وفي منطقة الضباب برفقة عدد من قيادات اللواء منهم فؤاد الشدادي – قائد مقاومة الحجرية -، عبدالحكيم الجبزي رئيس عمليات اللواء لاحقا والذي تولى قيادة هذه الكتيبة.

 

كانت أول كتيبة عسكرية يتم تشكيلها منذ اندلاع الحرب وجاء تشكيلها في يونيو من عام 2015م، ضمن معركة فك الحصار عن تعز بعد نجاح اللواء وقائده عدنان الحمادي في منع سقوط مدينة تعز بيد مليشيات الامامة، فلعبت هذه الكتيبة والقيادات التي أسستها ذات الدور الذي لعبه من حملت اسمه في فك حصار صنعاء.

 

كان للكتيبة الدور الأبرز في معارك الضباب المنفذ الجنوبي لمدينة تعز والوحيد للمدينة المطوقة من قبل مليشيات الامامة من كافة الجهات والمنافذ، وكان المنفذ الجنوبي الرابط إلى المناطق المحررة في الحجرية والجنوب المنفذ الوحيد للعالم.

 

لكن المنفذ كان مهددا بشكل مستمر جراء عدم تأمين منطقة الضباب، وزادت الأمور سوءاً بسيطرة مليشيات الحوثي على منطقة نجد قسيم ما شكل قطعا تاما للمنفذ الوحيد لتعز.

 

وبعد ان أسهمت الكتيبة مع عناصر المقاومة في تأمين جبهة الضباب انطلقت مع قوات اللواء 35، نحو تحرير منطقة نجد قسيم ومديرية المسراخ وفك الحصار عن المدينة.

 

كان الشهيد عدنان الحمادي يسابق الزمن في تجميع قوات اللواء 35 وتدريب وتخريج كتائب عسكرية محترفة في النشمة بالمعافر والعين بالمواسط والتربة بالشمايتين.

 

أسهمت هذه القوات في تحرير وتأمين مساحات واسعة من مديريات الحجرية بدءاً بجبهة راسن في الشمايتن وصولا إلى تحرير مديرية المسراخ بالكامل في مارس من عام 2016م، بالتزامن مع تحرير منفذ الدحي وهو ما خلق خط حياة لتعز إلى المناطق المحررة.

 

 بحلول منتصف 2016م كانت قوات اللواء 35 تسيطر وتؤمن 8 مديريات في تعز تشكل ما يربو عن 70% من المناطق المحررة.

 

أشعل سطوع نجم اللواء وقائده الحمادي وسيطرته على مشاهد النصر غضب القيادات الفاشلة القابعة في هامش الصورة، في تكرار لمشهد ما بعد حصار السبعين في صنعاء.

 

وكما كان التخلص من عبدالرقيب ورفاقه وإزاحتهم من المشهد ضرورة حتمية لتحقيق المصالحة مع الملكيين كثمرة لانقلاب نوفمبر، كان إزاحة الحمادي ورفاقه ذات الضرورة لتحقيق التفاهم بين جماعتي الإخوان والحوثي كثمرة للانقلاب القطري على التحالف العربي ودخوله الحلف المعادي له مع إيران.

 

فبدأت الحرب ضد الحمادي ورفاقه واللواء 35 مدرع، توجت باغتياله مطلع نوفمبر من العام الماضي وتوجهت بعدها إلى رفاقه، وبخاصة من ارتبط اسمهم بكتيبة عبدالرقيب عبدالوهاب التي تولى قيادتها عبدالحكيم الجبزي رئيس عمليات اللواء.

 

فكان نصيب الجبزي من الانتقام هو الأشد، باقتحام منزله واصابة زوجته واختطاف نجله اصيل وإعدامه لاحقا بطريقة بشعة مع التمثيل بجثته في جريمة هزت المجتمع في تعز.

 

كما نال فؤاد الشدادي قائد مقاومة الحجرية واحد مؤسسي الكتيبة نصيبا من الانتقام باقتحام منزله ومنازل اقاربه في مديرية المعافر، ليصبح هو مع عدد من ضباط اللواء وقياداته مطاردين من قبل مليشيات الإخوان.

 

قد يكون صحيحاً بان التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن يمكن لتطابق الفكرة والظروف أن يعيد تكرار أحداث التاريخ مع اختلاف الأسماء فقط.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس