تمثالان نادران من آثار اليمن أمام القضاء السويسري.. وغياب يمني رسمي يثير التساؤلات
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - الساعة 09:39 مساءً
المصدر : الرصيف برس - متابعات خاصة

كشف خبير الآثار اليمني والباحث عبدالله محسن عن تفاصيل قضية قضائية معقدة تتعلق بتمثالين أثريين نادرين من اليمن، يخضعان للحجز في مدينة جنيف السويسرية منذ سنوات، في نزاع بدأ على خلفية تحقيقات في تجارة الآثار عام 2016، ولا تزال إجراءاته مستمرة حتى عام 2026.
وقال محسن، في عرض تفصيلي للقضية استناداً إلى الأحكام والوثائق القضائية السويسرية المنشورة التي اطلع عليها، إن التمثالين، المعروفين في الوثائق بالرقمين (ST.FIG.047) و(ST.FIG.048)، يمثل أحدهما شخصية رجل، فيما يمثل الآخر شخصية أنثى في وضعية تقديم قربان.
وبحسب الوثائق القضائية، تعود القطعتان إلى الفترة الواقعة بين القرن الأول والقرن الثالث الميلادي، وتصنعان من مادة وصفتها النيابة بأنها هيدروكسي كربونات المغنيسيوم أو البروسيت، وهي مادة ارتبط استخدامها بمجموعة محدودة من المنحوتات اليمنية القديمة التي درست في مناطق بمحافظة الضالع، ولا سيما منطقة شكع.
وأوضح محسن أن أهمية التمثالين لا تقتصر على مادتهما أو قدمهما، بل تمتد إلى خصائصهما الفنية التي تقترب من نمط معروف في عدد من المنحوتات اليمنية القديمة المكتشفة في منطقة الضالع.
وأشار إلى أن الباحثة وعالمة الآثار الإيطالية سابينا أنتونيني وثقت نمطاً من الشخصيات الواقفة ذات الأجسام الممدودة نسبياً والعيون البارزة، مع أذرع متقدمة إلى الأمام في وضعية تقديم قربان أو نذر، وهو وصف يقترب بصورة لافتة من مواصفات التمثال الأنثوي الموجود في جنيف.
ويبرز ضمن هذا التقليد الفني تمثال «سيدة الضالع» المحفوظ في متحف عدن، إلى جانب منحوتات أخرى من مقبرة شكع محفوظة في متحف الضالع، وقطع موجودة في منازل ومجموعات خاصة، فضلاً عن نموذج ظهر في سوق الآثار.
وتذكر أنتونيني، بحسب محسن، أن بعض القطع التي شاهدتها في المنازل الخاصة جاءت من حفريات غير قانونية، إلا أنه أكد عدم العثور حتى الآن على دليل منشور يربط تمثالي جنيف مباشرة بأي من تلك المجموعات الخاصة.
وتكتسب القضية أهمية أكبر في ضوء تقرير خبرة أُعد بطلب من المكتب الفيدرالي السويسري للثقافة في 30 مايو 2022.
وبحسب ما أوردته الأحكام القضائية اللاحقة، خلص التقرير إلى أن التمثال الأنثوي قطعة أثرية أصلية وذات قيمة استثنائية، كما أشار إلى وجود تمثال ذكري شديد الشبه به، يرجح أن يكون جزءاً من زوج أو مجموعة مترابطة.
ويرى محسن أن ثبوت وجود علاقة بين القطعتين من شأنه أن يمنحهما قيمة علمية تتجاوز قيمة كل تمثال منفرد، باعتبار أنهما قد يمثلان دليلاً نادراً على نمط جنائزي أو شعائري متكامل من اليمن القديم.
وتعود جذور القضية إلى تحقيقات واسعة نفذتها السلطات في جنيف منذ عام 2016، وشملت أكثر من 10 آلاف قطعة أثرية موجودة في مخازن مرتبطة بتجارة الآثار والفنون.
وكان التمثالان موجودين في مخازن الشركة التي شملتها عمليات التفتيش عام 2017، ثم ظهرا لاحقاً ضمن قائمة القطع المحجوزة التي أحالتها الجمارك إلى النيابة العامة في أبريل 2018، من دون أن يكون مصدرهما الأثري قد حُسم حينها عبر تقرير فني متخصص، وفق الوثائق التي أشار إليها الباحث.
وشكلت واقعة حدثت في 1 مارس 2022 نقطة تحول في القضية، عندما جرت محاولة لإخراج التمثال الأنثوي من المنطقة الجمركية في جنيف وإدخاله إلى الأراضي السويسرية تمهيداً لعرضه على عميلة محتملة.
وأدت الواقعة إلى إعادة التدقيق في القطعة، وطلب المكتب الفيدرالي للثقافة إعداد تقرير خبرة متخصص.
وفي 30 مايو 2022، خلص تقرير الخبرة، بحسب ملخصه الوارد في الأحكام القضائية، إلى أن التمثال يمثل ممتلكاً ثقافياً بالمعنى القانوني، مع وجود اشتباه قوي في ارتباطه بحفريات غير مشروعة.
وفي 5 يناير 2023، أبلغت سلطات الجمارك النيابة العامة في جنيف رسمياً بالشبهات المتعلقة بالقطعتين، ليفتح على إثر ذلك ملف جنائي، قبل فرض الحجز القضائي على التمثالين في أواخر يناير ومطلع فبراير من العام نفسه.
وفي 15 مايو 2024، أصدرت النيابة العامة أمراً جزائياً في القضية، واتجهت، وفق الوثائق المنشورة، إلى تحميل المتهم مسؤولية مرتبطة بحيازة القطعتين أو استيرادهما، كما أمرت بمصادرتهما وإسنادهما إلى الاتحاد السويسري.
إلا أن الدفاع اعترض على القرار، وانتقلت القضية إلى محكمة الشرطة في جنيف.
وركز الدفاع، إلى جانب إنكاره عدم مشروعية مصدر التمثالين، على حجة إجرائية مفادها أن السلطات السويسرية كانت قد شاهدت القطعتين خلال التحقيقات السابقة، لكنها لم تصادرهما آنذاك، وبالتالي لا يجوز، وفق مبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الوقائع ذاتها، إعادة ملاحقته بشأن الوقائع نفسها.
وفي 20 نوفمبر 2024، تبنت محكمة الشرطة هذا الاتجاه، فأغلقت القضية وقررت رفع الحجز عن التمثالين.
ويشير محسن إلى أن الصحافة السويسرية تناولت الحكم باعتباره يمهد لاستعادة التاجر للقطعتين، غير أن النيابة العامة السويسرية والمكتب الفيدرالي للثقافة طعنا في القرار، لتدخل القضية مرحلة قضائية جديدة أكثر تعقيداً.
وفي 20 يونيو 2025، أصدرت غرفة الطعون الجنائية في محكمة العدل بجنيف حكماً ألغت بموجبه قرار محكمة الشرطة.
ورأت المحكمة، بحسب عرض محسن للحكم، أن مجرد معرفة السلطات بوجود التمثالين في المخازن خلال التحقيق السابق لا يعني أن مصدرهما وظروف اقتنائهما خضعا لتحقيق كامل.
كما اعتبرت المحكمة أن الخبرة المتخصصة التي أُنجزت عام 2022 شكلت عنصراً جديداً ذا أهمية، بما يسمح باستمرار الإجراءات القضائية، ولا يجعل القضية مجرد إعادة للملاحقة السابقة.
وألغت المحكمة كذلك قرار رفع الحجز عن القطعتين، وأعادت الملف إلى محكمة الشرطة لاستئناف النظر فيه.
وسجل الحكم أيضاً تقديم طعن أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية في 25 يوليو 2025.
أين اليمن من القضية؟
ويثير ملف التمثالين سؤالاً لافتاً بشأن الحضور الرسمي اليمني في الإجراءات القضائية.
وقال محسن إنه، حتى تاريخ إعداده عرضه للقضية، لم يجد في الأحكام والوثائق القضائية السويسرية المنشورة التي اطلع عليها محامياً يمثل الجمهورية اليمنية، أو مذكرة قانونية يمنية، أو تقرير خبرة فنية مقدماً من جهة يمنية ضمن أوراق القضية المنشورة.
وأشار إلى أن القضية امتدت لنحو عشر سنوات، تعاقبت خلالها ست حكومات يمنية، بينما لا يظهر في السجل القضائي المنشور حضور قانوني يمني واضح بشأن القطعتين.
وأكد في الوقت ذاته أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم وجود تحركات أو اتصالات رسمية غير منشورة، معرباً عن أمله في أن يكون مخطئاً في استنتاجه، وأن يصدر توضيح من السفارة اليمنية أو الجهات الحكومية المختصة بشأن موقفها من القضية وأي إجراءات اتخذتها لحماية حقوق اليمن في القطعتين.
وفي محاولة للتحقق من وجود تحرك يمني في القضية، أشار محسن إلى خبر نشرته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» في 19 فبراير 2026، حول لقاء السفير اليمني لدى سويسرا، الدكتور علي مجور، مع فابين باراغا، مديرة المكتب الفيدرالي السويسري للثقافة ورئيسة قسم الخدمة المتخصصة لنقل الممتلكات الثقافية على المستوى الدولي.
إلا أن الخبر، بحسب محسن، لم يتضمن أي إشارة إلى التمثالين محل النزاع القضائي، وإنما تناول خمس قطع أثرية يمنية أخرى كانت قد ضُبطت في الميناء الحر بجنيف عام 2009.
ولفت إلى أن خبر «سبأ» وصف تلك القطع بأنها «أُعيدت إلى الجمهورية اليمنية»، بينما تشير المعلومات المتاحة، وفق عرضه، إلى أنها لا تزال موجودة في متحف الفن والتاريخ في جنيف، وكانت قد عُرضت هناك خلال الفترة من مارس وحتى نهاية سبتمبر 2017.
وأكد محسن أنه حتى تاريخ كتابة عرضه، لم يعثر في المصادر القضائية الرسمية المتاحة علناً على حكم لاحق يحسم بصورة نهائية مصير التمثالين، سواء بإعادتهما إلى حائزهما أو بتسليمهما إلى الجمهورية اليمنية.
وأوضح أن آخر حكم منشور يؤكد إلغاء قرار رفع الحجز واستمرار الإجراءات القضائية، مع تسجيل طعن أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية في يوليو 2025.
ويرى الباحث أن استمرار الغموض بشأن الموقف اليمني في قضية تتعلق بتمثالين نادرين من التراث الأثري اليمني يجعل غياب الحضور اليمني الظاهر في السجل القضائي المنشور سؤالاً يستحق إجابة رسمية، خصوصاً أن القيمة العلمية للقطعتين قد تكون أكبر إذا ثبت ارتباطهما ضمن مجموعة أثرية واحدة.
وفي المقابل، أشاد محسن بالدور الذي قامت به السلطات السويسرية في التعامل مع القطعتين، ومنع التصرف فيهما إلى حين استكمال الإجراءات القضائية.
وقال إن الجمارك السويسرية والنيابة العامة في جنيف والمكتب الفيدرالي للثقافة والجهات القضائية المختصة أسهمت في إعادة فحص القطعتين، وإخضاعهما للخبرة الفنية، والإبقاء عليهما تحت الحجز القضائي بعد ظهور شبهات جدية بشأن مصدرهما.
واعتبر أن هذا النهج يعكس أهمية التعاون الدولي في حماية الممتلكات الثقافية ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، كما يوفر لليمن فرصة لمتابعة القضية قانونياً وفنياً، والدفع باتجاه حماية حقوقه في القطعتين إذا ثبتت صلتهما بالتراث الأثري اليمني.
وتظل هوية مصدر التمثالين ومسارهما التاريخي قبل وصولهما إلى جنيف من أبرز المسائل التي تنتظر الحسم، فيما تبرز أهمية التحرك اليمني الرسمي لمتابعة القضية، وتوثيق الصلة الأثرية للقطعتين باليمن، وحماية حقوق الجمهورية اليمنية فيهما، باعتبارهما من القطع النادرة التي قد تحمل قيمة علمية وتاريخية استثنائية لفهم جانب من تاريخ اليمن القديم.















