الشرعية والدرس الأفغاني ... حين يقضي الفساد والعبث على مصير الأوطان

الثلاثاء 17 أغسطس 2021 - الساعة 12:06 صباحاً
المصدر : الرصيف برس - المحرر السياسي


 

 

 

 

قبل نحو شهر كان الرئيس الأمريكي جو بايدن يرد على مخاوف سيطرة حركة طالبان المتطرفة على أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي ، بالتباهي بقوة الجيش الافغاني الذي بنته أمريكا وحلف الناتو على مدى عشرين عاماً.

 

" القوات الأفغانية تقدر بـ 300 الف جندي مجهز بالكامل وبتجهيز أي جيش بالعالم مع قوات جوية ، وبوجود 75 الف من عناصر طالبان ، لا يبدو الأمر حتمياً" ، بهذه اللغة الواثقة كان بادين يرد على سؤال لأحد الصحفيين بمؤتمر صحفي عقده البيت الأبيض حول ما إذا كان سقوط أفغانستان بيد طالبان أمر حتمي.

 

حديث بايدن حينها أي قبل أكثر من شهر ، كان في ظل مشهد مختلف تماماً عن ما حصل بالأمس ، فتواجد عناصر طالبان وسيطرتهم لا يزال في الأرياف والجبال والمدن الصغيرة ، كان المشهد اشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة "طالبانية" بدأت تحتاج الولايات الأفغانية واحدة تلو الأخرى الى ان وصلت الى كابول العاصمة مساء السبت الماضي وسيطرت عليها رسمياً مع حلول مساء الاحد.

 

مشهد بدأ صادماً ، وقد عبر عنه عنوان لافت لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية كان عنوانه "تم بناء الجيش الأفغاني على مدى 20 عامًا.. كيف انهار بهذه السرعة؟" ، حاولت الصحيفة فهم الانهيار السريع للجيش الافغاني أمام مقاتلي حركة طالبان المتطرفة منذ إعلان أمريكا سحب قواتها من البلد في مايو الماضي.

 

ترى الصحيفة انهيار الجيش الافغاني يأتي على الرغم من أن الولايات المتحدة ضخت أكثر من 83 مليار دولار في صورة أسلحة ومعدات وتدريبات لقوات الأمن والجيش في البلاد على مدار العقدين الماضيين، في حين تصل الموازنة السنوية للجيش نحو 4مليار دولار.

 

لتجيب الصحيفة عن سؤالها بإجابات لمسئولين أمريكيين كشفوا فيها عن جانب من الفساد داخل قوات الأمن والجيش الأفغانية التي كان يبلغ عددها على الورق حوالي 300 ألف شخص، لكن الاحداث كشفت ان الموجود على الأرض هو سُدس هذا العدد فقط ، أي نحو 50 الف فقط.

 

أسباب أخرى لهذا الانهيار كشفته اليوم صحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية، ربما يفسر مشهد تساقط أغلب المدن والولايات الأفغانية بيد مقاتلي طالبان بدون أي قتال او مقاومة. 

 

حيث كشفت الصحيفة في تقرير مطول لها عن ما اسمته ”الصفقات السرية وعمليات الهروب الجماعية“ في صفوف قوات الجيش والأمن الأفغانية، بدأ بسلسلة من الصفقات داخل القرى الريفية، بين طالبان وبعض المسؤولين الحكوميين الأفغان“.

 

الصحيفة نقلت شهادات من ضباط بالجيش الافغاني برروا فيه هذا الانهيار المهين بدون أي مقاومة ، حيث أشار بعضهم ان انهيار معنويات الجنود في بعض المدن بعد فرار القادة والمسئولين منها بشكل مفاجئ ، في حين تلقى بعضهم أوامر صريحة من قيادتهم بالاستسلام لطالبان ، مشيرين الى الوضع الصعب الذي يعيشه افراد الجيش والأمن وانهم لم يتسلموا رواتبهم لفترات تتراوح بين 6 -9 أشهر.

 

ما يرويه الإعلام الأمريكي لا يعني ان الجيش والأمن الافغاني وحدهما من يتحملا المسؤولية ، التي يرى المتابعون للشأن الافغاني ان من يتحمل الجانب الأكبر منها هو الرئيس أشرف غني الذي يدير البلاد منذ عام 2014م ، حيث يرون ان سلوك الرجل وإدارته للأمور كان اهم عامل مساعد لعودة طالبان الى المشهد.

 

وكالة الأنباء الفرنسية وفي تقرير لها عن الرجل بعنوان " الرئيس الفار الذي تحول إلى رمز لانهيار الدولة في أفغانستان" ، تنقل عن الكاتب الباكستاني أحمد راشد الذي تربطه معرفة بغني منذ نحو 30 عاما، قوله بأن الرجل "لم يسمح لأحد بالتقرب منه"، واعتبر أن نوبات غضبه المتكررة وغطرسته تجاه مواطنيه الأفغان "جعلت منه شخصية مكروهة".

 

وتشير الوكالة في تقريرها بان الرجل أثار في انتخابات 2014 صدمة العديد من الأفغان باختياره الجنرال عبد الرشيد دوستم للترشح لمنصب نائب الرئيس، حيث إن زعيم الحرب الأوزبكي متهم بارتكاب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان. 

 

يعد الرجل واحداً من اهم أسباب انهيار الدولة الأفغانية بيد طالبان، بسبب إدارته العبثية والتي جعلت الفساد سمة أساسية له ولمسئولي الدولة الى جانب سمة العبث بأجهزة الدولة ومنها مؤسسة الجيش والأمن بقرارات كارثية وتعيينات لشخصيات لا تحمل معايير الكفاءة بل معايير الولاء له.

 

وما يلفت الإنتباه ما كشفه السكرتير الصحفي للبعثة الدبلوماسية الروسية في كابول، عن مشهد هروب غني من العاصمة الأفغانية كابول، حيث قال بان الرجل فر الى المطار برفقة أربع سيارات كانت مكدسة بالمال، حاول مرافقوه إدخال قسم آخر من المال إلى طائرة هليكوبتر، لكنها لم تتسع لكل الأموال، ولذلك بقي بعضها على مدرج الإقلاع والهبوط في المطار، ليفر الرجل بجلده وبما قدر ان يحمله من أموال.

 

ما يسرده الإعلام عن خلفيات مشهد الانهيار في أفغانستان تكاد تتطابق مع المشهد في اليمن مع بعض الاختلافات، فحالة الفساد والعبث من قبل غني وطاقمه يكاد ذاته لحالة الفساد والعبث من هادي وطاقمه من لوبي الحرب وجماعة الاخوان.

 

وفساد وعبث تبدو نتائجه واضحة بفشل المعركة ضد مليشيات الحوثي رغم الدعم الكبير من قبل التحالف وبخاصة في الشمال، بل ان الأمر ساهم في اسقاط ما تم تحريره بيد المليشيات كما حصل في نهم والجوف والبيضاء ، مع بقاء الإنجازات العسكرية التي تمت وظلت بعيدة عن هذا الفساد والعبث الوحيد وهو تحرير المحافظات الجنوبية والساحل الغربي.


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس