من 30 يونيو المصري الى 25 يوليو التونسي .. كيف قاد الغباء والغرور جماعة الإخوان الى الهاوية

الثلاثاء 27 يوليو 2021 - الساعة 12:11 صباحاً
المصدر : الرصيف برس - المحرر السياسي


 

 

 

 

 

بمجرد ان وصفت حركة النهضة "الذراع المحلي لتنظيم الإخوان المسلمين في تونس" القرارات التي أعلن عنها الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة أمس بأنها "الانقلاب"، حتى سارع التنظيم وآلته الاعلامية الى التذكير ما تصفه "انقلاب" الـ 30 من يونيو 2013 الذي أطاح بحكمها في مصر.

 

وبالعودة الى أحداث ذلك اليوم والأسباب التي أدت اليه، يمكن التوافق بشكل كلي مع خطاب الاخوان عن تشابه التام بين الحدثين باستثناء التوصيف بانهما "انقلاب" في حين يرى فيه خصوم الاخوان في البلدين بانهما ثورة شعبية دفعت الى اتخاذ قرار انهاء حكم الاخوان.

 

تشابه يتجلى في عدة أوجه منها سياق الأحداث التي أوصلت الى الإطاحة بحكم الإخوان في كل من مصر وتونس جراء الفشل الذريع في مختلف الجوانب ، بالإضافة الى التشابه اللافت بين طريقة وصول بطلي الحدثين الى مركز صنع القرار وهما الرئيس التونسي قيس سعيد ووزير الدفاع آنذاك والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

 

الفشل الذريع لحكم الإخوان في كل من مصر وتونس كانت له أوجه عديدة ومختلفة أهمها الفشل الواضح في الملف الاقتصادي كمحصلة طبيعية لغياب امتلاك جماعة الاخوان لأي نظرية اقتصادية ولا أدل على ذلك اضطرار حكومة مصر في عهد الاخوان الى تقديم طلب قرض من البنك الدولي وهو ما ينسف الشعار الذي رفعته جماعة الاخوان لـ 80 عاماً في صفوف المعارضة "الإسلام هو الحل" ، وكان مهاجمة "القروض الربوية" اهم سلاح ترفعه الجماعة بوجه الحكومات العربية. 

 

الفشل الاخر او الكارثة الأخرى التي جلبها حكم الاخوان كان تفشي مظاهر التطرف والإرهاب في تونس التي لم تألفها في تاريخها ومصر التي كانت قد نجحت في وأدها بعد ان كادت ان تزدهر في سبعينات القرن الماضي، فظهرت الجماعات الإرهابية في سيناء بمصر ضد الجيش المصري بدعم من الاخوان باعتراف القيادي بالجماعة محمد البلتاجي الذي صرح من داخل ميدان رابعة بان النشاط الإرهابي في سيناء سيتوقف بمجرد عودة الرئيس المخلوع محمد مرسي للحكم.

 

اما تونس المجتمع الأكثر تحرراً ومدنية بين الدول العربية فقد تحول في ظل الاخوان الى معمل لإنتاج الإرهابية وتصديرهم الى داعش في سوريا والعراق ، وصل عددهم الى أكثر من 8 الف مقاتل ، وهو رقم صادم لمجتمع لم يألف التطرف في العقود الأخيرة ، كما لم يألف فيها حوادث الاغتيال السياسي التي ظهرت في عهد الإخوان وكان ضحاياها من خصوم الجماعة وابرزهم محمد براهمي امين حركة الشعب في يوليو 2013 وكذا اليساري بالعيد. 

 

كما أن تبني الاخوان للخطاب الديني بدلا من الوطني كان أحد أسباب اثارة الغضب ضدها في كل من مصر التي تعايش فيها المسلمون والاقباط منذ قرون ، وفي تونس الذي تعد على رأس المجتمعات العربية الأكثر تحرراً ومدنية كما أشرنا.

 

مظاهر فشل ونتائج كارثية على الواقع دفعت بالغضب الشعبي الى الشارع ضد أذرع الاخوان في مصر قبل الـ 30 من يونيو وفي تونس قبل الـ 25 من يوليو ، وتجلت بمشاهد إحراق مقرات الإخوان من قبل المصريين وتكررت بهذا النمط في تونس باليومين الماضيين.

 

وإزاء هذه المشاهد كان تجاهل جماعة الاخوان لكل دعوات إصلاح الأوضاع وتدارك الموقف يعكس مدى الغرور لدى قيادتها في كل من تونس ومصر ، وبأن العصر بات عصر الإخوان الذهبي ، وأنهم باتوا متمكنين من مقاليد الأمور ولن تقدر أي قوة على ازاحتهم حتى وان كان الشعب الذي اوصلهم لسدة الحكم ، فيمكن مواجهه حشوده وتظاهراته ، بحشود وتظاهرات انصارهم.

 

وما يثير السخرية ان لم يكن الشفقة ان هذه الغرور لدى جماعة الاخوان جعل من نهايتهم السياسية في مصر وتونس تأتي على يد من كانوا سبباً في وصولهم الى سدة اتخاذ هذا القرار، وهما قيس سعيد وعبدالفتاح السيسي.

 

فخوف إخوان مصر من وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي، دفع بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي في أغسطس 2012م الى اصدار قرار بترقية عبدالفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية، من رتبة لواء إلى رتبة فريق أول، وتعيينه وزيرًا للدفاع، وقائداً عاماً للجيش.

 

يومها نشر الموقع الرسمي لحزب الحرية والعدالة وهو الذراع السياسي لجماعة الإخوان في مصر تقريراً مطولاً عن هذا القرار تحت عنوان "عبدالفتاح السيسي.. وزير دفاع بنكهة الثورة"، وبأنه اصغر وزير دفاع سناً تم تعيينه في مصر ، كانت جماعة الاخوان تنظر الى الرجل بأنه ورقة مضمونة وان صغر سنة مقارنة بأعضاء المجلس العسكري الذي ادار البلاد عقب الإطاحة بحكم محمد حسن مبارك يشير الى ضعف خبرة الرجل وسهولة ان يتم التحكم به، ومن خلاله التحكم بالجيش المؤسسة الأقوى تأثيراً في مصر.

 

أغفلت الجماعة ان القوة السياسية لأي شخصية او كيان او مؤسسة في مصر وغيرها يعود في الأول والأخير الى مدى استناده على الشعب وموقفه من خياراته وأنها القوة الحقيقة ، وهو ما جسده عبدالفتاح السيسي في الـ 30 من يونيو 2013م بخلع حكم الإخوان مستنداً الى ملايين المصريين المحتشدين في مدن البلاد.

 

ذات التجربة تكررت في تونس باختلاف الأسماء فقط ، فوصول قيس سعيد الدكتور الجامعي الى سدة الحكم كرئيس لتونس في أكتوبر 2019م، لعبت جماعة الاخوان فيه دوراً عاماً بدعمه في جولة الإعادة الثانية من الانتخابات الرئاسية امام المرشح القوي نبيل القروي والمحسوب على النظام السابق.

 

وقوف جماعة الإخوان خلف قيس جاء أولا كخيار اضطراري بعد الهزيمة المدوية والتي لم تكن تتوقعها الجماعة لمرشحها عبدالفتاح مورو وهو أمين عام حركة النهضة الذي حل ثالثاً في رسالة رفض من الشعب التونسي لم تقرأها الجماعة ، كما لم تقرأ الجماعة تنقاص أعداد المصوتين لها.

 

ففي أول انتخابات بعد الإطاحة بنظام بن علي في 2011 حصلت حركة النهضة على مليون ونصف المليون صوت بنسبه % 37 ، وبعد ثلاث سنوات في انتخابات 2014 حصلت على أقل من مليون صوت (950 الف) بنسبة % 27 ، وفي أخر انتخابات عام 2019م حصلت على نصف مليون صوت بنسبه % 19 ، أي ان الحركة فقدت في 8 سنوات فقط نحو ثلثي شعبيتها ، الا انها لم ترى ولم تستوعب ذلك.

 

فقد كانت مشغولة بنتائج الانتخابات الرئاسية، وضمان وصول رئيس بلا أي حزب او كيان سياسي يقف خلفه (أي قيس سعيد) خياراً ذهبياً لاحتوائه لاحقاً وإدارة البلاد عبره ، كما تصنع حالياً مع الرئيس الشرعي لليمن عبدربه منصور هادي ، الا ان ذلك لم يتحقق ، فلم يمكن قيس كهادي بل ظهر كسيسي أخر أطاح بحكمهم وأعاد مشهد الـ 30من يونيو بعد 8 سنوات.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس