القبائل تقود الدفاع عن مأرب وسط ارتباك الشرعية

الخميس 08 أكتوبر 2020 - الساعة 05:50 مساءً
المصدر : كتب/ ماجد المذحجي


يشهد اليمن حربًا ضروسًا بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا برئاسة عبدربه منصور هادي وجماعة الحوثيين منذ ست سنوات، تخللتها سيطرة الأخيرة على مساحات شاسعة من شمال اليمن، ويبدو اليوم أن مصير الحرب في اليمن سيُحدد في محافظة مأرب.

 

تواجه الحكومة تحديات جدية في سيطرتها على هذه المحافظة، التي تعد أحد آخر مراكز القوة الرئيسية لها في البلاد، إذ تسعى قوات الحوثيين لبسط سيطرتها على شمال اليمن بأكمله، والسيطرة على موارد النفط والغاز في مأرب. وحتى الآن، نجح الدفاع المستميت على المحافظة من قِبل القبائل المحلية والقوات الحكومية والتحالف الذي تقوده السعودية في منع الحوثيين من الزحف باتجاه مدينة مأرب، مركز المحافظة، وحقول النفط إلى الشرق.

 

تحولت المعركة للسيطرة على مأرب في الأسابيع الأخيرة إلى حرب استنزاف؛ حيث نشر الحوثيون المزيد والمزيد من المقاتلين على عدة جبهات. وللدفاع عن المحافظة، اعتمدت الحكومة بشكل كبير على القبائل المحلية لصد هجوم الحوثيين، في الوقت الذي تُطرح فيه العديد من الأسئلة حول قدرات وإمكانيات الجيش اليمني.

 

ساعدت إعادة تنظيم قوات الجيش مؤخرًا باستقرار الوضع جزئيًا، ولكنه استقرار نسبي هش، لا سيما في الوقت الذي يلوح فيه اختراق محتمل للحوثيين في الأفق.

 

بعد سنوات من الجمود على خطوط المواجهة، اندلع الصراع المتجدد على مأرب في أوائل عام 2020 مع ضغط الحوثيين على المحافظة من عدة جهات.

 

استولى الحوثيون في نهاية فبراير/شباط على مساحات شاسعة من محافظة الجوف المتاخمة لمأرب في شمال البلاد، وفي مايو/أيار، نجحت جماعة الحوثيين -وبحسم -في إخماد انتفاضة قبلية ضدها في مديرية ردمان آل عواض في محافظة البيضاء.

 

أدى هذا الانتصار إلى إنهاء معادلة الحياد القبلي، حيث كانت أراضي قبيلة آل عواض في البيضاء مغلقة أمام القوات الحكومية والحوثيين، وهي الديناميكية التي كانت سائدة منذ عام 2015. وبإخمادهم الانتفاضة القبلية، أوجد الحوثيون ممرًا للتقدم نحو مأرب من الجنوب، في الوقت الذي يستمرون بالهجوم من الشمال والغرب. ووضع الهجوم على مأرب من الجنوب الحوثيين في مواجهة مع واحدة من أكثر الكتل القبلية تماسكًا وقوة في المحافظة، وهي قبيلة مراد.

 

ومع عدم استعداد القوات الحكومية لمواجهة هجوم الحوثيين في أعقاب الانتفاضة القبلية الفاشلة في البيضاء، تركز الثِقَل العسكري للدفاع عن جنوب مأرب على قبيلة مراد، ما كان له عواقب جدية سواء بالنسبة للمعركة من أجل السيطرة على المحافظة أو القتال في أجزاء أخرى من اليمن. ومن أجل الدفاع عن أراضي قبيلتهم، استدعت قبيلة مراد رجالها الملتحقين بالجيش من جميع أنحاء اليمن، ما أسفر عن إضعاف القوات الحكومية على جبهات أخرى. وفي سبتمبر/أيلول، تقدم الحوثيون في جنوب مأرب بعد معركة شرسة في مديرية ماهلية ووصلوا إلى مديرية الرحبة التي ينتمي جميع سكانها إلى قبيلة مراد والواقعة على حدود مديريتي الجوبة وجبل مراد، اللتين تشكلان القلب القبلي لأراضي قبيلة مراد.

 

تثير التطورات الدراماتيكية منذ شن الحوثيين هجومهم المتجدد في مأرب والاعتماد على القبائل للدفاع عن المحافظة أسئلة متعددة حول الاستراتيجية العسكرية والقدرات القتالية للحكومة وحلفائها في التحالف الذي تقوده السعودية. تكشف هذه التطورات عن فشل استثنائي للحكومة والتحالف في دعم قبائل مأرب الموالية للحكومة والمناوئة للحوثيين. وتشمل القضايا الرئيسية التي اُبتليت بها الحكومة والتحالف في مأرب الفساد المتعلق بعمليات التجنيد، بما في ذلك ظاهرة الجنود الأشباح الفادحة، والصراع وعدم التنسيق بين القادة العسكريين اليمنيين إذ انتشرت في الأشهر الأخيرة، على سبيل المثال، شائعات عن صراع بين وزير الدفاع محمد المقدشي ورئيس هيئة الأركان العامة في الجيش اليمني الفريق صغير بن عزيز.

 

ويجب أن تسلط إخفاقات الحكومة الضوء على دور ومسؤولية نائب الرئيس علي محسن الأحمر – وهو من أهم الفاعلين في مأرب – بالشراكة مع حزب الإصلاح في استخدام مأرب كمنطقة نفوذ وقوة.

 

في فبراير/شباط عُيّن بن عزيز رئيسًا لهيئة الأركان العامة في الجيش اليمني، ولعب دورًا أكثر تأثيرًا على مستوى اتخاذ القرار العسكري بمأرب في أعقاب عدة هزائم، أُلقي باللوم عليها ضمنيًا على المقدشي والأحمر. يعد بن عزيز أحد خصوم الحوثيين الشرسين إذ قاتلهم في السابق في محافظة عمران، مسقط رأسه، عام 2014 عندما كان الحوثيون يتقدمون نحو صنعاء.

 

عمل بن عزيز على إعادة تنظيم وتعزيز دفاعات الخطوط الأمامية، واستقدم ضباطا اُستبعدوا في السابق، وأعاد تعيين الضباط الأكفاء. ونتيجة جهوده لتحسين فاعلية الجيش كسب بن عزيز ثقة التحالف، ما سيضعه في موقع جيد ليحل محل المقدشي كوزير للدفاع في الحكومة الجديدة المتوقع تشكيلها نتيجة اتفاق الرياض.

 

على مستوى التحالف بقيادة السعودية، فإن الإقالة الصادمة لقائد عمليات التحالف الأمير فهد بن تركي وعدد من معاونيه العسكريين بتهم فساد، يمكن أن تُفسر إلى حد ما على أنها نتيجة الفشل العسكري المرئي في مأرب. ومن الجدير بالذكر أن السعودية سحبت عددًا كبيرًا من الضباط والجنود من مأرب خلال العامين المنصرمين، ونشرتهم ضمن تشكيلات عسكرية على طول الحدود الجنوبية للمملكة للتصدي لهجمات الحوثيين. ولكن هذا الاتهام لشخصية عسكرية سعودية رفيعة المستوى ومن العائلة المالكة لم يؤدِ بالمقابل لمحاسبة أي شخصية عسكرية يمنية عن عمليات فساد ضمن المجهود الحربي للتحالف والحكومة. وكأن ممارسات الفساد التي يُزعم بأن بن تركي ارتكبها ترتبط بنزاع آخر.

 

تمكن مقاتلو قبيلة مراد الذين يواجهون الحوثيين من إعادة ترتيب خطوطهم الدفاعية بعد خسارة مديريتي الماهلية والرحبة، ووعورة التضاريس بين الرحبة وجبل مراد والجوبة منحتهم أفضلية كبيرة لمعرفتهم هذه المناطق عن كثب. وبالتالي، تحولت هذه الجبهة إلى جبهة استنزاف شديدة للحوثيين، وأعداد مقاتليهم الكبيرة لم تمنحهم أي أفضلية ذات أهمية ضد مقاتلي قبيلة مراد الذين يقاتلون على أرضهم، ما أسفر عن ارتفاع عدد ضحاياهم. وتشير طبيعة التضاريس إلى أن جبهة جنوب مأرب قد تتحول إلى جبهة جامدة، تشبه بشكل كبير جبهة صرواح في شمال غرب مأرب حيث الجمود سيد الموقف، مع عدم قدرة أي من الطرفين المتحاربين إحراز أي تقدم حقيقي منذ عام 2015.

 

تشمل المعركة من أجل السيطرة على مأرب الآن نطاقًا واسعًا من المواجهة العسكرية التي تمتد بشكل القوس، من الجنوب الغربي وصولاً إلى الشمال، حيث تلقى الحوثيون انتكاسة في قدرتهم بالضغط على مأرب من صحراء الجوف، شرق مدينة الحزم، إذ استطاع هجوم مضاد شنه الجيش اليمني في سبتمبر/أيلول بقيادة اللواء أمين الوائلي، قائد المنطقة العسكرية السادسة، مدعومًا بغارات التحالف من التقدم عبر مناطق واسعة في الصحراء وبات قريبًا من معسكر اللبنات، ما وضع قوات الحوثيين في وضع دفاعي مهزوز لأول مرة منذ سيطرتهم على أجزاء من المحافظة. وللتعويض عن ذلك، حاول الحوثيون مؤخرًا الضغط عسكريًا أكثر على مديريتي مدغل ورغوان، في شمال غرب مأرب، اللتين تشكلان أراضي قبيلة الجدعان، ورغم قلة أعداد مقاتليها قياسًا بقبيلتي مراد وعبيدة إلا أن القبيلة صدت وبشكل استثنائي هجوم الحوثيين. وثبت أن هذا الدفاع حيوي للغاية؛ إذ أن أي انفراجة في شمال غرب مأرب ستضع قوات الحوثيين على مقربة من مدينة مأرب. في هذه الأثناء، تعد مناطق الحدود الغربية لمأرب أكثر جبهة مفتوحة أمام الحوثيين لشن هجمات انطلاقًا منها، باستثناء مديرية بني ضبيان، منطقة قبائل بني ضبيان التابعة قبليًا لخولان، والتي أعلنت عام 2015 الحياد في المعركة بين الحكومة والحوثيين.

 

مستقبل نزاع مأرب

 

إن ما يحمي مأرب حتى الآن من السقوط بيد الحوثيين، هو في المقام الأول، صمود القبائل المحلية التي لطالما تمتعت باستقلالية شديدة؛ أسفرت عن علاقة معقدة مع أي سلطة مركزية في صنعاء. كما أن لدى قبيلة مراد ومعظم قبائل مأرب المحلية الأخرى إحساسا عاليا بهويتهم السنية، ما يضعهم على خلاف مع جماعة الحوثيين الذين يؤمنون بأيديولوجية إسلامية قائمة على المذهب الشيعي الزيدي. ولدى قبيلة مراد تحديدًا علاقة تاريخية معقدة مع الزيديين في اليمن، غالبًا ما اتسمت بالعداء.

 

اغتيل الإمام علي بن أبي طالب (الأب الرمزي لجميع الطوائف الشيعية في العالم الإسلامي) على يد عبدالرحمن بن ملجم، أحد أفراد قبيلة مراد، عام 661. أما في التاريخ الحديث، فلقد قُتل يحيى محمد حميد الدين، الإمام الزيدي للمملكة المتوكلية اليمنية، عام 1948 على يد علي بن ناصر القردعي المرادي، أحد أبرز شيوخ قبيلة مراد. وأخيرًا، فلقد ساهمت الخبرة القتالية لأبناء هذه القبائل ومعرفتهم بأراضيهم وجغرافيتها في تحقيق التوازن في القتال ضد الحوثيين على الرغم من تفوق عدد مقاتلي الحوثيين عليهم.

 

بالنسبة للحوثيين، لا تزال إمكانية الوصول إلى مدينة مأرب والتقدم شرقًا للاستيلاء على صافر ومصفاة النفط هناك هدفًا شديد الإغواء. من شأن السيطرة على ثروة مأرب النفطية أن يغير شكل الحرب بأكملها على المستويين السياسي والعسكري لصالحهم، وتحديدًا بتمركز قوات الحوثيين في مناطق تسمح لهم بتهديد المحافظات الجنوبية حضرموت وشبوة والمهرة. وحتى لو لم يتمكنوا من تحقيق اختراق عسكري، فإن استمرار الضغط العسكري على السلطة المحلية والقبائل في مأرب قد يجبرهم على الوصول إلى تسوية مع الحوثيين، كما حدث في معارك أخرى بين القبائل وقوات الحوثيين على مدى السنوات الماضية من الصراع. طرح الحوثيون، عبر عدة وسطاء، تسوية على محافظ مأرب الشيخ سلطان العرادة تقضي بترتيبات اقتصادية وأمنية تمنحهم حصصًا من عائدات المحافظة ومواقع لأنصارهم في سلطة مأرب المحلية، ولكنه رفضها حتى الآن. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التقارير التي تتحدث عن شعور بعض قبائل مراد بالاستياء المتزايد نتيجة الخسائر التي مُنيت بها خلال المعارك الأخيرة ضد الحوثيين والغياب المتصور للدعم من الحكومة والتحالف.

 

انتصار أي من الطرفين في معركة مأرب سيكون نقطة تحول في حرب اليمن. من شأن انتصار الحوثيين أن يعيد صياغة اليمن بشكل جذري ويمنحهم سيطرة شبه كاملة على المحافظات الشمالية، والأهم من ذلك، الوصول إلى موارد البلاد من النفط والغاز والعائدات التي ترافقها. كان الحوثيون يحلمون بمثل هذه المكاسب منذ بداية هذا الصراع الذي امتد لسنوات. وعلى الجانب الآخر، فإن هزيمتهم في مأرب بعد استثمارهم فيها بالتجهيزات والمقاتلين سيمثل انتكاسة رئيسية لهم. أحد الأمور التي يجب عليهم أن يقلقوا بشأنها نتيجة فشلهم في الاستيلاء على مأرب هي صورتهم كقوة عسكرية باطشة سواء أمام جمهورهم أو خصومهم، وليس فقط داخل اليمن بل أيضًا خارجها. المجتمع الدولي يراقب معركة مأرب باهتمام إذ إنه يدرك أن النتيجة، بطريقة أو بأخرى، ستشكل مستقبل الحرب والسلام المحتمل في اليمن.

 

*ماجد المذحجي هو مؤسس مشارك والمدير التنفيذي لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

 

نقلا عن موقع  " مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية"

 


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس